هذه مقتطفات قمنا بترجمتها من رواية الأفغاني عتيق رحيمي "حجر الصبر" الحائزة على جائزة "الغنكور"سنة 2009. وهو أثر روائي نــوّهت "أدموند رو" رئيسة لجنة التحكيم بقيمته الأدبية واقتصاده في اللفظ وامتناع مؤلفه عن التفاصح مع حلول خطابه في قلب الحداثة، مُشددة على أن منحى المناجاة الذي عوّل عليه في نقل تفاصيل تلك المأساة الفاجعة قد تمسّك ببرودة دم مذهلة، متجنّبا كل إثارة للعواطف أو سقوط في وخز الضمير.
.............................
قاعة صغيرة مستطيلة الشكل ينتاب من دخلها شعور بالضيق رغما عن لون جدرانها السماوي ورسوم الطيور المهاجرة فوق ستائرها المحلّقة في سماء ملونة بالأصفر والأزرق. ثقوب الستائر المتناثرة فوق سطحها تسمح بدخول أشعة الشمس إلى الغرفة لتنعكس على ما بهت من خطوط البساط المفروش داخلها.
لا تحمل القاعة أي أثاث غير الخنجر المعلق بين النافذتين تعلوه صورة رجل قارب سنه الثلاثون يحمل شاربا، بشعر مجعد ووجه مربع يقبع بين عارضتي إطار مخروطتين بعناية. عيناه الصغيرتان لامعتا السواد يفصل بينهما أنف يشبه تقوّسه منقار نسر. الوجه مغلق، لكأن صاحبه في احتجاز ابتسامته يبدو متهكما في داخله من ناظريه. صورة بالأسود والأبيض بهت ما اعتلاها من إضافات لونية يدوية.
قبالة الصورة وحذو جدار الغرفة سُجي ذاك الرجل بعد أن تقدمت به السنوات قليلا على منضدة مفروشة أرضا. لحية امتزج سوادها بشيب أبيض وجسم نحيل منخول جلد ممتقع مجعّد على عظم. يشبه الأنف في تحدّبه بشكل لافت منقار نسر وينغلق الميسم مع مسحة متهكمة شديدة الغرابة. الفم منفرج والأعين الصغيرة شاخصة مغورّة مثبّتة في سقف الغرفة بين الأعمدة الخشبية المسوّدة المنخورة. تتمدّد الأيادي بجانب الجسد بلا حراك وتتبدّى العروق تحت جلد متهتك أشبه ما تكون بالديدان الـمُـجهدة متشابكة مع عظام جسد ناتئة وهامدة. في المعصم الأيسر ساعة يد ميكانكية، وفي البنصر خاتم قران من ذهب. عميقا في مفصل اليد اليمنى غرز قسطر، أنبوب يقطر منه سائل لا لون له يتحدر من جراب بلاستيكي معلّق بالسقف متدليا عند أعلى الرأس. بقية الجسم مسربل بإزار طويل يعلوه تطريز في مستوى الرقبة والأكمام. الأرجل المتيبسة الشبيهة بقضيبين، يسترهما لحاف أبيض وسخ.
تتأرجح على وقع أنفاسه يد زوجته الموضوعة فوق صدره عند موضع الفؤاد. تقبع الزوجة منـزوية بينما تبدو أرجلها المطوية مدغمة في صدرها ورأسها متسافل بين ركبتيها. الشعر أسود، شديد السواد طويل يغطي أكتافا تتهادى متّبعة حركة اليد الموضوعة فوق الصدر عند موضع الفؤاد. تمسك بيدها اليسرى مسبحة سوداء طويلة تحركها الأنامل ببطء وصمت في حركة مماثلة لتهادي الكتفين على وقع أنفاس زوجها المسجى قبالتها. فستانها القرمزي الطويل يغطي كامل جسدها، بينما تظهر سنابل القمح الذهبية مطرزة أسفل الفستان وعند أكمامه. في متناول اليد مصحف قرآن مفتوح عند صفحة التصدير موضوع فوق وسادة مخملية الغلاف.
طفلة صغيرة تبكي، هي لا توجد بنفس الغرفة، قد تكون بالغرفة المجاورة أو عند الفناء. يتحرك رأس المرأة مُنهكا منسلاّ من بين الركبتين. امرأة بهية الطلعة لا يتنقّصها غير جرح صغير غائر بعمق عند زاوية عينها اليسرى، ضاغطا على أهدابها راسما حيرة قلقة على ناظريها. تبدو شفتاها المكتنـزتان جافتين ممتقعتين ترددان في هدوء وبطء نفس الدعاء. طفلة ثانية تبكي، تبدو أكثر قربا من الأخرى، هي عند عتبة الغرفة حذو الباب يقينا.
ترفع المرأة يمناها الموضوعة فوق فوائد الزوج، وتقف مغادرة الغرفة. تغيّبها لا يغيّر من الوضع شيئا، فالرجل لا يبدى أي حراك مواصلا تنفسه الصامت البطيء. صوت خطوات المرأة يهدّئ من روع الصبيتين، تلازمهما المرأة وقتا طويلا حتى يتظلل المنزل والعالم الخارجي بظل هجعتهما. تعود ماسكة بيمناها زجاجة صغيرة بيضاء، بينما تمسك يسراها مسبحتها السوداء. تجلس بجانب الرجل تفتح الزجاجة تنحني قليلا لتتمكن من سكب قطرتين في العين اليمنى ومثلهما في العين اليسرى، دون أن تتوقف أناملها عن تحريك حبات المسبحة الممسوكة بيدها الثانية. أشعة الشمس المخترقة لثقب سماء الستائر ذات اللونين الأصفر والأزرق تلمس في حنو ظهر المرأة وكتفيها المتهاديين في تعقّبهما لوقع تحرّك حبات المسبحة بين أصابعها.
بعيدا في مكان ما من المدينة صوت انفجار عنيف لقنبلة لا يستبعد أن يكون قد هدم عدد من المنازل، وحطّم كثيرا من الآمال أيضا. يليه صوت رد فعل وتقاذف يقطع صمت نهار ثقيل ترتجّ له النوافذ دون أن يوقظ الطفلتين. ينقطع الكتفان لبرهة مداها حبتا مسبحة عن التهادي. تضع زجاجة دواء العينين في جيبها. "القهّار"، توشوش في خلدها ثم تعيد: "القهّار". تعاود كلما اصّعد نفس من أنفاس الرجل المسجى قبالتها، مع كل كلمة تنطق بها تنـزلق بين أصابعها حبة من حبات المسبحة. تنهي المسبحة دورة كاملة تسعا وتسعين حبة، تسعا وتسعين "قهارا".
تهز ظهرها قليلا لتأخذ مكانها على المنضدة حذو رأس الرجل تعيد يدها اليمنى فوق صدره عند موضع الفؤاد، لتبدأ دورة جديدة من دورات المسبحة. عندما تنهي مرة أخرى تسعا وتسعين "قهّارا" تفارق يدها صدر الرجل متنقلة إلى موضع رقبته لتضيع الأنامل في لحية كثة، تَلْبُد هناك نفسا أو اثنان، ثم تخرج لتلامس الشفتين مارة بحنو على موضع الأنف والعينين والجبهة، مختفية مرة أخرى في شعر كثيف دهني.
"ألا تشعر بيدي؟" قالتها المرأة منحنية على الرجل، شاخصة فيه دون أن ترقّب أي رد فعل. تضع أذنها عند فمه، تسترق حسيس صوته دون جدوى. الفم منفرج والعينان شاخصتان معلقتان في أخشاب السقف الداكنة.
تزيد المرأة في انحنائها مخاطبة الرجل بصوت خافت: "بربك أوْمئ لي بعلامة واحدة تثبت أنك تشعر بحركة يدي، بأنك لا زلت بقيد الحياة، بأنك عائد إليّ، بأنك عائد إلينا ! علامة فقط كافية كي أستعيد ما خار من قواي واسترد يقيني بعودتك إلينا. تضطرب شفتاها "كلمة واحدة...أتوسل إليك". تنـزلق يدها حذو أذنه: "آمل أنك قي الإصغاء إليّ". يسقط رأسها على الوسادة. ...يتلوى جسدها لتستلقي على ظهرها ثم يضيع نظرها ليلتحم بموضع عيني زوجها الشاخصتان في مكان ما بين أعمدة السقف الخشبية السوداء المنخورة. "القهّار، القهّار، القهّار..."
... تضيع يدها مجدّدا وسط الشعر الدهني الكثيف، لتخرج من حلقها اليابس كلمات متوسلة: "عد إلي أرجوك قبل أن أفقد صوابي. عد من أجل أطفالك ...". ترفع رأسها فتظهر أعينها الغارقة في الدموع، بينما يتسمّر ناظراها يتعقبان اتجاه نظر الرجل اللا محدد. "إلهي أعده إلى الحياة !" ثم بنبرة جادة: " ألم يقاتل باسمك ! ألم يجاهد من أجل إعلاء كلمتك زمنا طويلا !" تصمت قليلا ثم تطفق حانقة: "وأنت تصر على تركه على هذه الشاكلة ؟ ! ما هو مصير هاتين الصبيتين؟ ما مصيري أنا ؟ لا، لا تستطيع، لا، ليس من حقك تركنا هكذا دون رجل". تجذب اليد اليسرى الماسكة بالمسبحة المصحف لتقرّبه منها، فتضيّق شدة الانفعال بحثها عن صوتها المبتلع داخل حنجرتها: "اثبت لنا وجودك وأعده بقدرتك إلى الحياة !". تفتح المصحف لتتابع بإصبعها الأسماء الحسنى المنقولة أعلى التصدير: "أقسم لك أنني لن أتركه يذهب أبدا ليقاتل كالأبله الحقير، حتى لو تعلّق الأمر بالجهاد من أجلك !" سأحتفظ به لنفسي، هنا، بمقربة مني، بمعيتي". تختنق العبرات في حنجرتها لتنفجر في صيحة متحسّرة: "القهّار"، تعود من بعدها لتحريك حبات المسبحة "القهّار"، تسع وتسعون "قهّار".
..."أنا خائفة" ! قالتها المرأة كمن يحتاج لتبرير خاطر وامض أو تعليل قرار وقر للتّوّ دون استجلاب أو تمحّك، ودون أن يُلاقي استنجادها أي إجابة. تُطرق برأسها مكرّرة "أنا خائفة وأنت !" تنظر إلى أسفل باحثة عن شيء ما. قد تكون تتخيّر كلماتها، أو تستجمع القدرة على التجرؤ على لفظها. تعثر على ضالتها. تتمثل العبارة لتنطق بها: "لم أعد أستطيع أن أقدّم لك أي شيء، أظن أن كل شيء قد انتهي". تصمت مجدّدا ثم تنشئ في عجلة من أمرها: "يبدو أن الحي سيتحول إلى خط متقدّم لجبهة القتال الدائر بين الفصائل". "أتصور أنك على علم بجليّة الأمر، أليس كذلك ؟ تصمت برهة لتسترجع قواها ثم تعود مؤكدة: "أخوتك أيضا يعلمون بذلك ! أفهم الآن لماذا هجروا هذا المكان. لقد فضلوا التخلي عنّا الأنذال !
لم يشاءوا أخذي معهم لأنك لا زلت بقيد الحياة ! لو..." تبتلع ريقها وغبنها أيضا. ثم تعود بنبرة أقل إصرار: "كان بإمكان الأشياء أن تكون مختلفة لو...صادف أن قُتلت". يُعلق تفكيرها، تتردد، ثم تنشئ بعد أن تأخذ نفسا طويلا: "كان بإمكان أحدهم التزوج بي ! يغيّر تهكمها الداخلي نبرة صوتها: "أجزم أن جميعهم يفضل أن يراك ميتا، على أن يتحمّلوا مشاهدتك على هذه الصورة". ترتعش: "كان ذلك سيسهّل عليهم...مضاجعتي دونما وخز ضمير!" قالت ذلك ثم انطلقت فارة كالسهم من الغرفة. تزايد وقع خطاها جيئة وذهابا من دون هدف محدّد بين طرفي الفناء، لكأنها تبحث عن شيء ليس بوسعها المسك به. قد يكون استعادة هدوئها، لا بل عودة السكينة إلى خُلدها.
تعود أدراجها بجسم مرتجف نحو الغرفة. تتقدم باتجاه الرجل لتستكمل ما كانت بصدد الخوض فيه: "كان أخوتك دوما يُبدون رغبة مكدودة في مضاجعتي ! هم..." تبتعد قليلا ثم تقترب: "كانت أعينهم طيلة سنوات تغيّبك الثلاث تتفي مواضع الإثارة في جسدي على الدوام... يسترقون النظر إلى عراء جسمي من نافذة الحمام الصغيرة، يمارسون الاستمناء ! يفعلون ذلك في الليل كما في النهار". ترتعش شفتاها وتتحرك يداها في الهواء لتلمس شعرها وتختفي في طيات فستانها. تضيع خطاها في الخطوط الكالحة لبساط الغرفة. "يستمنون...أتتصور !". تغادر على وقع هذه الكلمات مغتاظة مجددا الغرفة لكي تنفس هواء نقي يهدئ ما انتابها من فرط الغضب.
"الأوغاد ! السفلة !" تصيح لاعنة، ثم وبسرعة تُسمع دموعها المتوسلة: "ما الذي أنا بصدد التفوّه به؟ ! ما الذي دهاني حتى أصارحك بكل هذا؟ ! ساعدني يا إلهي، أضحيت لا أقوى عن كتم ما بداخلي ولجم لساني عن التلفظ به ! يلفها رداء الصمت.
تعود إلى الغرفة مضطربة الشعر شاخصة المآقي. تتهالك قبالة رأس الرجل ثم تطفق معترفة: "لا أدري ما يحصل لي، أشعر أن قواي تخور يوما بعد يوم، وإيماني بعودتك مجددا إلى الحياة أيضا. عليك أن تفهمني". تمرّر يدها على الوجه بحنان: "أرجو أن تكون قادرا على التفكير، أن تكون حيّا، مصغيا لما أبوح به إليك...". تسند ظهرها إلى الحائط، يمر وقت طويل مداه عشرة دورات بتقويم المسبحة، لكأنها بصدد تحريك الحبات على وقع أنفاس الـمُسجى، لتعود مشحونة بذكريات جديدة: "لم تكن تستمع إليّ أبدا لم تكن تعير اهتماما لما أقول. لم يسبق لنا أن تحدثنا مطلقا بهذا الشكل ! مرّ الآن على زواجنا عشر سنوات، لم نعش خلالها سويّة غير سنتين أو ثلاث أليس كذلك؟ "تحسب في سرها: "نعم بالفعل مذ تزوجنا مرت عشر سنوات ونصف. الآن أصبحت قادرة على عدّها. الآن ألفيتني متيقظة لما يدور حولي ! ترتسم على وجهها ضحكة صفراء قصيرة تعوّض ألف كلمة وكلمة يُستشف من خلالها التعبير عن الندم البليغ والحسرة الحَرَّة...
تباغتها الذكريات مجدّدا: "في تلك الفترة لم أكن أتساءل بشأن غيباتك المتكرّرة الطويلة. كان ذلك يبدو لي طبيعيا ! كنت تذهب إلى الجبهة لتقاتل باسم الله من أجل الحرية. كان ذلك كاف لتبرير كل شيء. كان ذلك يعضد رجائي ويملأني فخرا. كنت حاضرا بشكل ما معنا، وفي كل فرد منّا".
تبدو أعينها وكأنها تثقب الزمن لتنغمس عميقا في ذكرياتها: "زارتنا ولدتك تدفع صدرها المنتفخ أمامها طالبة يد أختي الوسطى، اعتُذر لها بأن الدور علي أنا، وأن موعد خطبة أختي لم يحن بعد، فأجابت: "جيّد، لا ضير، نخطب من أتى عليها الدور ! " وجّهت إصبعها السمين باتجاهي فأصابني الاضطراب ودلقت آنية الشاي عند القيام بصبّه. تُخفي لفرط ما تملّكها من الخجل وجهها بين راحتيها، مُقصية عن ذاكرتها وجه حماتها المتهكّم من تصرّفها بسفور. سارع والدي لقبول عرض الخطبة دون أن يبدي التحفظ أو التردد، بينما لم تكن أنت تعلم بأي شيء طبعا.
على النقيض من والدتك كان أبوك عطوفا يلقي على مساعي جميل الأشعار ويقص عليّ أحلى الحكايات، يعلمني القراءة والكتابة، يحثني على التفكير. كان يحبني على قدر المكانة التي حللت أنت بها في قلبه. كان فخور بك لأنك كنت تقاتل من أجل الحرية. لم يتغير قلبه عليك أو على إخوتك إلا بعد أن تحرّرت البلاد والتحقتم تقاتلون ضمن الفصائل من أجل الاستئثار بالسلطة.
...خلال أيام الخطبة لم أكن أعرف شيئا عن الرجال، لم أكن أعرف شيئا عن الحياة الأزواج، لم يكن أمامي غير مثال والدي؟ ! وحده السمّان كان يشغل اهتمامه ويحظى بصادق محبته ! فكثيرا ما كان يقبّله بشغف وهو ما لم يكن يفعله، لا معنا ولا مع والدتنا أبدا. كنّا سبعة، سبع بنات فاقدات لحنان الأب".
تحدّق أعينها في سماء الغرفة لتهيم في طيران العصافير المهاجرة المثبّتة على الستائر، فيتبدّى لها والدها في جلسته المعهودة مرتديا إزاره، تُمسك يسراه السُمانة وتمسح أسفل بطنها قريبا من مواضعها الحساسة بحنو، فتتشمر لملُامساته أرجلها خارجة من بين أصابع يده، بينما تمسّح يمناه لساعات طويلة عنقها بطريقة شبِقة مخجلة. هو لا يُقلع عن فعل ذلك حتى عندما يجالس ضيوفه الذين يزورونه بالبيت. كان يعتبر ذلك طقسا تعبديا خاصا، مفتخرا بسمانه ملامسا أعضائه بتلك الطريقة المقرفة.
لن أنسى دهشة الطفلة في داخلي عندما رمقَت والدها يفتح سراويله مخفيا بين فخذيه في يوم من أيام الشتاء الباردة فرد سُمًّان. لشد ما اعتقدت بعد ذلك ولزمن طويل أن جميع الرجال يحملون سمانة بين فخذيهم. يضحكني كثيرا تذكّر مثل ذلك المشهد، علّك تفهم الآن مقدار استيائي حال سقوط ناظريّ أول مرة على مواضع فحولك !" تعترضها ابتسامة تضع حدّا لتدفق ذكرياتها، فتغمض لمرورها أجفانها.
...مع جميع ما اعترفت به لك البارحة ستقول قطعا أنني لم أكن منذ صباي سوى شيطانة صغيرة. شيطانة في أعين والدي. تلامس يدها بهدوء وحنو ذراع زوجها: "لكن بالنسبة لك أنت لم أكن على تلك الشاكلة، أليس كذلك؟" تحرك رأسها علامة على الإنعام: "بلا...قد أكون فعلا..."
يخيم على الغرفة صمت ثقيل ملؤه شكّ وحيرة: "جميع ما قمت به كان من أجلك...من أجل أن احتفظ بك". تتسحّب يدها الموضوعة فوق صدر الرجل. "لا، لا بل من أجل أن تحتفظ أنت بي. أن لا تتخلى عني. من أجل ذلك فعلت..."
ينقطع حبل كلامها، يتكور جسمها وينكمش على الحائط حذو زوجها المسجى. "قمت بكل شيء من أجل أن تحتفظ أنت بي، لا، ليس لأني أحبك فحسب بل لكي لا تتخلى عني. لم يعد لي أحد سواك، الجميع كان مستعد لتشريدي. "أعترف الآن أني لم أكن متأكدة من عواطفي تجاهك. في البداية كنت أتساءل هل من المعقول أن يُبادَل بطل مثلك العواطف معي؟ كان الأمر يبدو لي حُلُمًا ليس من اليسير تجسيمه في الواقع. حاولت خلال ثلاث سنوات أن أحبك...ثم رجعت من الواجهة أخيرا. تسحّبت إلى فراشي، علوت جسدي، احتككت به...دون أن تطال ما حرّقك من رغبة ! لم تنبس ببنت شفة. كنّا في ظلام دامس وكان قلبانا يخفقان بشدة، أنفاسنا لاهثة وجسدانا ينضحان عرقا..."
لم تعد تشعر بالوجود. أغلقت عينيها كي تسحب هذا الجسد المسجى قبالتها الفاقد لكل حراك عن ناظريها. استغرقت بالكلية في ذكريات تلك الليلة، بينما تصاعدت في أعماقها رغبتها العطشى. بقيت على تلك الشاكلة برهة صامتة عن الكلام جامدة عن كل حركة.
..."أشعر أنه مُذ حوَّلَتْك الحادثة إلى جسد مُسجى قبالتي، مُذ أصبحت أستطيع أن أتحدث بحرية، أن أتحدث إليك أنت بالذات، أعبّر لك عن غضبي، أشتُمك، أحمّل صمتك المصغي إليّ عبأ أشجاني من دون أن أسمع منك جوابا، من دون أن يكون لك حَوْلُ على رد الفعل وتعنيفي...كل ذلك أضحى يريحني، يسكّن ثورتي المستشرية لهبا في عروقي".
تمسك الرجل من كتفه، لتطفق: "إن إحساسي بالارتياح، بالتخلّص من وزريّ الثقيل...رغما عن خطبي المرير، مرده استماعك لأسراري، مرده استماعك الصامت إلي". "ليست بالشيطانة". تتمدد أكتافها لتمسح بيديها لحية زوجها: "أنا أمتلك جسمك منذ اللحظة، وأنت تستمع في جلد لأسراري. أنت هنا من أجلي أنا. لا أعرف إن كنت تنظر إليّ أم لا، غير أني متأكدة أنك تسمعني وتفهّم ما أنفثه في خُلْدِكَ من أسرار. لهذا السبب لازلت على قيد الحياة، لأنك تعيش من أجلي أنا. قَدَرُكَ أن تصغي إليّ."
تحركه متابعة: "سترى، ستُعيدنك أسراري إلى الحياة، تماما مثلما تمكنت تلك الأسرار من تحريك "سُمانة" والدي. إنك تعيش منذ ثلاثة أسابيع برصاصة في العنق. لم يحصل أن شُوهد أمر مثل هذا قط ! لا أحد يستطيع أن يصدّق ! أنت لا تأكل، لا تشرب، لكنك على قيد الحياة ! إنها معجزة حقيقة. معجزة من أجلي أنا، بفضلي أنا وحدي. أنفاسك معلقة بأحاديثي، بأسراري". تثب بخفة في حركة رشيقة، ثم تقول: "لا تخشى شيئا فأسراري ليس لها من نهاية". تخترق كلماتها باب الغرفة: "منذ الآن لست على استعداد لخسارتك".
تعود إلى الغرفة مجدّدا لتملأ جراب الماء المحلى الـمُملّح المتدلي فوق رأس الرجل. "أخيرا عَقِلْتُها ! صدق ما قاله لي والدك حول ذلك الحجر المقدس. كان ذلك قبل نهاية أيامه بقليل. كنت أنت متغيّبا عنّا، كنت تقاتل على الجبهة كالعادة. منذ أشهر قليلة، قبل أن تصيبك تلك الرصاصة الملعونة، كان والدك مريضا، لم يكن هناك أحد غيري لكي يعتني به. كان مهوّسا بحجر عجيب. حجر أسود. كان يتحدث عن ذلك دون انقطاع...ماذا كان يُسميه؟" تغرس الخرطوم في حلق الرجل. "أتعرف ذلك الحجر الذي تضعه أمامك...تفرّغ له أحزانك، تشكيه مصابك، أوجاعك، آلامك، بؤسك...تبوح له بما تدسه عميقا في صدرك ولا تستطيع أن تكاشف به أحدا. تضبط نسق نزول القطرات في خرطوم الجراب: "تكلّمه، وتكلّمه، والحجر يستمع ويمّتص كقطعة نشاف كلماتك، جميع أسرارك إلى أن يمتلئ، ينتفخ، ثم تنفلق شضياه في يوم من الأيام". تنظّف أعين زوجها، تسكب قطرات الدواء: "يومها تشعر بارتياح تام، تتخلّص من آلامك وأحزانك...كيف كان يسمى ذلك الحجر؟" تبسّط تجاعيد الغطاء بعناية: "قبل وفاته بقليل دعاني والدك أجلسني حذوه وأسرّ: بنيتي لقد زارني ملاك الموت وسادن الأرواح مصحوبا بالملاك جبريل، كاشفني بسر عظيم أبوح به اليوم إليك. أنا أعرف الآن مكان ذلك الحجر. هو في الكعبة المكّية عند بيت الله. أنت تعرفين يقينا ذلك الحجر الأسود الذي يطوف حوله ملايين الحجاج أيام العيد. ليس ذلك في الحقيقة سوى حجر. في البدء كان كرسيا لآدم...ولما أطرد آدم بمعية حواه من جنتهما، أنزل الله ذلك الحجر لكي يتخلّص أبناء آدم بمصارحته من آلامهم...ذات ذاك الحجر قدّمه جبريل هدية إلى هاجر أم إسماعيل كي تتوسده بعد أن شرّدها إبراهيم وهامت على وجهها بمعية رضيعها في الصحراء...بَلَا هو حجر المستضعفين جميعا. توجهي بنيتي إلى هناك، بوحي لذلك الحجر بأسرارك كي ينفلق لسماعها فتتخلصي من أوزارك، تحرّري ذاتك، تُهجِعي في ضَجْعَتك". يكتسح لون الحزن الرمادي شفتيها، وتستغرق برهة في حزنها المَهِيب.
تواصل الحديث بعد ذلك بصوت متحشرج: "منذ قرون مديدة يتوجه الحجاج إلى مكة للطواف والعبادة حول ذلك الحجر. أنا مُتعجبة حقيقة من عدم انفجاره بعد جميع ما استمع إليه من أحزان وأصغى إليه من آلام ؟ !" تغشاها ضحكة لئيمة تتغيّر لها نبرة صوتها وتعيد لشفتيها لونهما الأصلي: "سينفجر ذلك الحجر قطعا في يوم من الأيام، سيكون ذلك اليوم نهاية لحياة البشرية أو يوم قيامتها على الحقيقة."
...تلتقط بُرْقعها. تندفع الكلمات من فمها تقفز بجنون: "حجر الصبر، ذاك اسم ذلك الحجر، حجر الصبر هو اسم ذلك الحجر العجيب ! تنحني قريبا من زوجها المسجى مُسرّة:" بَلَا، أنت، أنت حجر صبري ! "تُمرر يدها بعطف، لكأنها تلامس حجرا ثمينا. "سأبوح لك بكل شيء يا حجر صبري، بكل شيء علّني أتخلص من آلامي، من أحزاني، وعلّك... " تصمت عن البقية تاركة لخيال الزوج المسجى استكمال بقية الصورة. تغادر الغرفة، تغادر الفناء، تغادر البيت
vendredi 10 février 2012
jeudi 9 février 2012
dimanche 5 février 2012
الصمت الثقيل
ليس من الهين أن نعي درجة الحضر الذي ضرب على حياة النساء، فالنسيان هو
السمة الغالبة على مصير الملايين بل المليارات من اللاتي لف النسيان حياتهن بالكامل. هناك ضمن سجل النسيان ما هو فضيع على غرار عدم الاكتراث بما تلمظه الفقراء والمشردين والمهمّشين من تنكّر وما قاسته الشعوب المقهورة من تعتيم أو إتلاف لذاكرتها. غير أن نسيان النساء يتخذ ضمن هذا الإطار وضعية خاصة، فهو يعبر عن حقيقة موقعهن وعن واقع الاستنقاص الذي قاسينه لقرون طوال جراء هيمنة قيم الذكورة.
قليلة هي البصمات المتروكة من قبل النساء، فانتقال رابطة النسب قد تم احتكاره من قبل الرجال، لذلك ليس ثمة أية طريقة تسمح بإعادة تركيب السلالات في أجزائها النسوية، فضلا على أن المعطيات الإحصائية كثيرا ما شكلت خليطا أخفت عناصره المحايدة مشاغل النساء أو إسهاماتهن، سواء كان ذلك في المصانع أو الحقول أو الحرف، وكذلك الأمر بخصوص التعبير عن المواقف الاجتماعية والسياسية، هاهنا غالبا ما يحجب حضور الـ"هم" إسهامات الـ"الهن".
لا تتحدث الأرشيفات العامة كثيرا عن تاريخ النساء، ولا ترصد ما تركناه من بصمات. قليلة أيضا هي الأرشيفات الخاصة لمن لم تكن لهم أو لهن حيثية اجتماعية. يطرح ضعف العلامة الباصمة قضية "المصادر" تلك التي تتعارض ندرتها مع ركام الخُطب المتصلة بالتمثلات الخاصة بصورة المرأة، فالتخيلات أو التهويمات بخصوص صورة المرأة لم ينضب معينها منذ الأزل. يبرهن حضور البصمات التاريخية التي تركتها النساء بخصوص حضورهن في الحياة العامة وقدرتهن على التعبير عن أنفسهن وحقيقة امتلاكهن لمثل ذلك الحق مشافهة وكتابة، رسما لمساراتهن التاريخية، لأن إنتاج البصمة أو العلامة امتلاك للمجال وانخراط مادي ملموس في الزمن.
شكل صمت الحكاية الحاضنة للتاريخ أخر أنواع ما وسمناه بالصمت الثقيل الذي لف تاريخ النساء، فقد آثرت المروية الحاملة لزخم الموروث الحضاري الإغريقي الروماني لدى نقلها لما عاينته الساحة العامة من أحداث سياسية وعسكرية ودينية وسُلالية، الحديث عن عظماء الرجال، مقصية بذلك جنس النساء من حياة المدينة رابطة الأنوثة بالانفعال الملغي للفعل وبالجمال الفتّان المحجوب عن أنظار الفضوليين. تُعتبر الموازاة بين سكون الطبيعة وسلبية النساء وبين حيوية الرجال الذين ألفوا الفعل والخلق
، تمثّل استنقاصي وأخلاقوي للتمييز بين الجنسين، شكّل على الدوام قانون ناظم للعالم حتى عصرنا الحاضر.
والغالب على الظن أن ربط مصير جميع النساء بالإنجاب هو الذي أقصاهن واقعيا عن مجال الخلق والإبداع والفعل والتاريخ. لذلك تبدو حقيقة المرأة وفقا لهذا التصوّر متعارضة مع ما هو تاريخي. فالمرأة غير مؤهلة واعتبارا لخصوصيات جنسها لانجاز فعل حريّ بأن يرصد أو أن ينقل بالتواتر. هذه النظرة القاصرة التي ملأت المدونات الدينية القديمة، هي ما تمّ تعهده بالمحافظة خلال القرن التاسع عشر بالتزامن مع التحولات التي عاينتها مهنة المؤرخ ومنهج الكتابة التاريخية أيضا. ويعود ذلك لأسباب فكرية وسياسية بالأساس، فالنظريات التطورية التي اعتقدت في حضور مجتمع بدائي أدارته أمومة هانئة وسعيدة، هي نفسها التي اعتبرت سكون تلك المجتمعات مدعاة لأن يمسك الرجال بزمام المبادرة، مشرّعة استعمال هؤلاء للقوة بل ولجوءهم إلى الحرب وهي ما ولّد - وفقا لتلك التصوّرات دائما - مجتمعات تاريخية قادرة على فرض نفسها كونيا.
ساهمت هذه النظرة في إقصاء النساء عن دنيا السياسة، فامتلأت سجلات التاريخ عندها بعظماء الرجال من زعماء الثورات وقادة الحروب ومؤسسي الإمبراطوريات، أبطال المواطنة المشيّدة على قيم الرجولة والداعمة للمدلول الحقيقي للهويات الوطنية، وهو ما نحتته الدروس التي حوتها كتب التاريخ حتى زماننا الحاضر. ضمن هذه الملحمة الرجولية المملوءة بمآثر الأبطال، قليلة هن النساء اللائي شُرّف ذكرهن استثناء. "عليسة" الفنيقية و"الكاهنة" البربرية و"الجازية" الهلالية"، كن من بين المستثنيات مغربا.
تلك حقيقة الأوضاع بالنسبة للبحث التاريخي حتى بداية سبعينات القرن الماضي.
كسر حاجز الصمت وظهور تاريخ النساء:
تبدو أفكار "بول ريكور بهذا الصدد مهمة، تماما مثل تلك التي صاغها "ميشال فوكو " من خلال نقده العميق لماهية لإنسان عامة وللقيم الكونية السائدة. وهو أمر لم يكن ليتحقق لولا انفتاحه على مسائل قليلة الورود على غرار الجنون، والسجن، والعائلة كمؤسسة لممارسة السلطة، والجنسانية كمجال للمعرفة، والجسد كمركز لما وسمه بالبيو-سياسة biopolitique ، وكذا اهتمامه بالجوانب "الشائنة"، وبفوضى الحياة الخاصة، وصولا إلى مسألة النوع الاجتماعي، حتى وإن لم تتضمن مؤلفاته ذكرا دقيق لهذا المصطلح.
كما أعادت مهنة المؤرخ النظر في أشكال تناهجها مع المعارف الاجتماعية والإنسانية الأخرى على غرار الأنثروبولوجية والديموغرافيا، مستكشفة العائلة من جديد من خلال التدقيق في مدلول الحياة الخاصة والزوجية والعاطفية والجنسية، وجميعها مواضيع تحيل بالضرورة على مسألة المرأة. ساهمت الشروط الجديدة للتناهج إذن، في تشضي المعرفة التاريخية التي تخلت تماما عن طموحاتها الكليّة مستغلة "تفتتها" من أجل تنويع مواضيعها، مما كان له أطيب الأثر منهجيا على التوجهات الداعية إلى إثارة تاريخ النساء. ة.
تأثرت الدراسات الأولى المنجزة حول تاريخ المرأة فرنسيا بتيار المدافعين على وجود فوارق أصلية بين الجنسينles essentialistes ، وهي فوارق تعبر عنها البنية الجسمية واختلاف الذهنية وذلك بالتعويل على مكتسبات التحليل النفسي، التي فتنت الكثير من المنكبين على التخصصات الأدبية والحضارية. غير أن الغلبة سرعان ما عادت ضمن الدراسات المخصصة للمرأة إلى "الكونييون les universalistes" أولئك الذين استندوا عامة على التوجهات الواردة ضمن أعمال "سيمون دي بوفوار" كالطعن في مدلول الاختلافات الأصلية ودحض القول بوجود أنوثة طبيعية لما في ذلك من سقوط في فخ الانغلاق النسوي، مع المطالبة اللحوحة بالتسوية بين الجنسين دون تخصيص أو تمييز، والتشديد على قابلية النوع للقراءة التاريخية.
من تاريخ النساء إلى تاريخ النوع الاجتماعي:
تأسس منذ بداية سبعينات القرن الماضي مجال واسع وثري للبحث، انطلق من الأدوار التي عادت للمرأة ضمن المجتمعات التقليدية كالغسيل والتدين والتدبير المنزلي، مرورا بحياتها الشخصية كأم وربة بيت أو متفرغة للتدين أو متبرجة و"فاسقة"، وصولا إلى الموقع الذي اكتسبته بعد انخراطها في الساحة العامة والذي طال مجال التأجير وما اتصل به من نضال عمالي أو نقابي، والنضالية السياسية المرتبطة بحقوق النساء كمواطنات.
أما بخصوص أبرز الإشكاليات المقصودة، فقد مرت من مقاربة تاريخ التمثلات والخطاب إلى الاهتمام بالتاريخ الاجتماعي ورصد الواقع الذي عاشته النساء في تنوّع أوضاعهن الاجتماعية وممارساتهن اليومية، مما أعطى أهمية متزايدة وضمن قائمة المصادر المطروقة للمدونات الخاصة، على غرار المراسلات والمذكرات والتراجم الذاتية أو "الأتوبويوغرافيات".
وهكذا قثد تم الانتقال من وضعية المرأة الضحية إلى وضعية المرأة الفاعلة المتمردة على واقعها الاجتماعي، اغتنت البحوث المخصصة لتاريخ النساء. واتجه التفكير نحو فهم أعمق للعلاقة القائمة بين الذكور والإناث من وجهة نظر سلطة كل منهما وطبيعة الأشكال التي اتخدتها، سواء كان ذلك ضمن الحياة الخاصة أو العامة، والتعرّف على مختلف التمثلات المتصلة بأوضاع المرأة في الساحة السياسية وموقعها في المخيال تساوقا مع أهمية الرأسمال الرمزي، والحفر في طبيعة العلاقة التي تربطها بسجل الإغراء والامتثال الطوعي والقبول بلعب أدوار دنيا بغرض رسم تكتيكات قادرة على إفراغ سلطة الرجال من مضمونها الواقعي. فالجَلَدُ الذي تبيده النساء إزاء صلف الرجال ليس سوى تراجع تكتيكي يحيل واقعيا على نوع من أنواع المقاومة المكتومة أو الصامتة.
وتمثل التحوّل الأكثر أهمية في الانتقال من تاريخ النساء إلى تاريخ النوع الاجتماعي، وتمسكت المقاربة النسوية الفرنسية ضمن هذا الإطار بتصوّر "علائقي" في قراءتها لتاريخ النوع الاجتماعي وذلك بغرض تفادي محاذير الانزواء والتقوقع في تاريخ ضيق للنساء، وتطلّعا إلى الانخراط ضمن مشروع تجديد أسئلة البحث التاريخي. كما تفاعل الباحثون الفرنسيون في تاريخ النوع الاجتماعي إيجابيا مع إرث "سيمون دي بوفوار" الرافض لفكرة الأنوثة الطبيعية أو الفطرية، فالمرأة من منظور تلك المناضلة "لا تولد امرأة بل تصبح (بفعل قيم المجتمع أو مواضعاته) امرأة On ne naît pas femme on le devient".
ما الذي يعنيه ذلك واقعيا؟ ألا يتحول الاختلاف الجنسي القائم على الفطرة أو الطبيعة المزعومة، إلى اختلاف صنعته القيم الثقافية والتحولات التاريخية، أي إلى اختلاف أنتجه السياق التاريخي يحتاج بالضرورة إلى عملية تفكيك تشمل أصعدة الخطاب والممارسة المتصلة يمجالي السياسي والمنزلي، العام والخاص، الواقعي والمتخيل. فالنوع الاجتماعي أداة تحليل تسمح بتجاوز مجرد الوصف، للانفتاح على دلالات مغايرة تسمح بنقد الضوابط الاجتماعية المقبولة، متحولة إلى مِشْرَطٍ يستهدف غشاوة البديهيات.
ولأن أجسادنا تاريخية، فإن مقاربتها على أساس صفتها تلك، بعد توصيفها الدقيق بيولوجيا، أمر يفرض نفسه بنفس الإلحاح الذي يتعين أن ندرس به جنسانية اللغة المستعملة حول ذلك الجسد. فقد ساد الاعتقاد طويلا في سلبية دور المرأة في عملية الإخصاب مثلا، فاحتكر الحيوان المنوي عملية الخلق بالكامل، حتى وإن بينت المقاربة التطورية عكس ذلك منذ موفى القرن التاسع عشر، لأن الاستعارة اللغوية الذكورية هي من أسعف واقعيا تواصل اشتغال مثل تلك التصورات. والحال أن الآفاق الجديدة التي فتحتها دراسة بيولوجية التوالد قد مكّنت من إثبات واقع الشراكة في الفعل بين الحيوانات المنويّة والبويضات.
تُتيح دراسة تاريخ النوع الاجتماعي فرصة كبيرة للتعمّق في شفافية ككائنات جنسية لا تختلف ذكورتها عن أنوثتها من وجهة نظر علاقتها بالفطرة أو بالطبيعة. فأي علاقة تلك التي ربطت النوع الاجتماعي بالجنسانية؟ وما هي حقيقة الانزياح في تنوع الأشكال الجنسية وتاريخية الهيترو-جنسانية hétérosexualité كقاعدة ناظمة للدّخول في علاقة بين الجنسين؟ وكيف تمكّنت هذه الأخيرة من التغلّب على بقية أشكال العلاقات الجنسية الأخرى بل وإدانة المنتسبين إليها اجتماعيا وأخلاقيا؟
هكذا وبعد قرون مديدة من الحضر والتهميش تأخذ الدراسة التاريخية للعلاقات الجنسية المكانة التي هي بها جديرة، متموضعة إيجابيا ضمن سياق البحث الاجتماعي والإنساني بشكل عام. فالجسد المجنسن قد تحول نهائيا إلى موضوع بحث تاريخي، فاسحا المجال للتعرف على مختلف تمظهرات الانتساب الجنسي المتذبذب، المتلاعب بالنماذج كـ"الأندروجنية androgynie " و"الأنْثانة الذكورية transsexualité ou travestissement" في سمك أكذوبة النوع الاجتماعي الرديء Le mauvais genre. كما توغلت الدراسات وتاريخية إشكالية المثلية باعتبارها مؤسسة اجتماعية، وهي مهمة معقّدة نظرا لصعوبة الحصول على معطيات مصدرية غالبا ما شملها الإخفاء أو الإتلاف، اعتبارا لما اكتنف تلك الممارسة ولا يزال من تجريم اجتماعي وإدانة أخلاقية وقانونية وشرعية في آن.
كما اتسع إطار المثلية الذكورية ليشمل رصيفتها النسوية lesbianisme وجميعها قارات بحث غير مستكشفة لا تزال بانتظار أجيال من الباحثين الاجتماعيين والإنسانيين.
هكذا تراءت لنا جسامة المسؤولية التي يضعنا إزائها السجال المنهجي البحثي حاضرا حول تاريخ المرأة منظور إليه من زاوية النوع الاجتماعي. ما الطبيعة ؟ ما الجسد ؟ ما الجنسانية ؟ ما الشخص؟ وما هي هويته الجنسية؟ جميعها أسئلة تدفع بالضرورة إلى طرح سؤال الاختلاف أو التمايز الجنسي في كل مستوياته، بما في ذلك تاريخيته المترتبة موضوعيا على أسئلة حاضره، العاكسة في تطلعها لفهم ذاتها وتغيير ما بها، لحقيقة آنِهَا وهُنَاهَا
dimanche 29 janvier 2012
شيء من الأبدية أو في مديح الديناصورات
ما الشيء الذي دفع حقيقة بشاعر حاز حظا غير قليل من الاعتراف والشهرة، وبأديب فرد خبر كيمياء الكَلَمِ، أن يُقحم نفسه على كِبَرٍ في عالم الرواية النزق المشوب بالفخاخ والمزالق؟ قد يكون لهشاشات الذات دور غير قليل في ذلك، وقد أتى على "المكابر" زمن ألفى نفسه عنده شاعرا باندساس الفناء عميقا في حقيقة الوجود وامتناع الحياة - وهي لغز الوجود على الحقيقة- عن برد اليقين.
صياد أزمنة هو، لما يستحضر بحنكة الرّواة الراسخين و"لؤمهم"أيضا، ذاكرة والده المبعثرة صورا وأوراقا ومحطات عديدة لعمر مديد ولّى وانقضى، مازجا تلك المذكرات بما عَلِقَ بذاكرة مرافق مُعَمَّدَة بصفاء اليقين. يتوسل المنصف الوهايبي بحكمة "ألفونس دي لامرتين Alphonse de Lamartine" المعروفة: "يكفي أن تفقد شخص واحد حتى ينتابك إحساس بخلاء العالم Un seul être vous manque, et tout est dépeuplé، ليرفع على غرار "أورفي"* تحدي استعادة المفقود ضمن تجاويف روايته البكر الصادرة حديثا عن دار المهى "هل كان بورقيبة يخشى حقا معيوفة بنت الضاوي؟". رحل بورقيبة مثل "سي المختار" والد المنصف الوهايبي عن عالم الشهادة والناس، فانثلم برحيلهما ركن مكين بنته سواعد تونسية تعلّقت إرادتها بالحرية فتخلّصت من ربقة الاستعمار.
حزمة من الأوراق والصور استحضر من بينها المؤلف أربعة عشر ورقة دسّها بعناية ضمن حكاية بلا مفاصل محددّة، هي إلى المتاهة أقرب من مسترسل القص أو السرد. يتنقل الراوية بين ذاكرتين، ليجسّر فراغاتها بزخم من الوقائع اختلطت ضمنها العوالم الشخصية بالشأن العام، واتصل المكرو-تاريخي بالنضال الوطني والنقابي. تزاحمت الذكريات ضمن مغامرة التفكيك والتركيب، فتلبس الماضي بالحاضر كي يستحيل ما ولّى وانقضى، وبعد أن تمكنت منه تعاويذ الراوية وأسحاره، أبدا منزوعا عن كل فناء.
هل كان "سيزاري بافز Cesare Pavese " محقّا لما أعتبر ضمن مؤلفه le métier de vivre أن قطع طريق الحياة حرفة تحتاج إلى موفور العزم وواسع الصبر؟ يبدو أن في الأمر سر دفين، وأن الأعمار ابتلاء خيوطه من سراب.
من هو سي المختار على الحقيقة، حتى يتوسل ابنه المنصف بفن الرواية، وفي مغامرة غير مأمونة العواقب، مغالبة نسيانه والاعتراف له بواسع الجميل؟ رجل هادئ غامض وَدُودٌ، ذاك الذي رافقه مؤلف الرواية لعشرات السنيين. مزارع تعيّش من أمانة الفلاحة، اختار التنقل بين القيروان وريفها القريب، واضطرته حقوق العشيرة والعشرة إلى اقتحام مواضع الوحشة والاغتراب من عاصمة دولة الاستقلال، التي كشفت له عن أسرار سعت هي إليه من حيث يدري ولا يدري، بقدر ما خرق هو حُجبها واكتوى بنيرانها.
مرت المقاومة بحوش العائلة في قلب ريف القيروان، مخلّفة ودائع وأمانات وأسرار، كابد "سي المختار"، على ما أفصحت لنا به أورقه كي يضعها بيد أصحابها. ما هو الشيء الذي دفع زعيما في حجم بورقيبة يا ترى، وهو من حلّ ضيفا على أولاد عون وأكل من شهي كسكسهم، وأعجب أيما إعجاب بوجبة الملوخية التي قدمتها له والدة المنصف وزوجة سي المختار، حتى يتنصل من وديعة زائر عائلة الوهايبي المنقطع ذكره؟ ثم ما طبيعة العلاقة التي ربطت بين "معيوفة بنت الضاوي" التي اجتهد سي المختار وِسْعه في البحث عنها، كي يسلمها الأمانة ملفوفة في كرة من الشمع، وكبار الزعماء النقابيين والوطنيين؟ ذاك لغز الرواية الذي أوشكت والدة مؤلف الرواية المصابة بمرض الخرف على كشفه، لما اعتبرت مومس الماخور "زهزة الصبية أو لفيارج" أختا لمعيوفة التي توسطت في رزمة الصور التي خلفها زوجها الزعيمين فرحات حشاد والحبيب بورقيبة. لغز تلبّس باستطرادات طويلة خاب والد المؤلف في نهي أبنه عنها، طالت ذكريات الطفولة الوديعة وشقاوة سنوات الشباب بين لهو وتحصيل. واستحضرت ما علق بذاكرته حول مدن وشخوص من الشرق والغرب كان لهم معه، وكان له معهم حظ من الرفقة والمخالطة لم يطاول على علو شأوهم الأدبي أو المعرفي تلك العلاقة التي ربطت المنصف بصديقيه الأخْيَل والأخضر.
وبعد، ليس هناك من بعد غير القيروان، وطن يسع الكون باسره، يُحب الوهايبي:"شتائها حتى وإن سحبتْ سماءُ الله رحمتهَا. ولم تمطرْ. ركامَ غيومها في الأفْق. ضوءَ القيروان. يشفّ أزرق. ثمّ أبيض. ثمّ أزرق. ثمّ أصفر. ثمّ أزرق. ثمّ أخضرَ باردا. و[يـ]حبّ حيث الوقتُ ينتظرُ الزبائنَ حزنَها المسكينَ. وهو يلوذ بـ[ـه] في حانة.... وقد "رقّ الحبيبُ"...[يـ]حبّ نساءها ينضجنَ قبل أوانهنّ القيروانيّاتُ.عطرُ بَخور مريم.إذْ شميمُ اللوز مرّا فاغما من تحت سرّتها. وإذ يدها على صدري كما في الأوبرا شدّتْ ونحن نقيس ليل القيروان بحلمة سوداءْ. يقول لي SDF اللا مشكلٌ في الموت..لا لغزٌ.. الموتَ يعرف جيّدا ماذا يريدُ..الموتُ أوضحُ ما يكونُ، المشكل الأبقى الحياةُ المشكل الأعصى الحياهْ".
يعشق الوهايبي القيروان "ويموت وراءها جزءا تلو جزء"، تماما مثل "رجاء عالم" التي غزلت من معاش سكان أم القرى خيوطا لطوق حمامها.
*
تنطوي أسطورة نزول "أورفي" إلى الأسافل في محاولة لنقض الاقدار بإعادة معشوقته إلى الحياة على بعد وجودي يطرح قضية المصير الإنساني من وجهة نظر تأملية لا تخلو من توجهات تعبدية صوفية. فعودته من مواجهة آلهة الجحيم لم يُنظر إليها من زاوية شخصيته الملهَمة المتميزة بشاعرية استثنائية فحسب، بل ومن خلال عودته من عالم الظلمة محمّلا بمعرفة كشفية جديدة غير مسبوقة لدى غيره من جمّاع الأحياء من بني البشر المنذورين إلى مصيرهم المحتوم. لذلك شدّدت تعاليم هذا التيار التأملي الديني على محورية التطهّر من نزغة اندساس الخطيئة في النسيج الاصلي الطاهر لبني البشر، وهي نزغة أغاضت الآلهة فأوصدت أمام جميع المحسوبين على ذلك الجنس أبواب السكينة المقدسة، وحكمت عليهم بالتيه في حياة الجسد البهيمية، متوسلين بالنسيان قصد الاستعاضة عن أصولهم العلوية المقدسة وربط ذواتهم بالتناسخ كعود أزلي .
ويتضمن هذا الازدواج في الأصول، إحالة على قطبين في تكوين الذات البشرية: واحد مقدس لا يتعين أن يشمله النسيان، والثاني أرعن مسلوب لشهوة الخطيئة التي تدفع به إلى العصيان والانقلاب ضد كل تنظيم.
ستجد على يسار مدينة [إله الأموات الخفي] نبع النسيان
وبحذوه ترتفع شجرة سرو
لا تحاول البتة الاقتراب من هذا النبع
سوف يعترضك نبع ثاني تتدفق مياهه الباردة من بحيرة [الذاكرة] التي يقف الحراس عند واجهتها.
قل: إنيَّ ابن الأرض والسماء ذات النجوم
أصولي مقدسة وهو ما أنتن به عالمات...
عندها مع غيرك من الأبطال ستكون لك السيادة
dimanche 22 janvier 2012
* أمومة
"يتعين أن تقتلع منّا الحياة القلوب حتى نسميها بهذا الاسم"
جميلة هي، لا بل أكثر من ذلك، هي الحياة ذاتها في رقة الفجر الساطع. لم يتهيأ لكم أن عرفتموها أو لحظت أعينكم صورة واحدة لها، غير أن جلائها بديهي، بداهة حسنها والضوء المنبعث من كتفيها في حنوها على المهد مصغية لأنفاس رضيع لم يزل كتلة لحم وردية متخلقة، إنسان صغير أقل حولا من صغار القطط ومستنبت الشجيرات.
جميلة هي من أجل هذا الحب الذي تنـزعه لتدثّر عراء وليدها. جميلة هي بقدر تجمّلها في مغالبة إعيائها
ملبية نداء صغيرها.
جميع الأمّهات يمتلكن هذا الجمال، كلهن يقوين على السمو لبلوغ تلك الحقيقة المحفوفة بألطاف خفية. جميع الأمهات يمتلكن ذلك اللطف المنساب المستفز لغيرة الخالق، لطف لن نستطيع تمثله إلا مجلّلا
بدثار ذلك الحب، واحدا أحدا مضللا بشجرة الأبد. جمال الأمهات يتجاوز بما لا نهاية أمجاد الطبيعة. جمال يفوق التصور ذاك الذي يمكن تضمينه للتعبير ابتسارا عن تلك المرأة في تحفّز إصغائها لدبيب الحركة في أعضاء الوليد. الجمال شيء لا يتحدث عنه يسوع ويَأْلف غيره اللغو حوله، في حقيقة اسمه يكمن الحب. يأتي الجمال من الحب، تماما مثلما ينبجس النهار عن سطوع الشمس المشرقة بقدرة باريها، المنبعث من إعياء امرأة أنهكها تهجدها تهدئة لروع المهدهد في حاضنة مهده.
يذهب الآباء إلى الحروب، أو يُفْضُون إلى مكاتبهم يُـمضون العقود ويتصنعون في جلد تحمل مسؤولية الاجتماع البشري وأرزائه، ذاك قدرهم وتلك أعمالهم الجليلة المُذهبة لأعمارهم. يمثل الآباء شيئا آخر غير ذواتهم الحميمة في أعين من ينجبون. يجهدون أنفسهم في تمثيل دور حماة حما الجماعة المعولين على العقول المدبّرة لمنطوق الشرع وفقه العمل والقانون.
لا تمثل الأم إزاء وليدها شيئا، هي ليست قبالته، هي تحيطه، لتحل في أعماقه أو تنتبذ موضعا خارج تلك الأعماق مجسّما للأماكن جميعها، ترفع وليدها على أطراف أناملها عاليا تزفه للحياة الأبدية. تحمل الأمّهات وزر العناية الإلهية، ذاك عشقهن وأجل اهتماماتهن، وهو مَضْيعتهن وصولجان ملكهن أيضا.
أن نكون أباء هو أن نتصنع لعب أدوارنا كآباء، أما معنى أن نكون أمهات فذاك ما لن نجلوه أبدا، ذاك شيء غامض لا يشبه في الخلق شيئا، لأنه مطلق لا يتناسب مع التشيؤ. هو تحمّل ما لا يُعقل برباطة جأش حتى من قبل من نصنفهن ضمن أفشل الأمهات. هن دائما على قاب قوسين أو أدنى من المطلق، هن في ألفة سامق ليس بوسع الآباء بلوغه في انشدادهم أزلا لتحقيق أغراضهم وملء مواقعهم والحفاظ على منازلهم. ليس للأمهات من منزلة أو من موقع، فهن يخرجن إلى الحياة في ذات الوقت الذي يضعن فيه ولدانهن، ليس لهن مثل الآباء سبق على ولدانهن، سبق تجربة أو "كوميديا" يتصنعن لعبها أبدا على مسرح المجتمع. تخطو الأمهات الزمن خطوة بخطوة مع أبنائهن. ولأن أولئك الولدان حال خروجهم للحياة يساوقون علياء الإله، فإن الأمهات مُحاطات في المشيئة بألطاف السكينة مكللات بالرضا.
ما استبق خالص الجمال غير عميق الحب، لكن من أين يجيء الحب ؟ ما مادته ؟ وما يخرق طبيعة تلك المادة ؟ يتحدر الجمال عن الحب، عن العناية، عن بسيط التواضع عن تواضع التواضع، تواضع حي منشئ لحياة حمل وديع لا يستطيع أن يقتات، لا يعرف من معانى الحياة غير دموع يمتلكها أمير مهد يحذق التأوّه متشوفا للحب البعيد بصيحات تستجلب ما نأى عنه، ليستفيق الحب مع خطوات أم ملبّية للنداء. يستفيق في أثرها الله مثبّتا أقدامها الواهنة من فرط التعب وضنى الإرهاق، تعب أيام الخلق الأوَلِ وأولى سنوات الطفولة، من هاهنا ينبعث العالم وخارج ذاك العدم.
ليس هناك من لطف أعم من لطف الأمهات اللائي أرهقتهن أحضان المهاد. يمتلك الرجال العالم ويبقى للنساء امتلاك الخلود المحتضن للعالم والرجال. تتمثل القداسة في مصادفة استكشاف الأطفال لكنوز حنو الأمومة ولطفها مع القدرة على توسيع النعمة لتعم الضرع والزرع، عظيم الكائنات كما حقيرها.
لا وجود في الحقيقة لقديسين ليس هناك غير القداسة غبطة لطف، أمومة تحتضن جميع الكائنات ومطلق الكون، أمومة هي عماد أعماق كل شيء، أمومة تتخطى مفرط التعب وتبتلع الموت مشرعة أبواب البهجة. حتى نقول عن أحد أنه قد بلغ شأو القديسين فذلك معناه ببساطة أن مسار حياته قد تفتق عن جسم عجيبا ناقل للبهجة، تماما مثل معدن جيد النقل ينقل الحرارة دون اختزانها أو يكاد، أو عندما نقف تعظيما لامرأة تقبل أن يلتهمها فرط التعب تارك لها بالكاد رمقا من العافية.
يسافر الرجال في جميع الأزمنة بعيدا، يتغربون عن بلدانهم عن طفولتهم لمصادفة أنصاف أجسادهم المكمّلة لأرواحهم. لو لم يتزوجوا غير جارتهم، فإن ما يبحثون عنه ليجدون فيه ضالتهم يقبع في أحلك زوايا أعماقهم. المرأة هي أبعد ما يوجد في العالم بالنسبة للرجل، هي القادرة بجميل لطفها أن تنـزّل في غفوة من تُحب ملائكة تخترع له ولها عشقا لم يتلألأ نوره على العالم بعد، فيذرف في لوعة ما أخذ بلبه دمعا جميلا ويستعيض بهشاشة الوجد المُعنّى عن كبريائه منافسا غيره في مطلق الجمال لا في قوة البطش.
تُرضع الأمهات صغارها حليبا مزاجه أحلام الصبى الغض، يصعّد من أعماق ألبائهن متفجرا عن نهودهن كجرح سعيد. تنبثق أحلامهن من أسرار طفولتهن لتصل شفاههن أغاني تهدهد الوليد وتحتضنه لتخترق برقتها أحاسيسه كعطر لا تذهب الأيام بشذاه.
ما تجفره الأم في اسم وليدها هو ما تدسّه بين جسمه وروحه، تماما مثلما تعمد إلى دس صرة الخزامى بين لحافين. باللقب العائلي يلتحق الطفل بعالم الأموات خلفا عن سلف، وباسمه يتصل بعالم الأحياء الرحب مجال الممكن، فينشدّ إلى مطلق الحب على شاكلة المبشرين والقديسين، أو يحتضن هشاشة الحياة كالشعراء والمغنين، وقد يصيب ثنتاهما بلطف خفيّ مبشرا من فرط الوجد مٌغنّيا، أو حواريا أصابه العشق في مقتل.
* هذا المقال عبارة عن ترجمة تصرّف لمقتطفات من الفصل الثاني لكتاب Christian Bobin
الأسافل
Le Très-Bas"
جميلة هي، لا بل أكثر من ذلك، هي الحياة ذاتها في رقة الفجر الساطع. لم يتهيأ لكم أن عرفتموها أو لحظت أعينكم صورة واحدة لها، غير أن جلائها بديهي، بداهة حسنها والضوء المنبعث من كتفيها في حنوها على المهد مصغية لأنفاس رضيع لم يزل كتلة لحم وردية متخلقة، إنسان صغير أقل حولا من صغار القطط ومستنبت الشجيرات.
جميلة هي من أجل هذا الحب الذي تنـزعه لتدثّر عراء وليدها. جميلة هي بقدر تجمّلها في مغالبة إعيائها
ملبية نداء صغيرها.
جميع الأمّهات يمتلكن هذا الجمال، كلهن يقوين على السمو لبلوغ تلك الحقيقة المحفوفة بألطاف خفية. جميع الأمهات يمتلكن ذلك اللطف المنساب المستفز لغيرة الخالق، لطف لن نستطيع تمثله إلا مجلّلا
بدثار ذلك الحب، واحدا أحدا مضللا بشجرة الأبد. جمال الأمهات يتجاوز بما لا نهاية أمجاد الطبيعة. جمال يفوق التصور ذاك الذي يمكن تضمينه للتعبير ابتسارا عن تلك المرأة في تحفّز إصغائها لدبيب الحركة في أعضاء الوليد. الجمال شيء لا يتحدث عنه يسوع ويَأْلف غيره اللغو حوله، في حقيقة اسمه يكمن الحب. يأتي الجمال من الحب، تماما مثلما ينبجس النهار عن سطوع الشمس المشرقة بقدرة باريها، المنبعث من إعياء امرأة أنهكها تهجدها تهدئة لروع المهدهد في حاضنة مهده.
يذهب الآباء إلى الحروب، أو يُفْضُون إلى مكاتبهم يُـمضون العقود ويتصنعون في جلد تحمل مسؤولية الاجتماع البشري وأرزائه، ذاك قدرهم وتلك أعمالهم الجليلة المُذهبة لأعمارهم. يمثل الآباء شيئا آخر غير ذواتهم الحميمة في أعين من ينجبون. يجهدون أنفسهم في تمثيل دور حماة حما الجماعة المعولين على العقول المدبّرة لمنطوق الشرع وفقه العمل والقانون.
لا تمثل الأم إزاء وليدها شيئا، هي ليست قبالته، هي تحيطه، لتحل في أعماقه أو تنتبذ موضعا خارج تلك الأعماق مجسّما للأماكن جميعها، ترفع وليدها على أطراف أناملها عاليا تزفه للحياة الأبدية. تحمل الأمّهات وزر العناية الإلهية، ذاك عشقهن وأجل اهتماماتهن، وهو مَضْيعتهن وصولجان ملكهن أيضا.
أن نكون أباء هو أن نتصنع لعب أدوارنا كآباء، أما معنى أن نكون أمهات فذاك ما لن نجلوه أبدا، ذاك شيء غامض لا يشبه في الخلق شيئا، لأنه مطلق لا يتناسب مع التشيؤ. هو تحمّل ما لا يُعقل برباطة جأش حتى من قبل من نصنفهن ضمن أفشل الأمهات. هن دائما على قاب قوسين أو أدنى من المطلق، هن في ألفة سامق ليس بوسع الآباء بلوغه في انشدادهم أزلا لتحقيق أغراضهم وملء مواقعهم والحفاظ على منازلهم. ليس للأمهات من منزلة أو من موقع، فهن يخرجن إلى الحياة في ذات الوقت الذي يضعن فيه ولدانهن، ليس لهن مثل الآباء سبق على ولدانهن، سبق تجربة أو "كوميديا" يتصنعن لعبها أبدا على مسرح المجتمع. تخطو الأمهات الزمن خطوة بخطوة مع أبنائهن. ولأن أولئك الولدان حال خروجهم للحياة يساوقون علياء الإله، فإن الأمهات مُحاطات في المشيئة بألطاف السكينة مكللات بالرضا.
ما استبق خالص الجمال غير عميق الحب، لكن من أين يجيء الحب ؟ ما مادته ؟ وما يخرق طبيعة تلك المادة ؟ يتحدر الجمال عن الحب، عن العناية، عن بسيط التواضع عن تواضع التواضع، تواضع حي منشئ لحياة حمل وديع لا يستطيع أن يقتات، لا يعرف من معانى الحياة غير دموع يمتلكها أمير مهد يحذق التأوّه متشوفا للحب البعيد بصيحات تستجلب ما نأى عنه، ليستفيق الحب مع خطوات أم ملبّية للنداء. يستفيق في أثرها الله مثبّتا أقدامها الواهنة من فرط التعب وضنى الإرهاق، تعب أيام الخلق الأوَلِ وأولى سنوات الطفولة، من هاهنا ينبعث العالم وخارج ذاك العدم.
ليس هناك من لطف أعم من لطف الأمهات اللائي أرهقتهن أحضان المهاد. يمتلك الرجال العالم ويبقى للنساء امتلاك الخلود المحتضن للعالم والرجال. تتمثل القداسة في مصادفة استكشاف الأطفال لكنوز حنو الأمومة ولطفها مع القدرة على توسيع النعمة لتعم الضرع والزرع، عظيم الكائنات كما حقيرها.
لا وجود في الحقيقة لقديسين ليس هناك غير القداسة غبطة لطف، أمومة تحتضن جميع الكائنات ومطلق الكون، أمومة هي عماد أعماق كل شيء، أمومة تتخطى مفرط التعب وتبتلع الموت مشرعة أبواب البهجة. حتى نقول عن أحد أنه قد بلغ شأو القديسين فذلك معناه ببساطة أن مسار حياته قد تفتق عن جسم عجيبا ناقل للبهجة، تماما مثل معدن جيد النقل ينقل الحرارة دون اختزانها أو يكاد، أو عندما نقف تعظيما لامرأة تقبل أن يلتهمها فرط التعب تارك لها بالكاد رمقا من العافية.
يسافر الرجال في جميع الأزمنة بعيدا، يتغربون عن بلدانهم عن طفولتهم لمصادفة أنصاف أجسادهم المكمّلة لأرواحهم. لو لم يتزوجوا غير جارتهم، فإن ما يبحثون عنه ليجدون فيه ضالتهم يقبع في أحلك زوايا أعماقهم. المرأة هي أبعد ما يوجد في العالم بالنسبة للرجل، هي القادرة بجميل لطفها أن تنـزّل في غفوة من تُحب ملائكة تخترع له ولها عشقا لم يتلألأ نوره على العالم بعد، فيذرف في لوعة ما أخذ بلبه دمعا جميلا ويستعيض بهشاشة الوجد المُعنّى عن كبريائه منافسا غيره في مطلق الجمال لا في قوة البطش.
تُرضع الأمهات صغارها حليبا مزاجه أحلام الصبى الغض، يصعّد من أعماق ألبائهن متفجرا عن نهودهن كجرح سعيد. تنبثق أحلامهن من أسرار طفولتهن لتصل شفاههن أغاني تهدهد الوليد وتحتضنه لتخترق برقتها أحاسيسه كعطر لا تذهب الأيام بشذاه.
ما تجفره الأم في اسم وليدها هو ما تدسّه بين جسمه وروحه، تماما مثلما تعمد إلى دس صرة الخزامى بين لحافين. باللقب العائلي يلتحق الطفل بعالم الأموات خلفا عن سلف، وباسمه يتصل بعالم الأحياء الرحب مجال الممكن، فينشدّ إلى مطلق الحب على شاكلة المبشرين والقديسين، أو يحتضن هشاشة الحياة كالشعراء والمغنين، وقد يصيب ثنتاهما بلطف خفيّ مبشرا من فرط الوجد مٌغنّيا، أو حواريا أصابه العشق في مقتل.
* هذا المقال عبارة عن ترجمة تصرّف لمقتطفات من الفصل الثاني لكتاب Christian Bobin
الأسافل
Le Très-Bas"
jeudi 12 janvier 2012
"Être tunisien" les "Rendez-vous de L'ATEH" au club Taher Hadded Vendredi 27 janvier 2012 à 14h 30
Rendez-vous de L'ATEH
Conférences de :
Alia Mabrouk
Chroniques tunisiennes entre histoire et écriture romanesque
Alia Mabrouk née au Kef en 1945.
Elle a fait ses classes chez les religieuses de Sion puis au lycée Carnot. Femme au foyer. Elle a deux enfants et deux petits fils.
Ses écrits :
1992
Hurlement
Nouvelle éditée par Alyssa-Editions Rééditée en 1996 par l’Entreligne.
1993
Blés de Dougga
Roman historique édité par l’Or du Temps. Réédité en 2004 par Clairefontaine.
1996
Le futur déjà là
Fiction éditée par l’Entreligne.
1998
Puissant par la gloire. Genséric roi des Vandales.
Roman historique édité par l’Entreligne.
Prix de la presse du roman historique.
2001
Sombre histoire de cellules folles.
Récit d’une expérience éditée par Alyssa Edition.
2003
L’émir et les croisés. Chronique d’Ifriqiya
Roman historique édité par Clairefontaine.
Prix le Comar d’or décerné par la COMAR.
2005
Mahdia, une vie.
Récit imagé des coutumes de Mahdia en collaboration avec madame Khadija Chleifa Hamza
Edité par Sagittaire éditions. Réédité à compte d’auteur
Prix du livre d’art féminin décerné par le CREDIF
2006
SVP
Nouvelle dans recueil « Sacrées vieilles pierres » éditée par L’Ecailler du Sud pour le festival méditerranéen du roman noir.
2007
Le roi ambigu. Roman historique édité par Demeter éditions.
2010
Les soupirs des vaincus. Chronique d’une insurrection. Tunisie 1864 paru en octobre 2010 aux éditions Demeter.
Prix du roman décerné par le CREDIF.
Brève présentation du parcours de l'historien tunisien professeur
Ahmed Jdey
عنوان المحاضرة
داوخل البلاد التونسية : خطاب الذاكرة خطاب التاريخ
Après des études primaires suivies à Haïdra et secondaires suivies aux lycées de Kasserine et Kairouan, il obtient un baccalauréat ès lettres modernes en juin 1972 au lycée Mansoura de Kairouan. Orienté vers la section d'histoire à l'Université de Tunis, il y obtient une maîtrise ès lettres en histoire moderne et contemporaine en juin 1977. Il poursuit ses études et recherches doctorales à l'Université de Nice jusqu'à l'obtention d'un doctorat d'État ès lettres en histoire moderne et contemporaine le 30 mars 1987 ; sa thèse est publiée par l'Atelier national de reproduction des thèses de Lille en 1988, sous le titre La Pensée sociale, politique et culturelle de Ben Dhiaf puis par la Fondation Temimi pour la recherche scientifique et l'information en 1996, sous le titre Ahmed Ibn Abi Dhiaf : son œuvre et sa pensée. Essai d'histoire culturelle. Celle-ci fait référence à l'historien et ministre du xixe siècle, Ibn Abi Dhiaf.
Professeur d'histoire-géographie dans les lycées secondaires de Tunisie, de 1977 à 1991, il intègre l'université en septembre 1991 et y enseigne l'histoire moderne et contemporaine, en tant que professeur d'université et directeur de recherche. Il passe tout d'abord à la faculté des lettres et des sciences humaines de Sfax (septembre 1991 à novembre 1998) puis à celle des lettres et des sciences humaines de Sousse (novembre 1998 à juillet 2010). À partir de septembre 2010, il devient chercheur permanent à l'Institut supérieur d'histoire du mouvement national dépendant de l'Université de la Manouba. Il est aussi membre des commissions de l'habilitation à diriger des recherches HDR et du doctorat en histoire à la faculté des sciences humaines et sociales de Tunis et la faculté des lettres et sciences humaines de Sousse.
Il publie deux ouvrages en français et neuf ouvrages en arabe portant surtout sur la Tunisie et le monde arabo-musulman à l'époque moderne et contemporaine. Il a par ailleurs publié une centaine d'articles et d'études dans des revues spécialisées en arabe et en français, en Tunisie (Ibla, Les Cahiers de Tunisie, Al Ithaf, Mawarid, Bulletin pédagogique de l'enseignement secondaire, Al-Hayat Ath-Thaqafiya, Revue d'histoire maghrébine, Revue arabe d'archives, de documentation et d'information, Arab Historical Review for Ottoman Studies, Rawafid et Le Maghreb uni), en France (Horizons maghrébins, Maghreb-Machrek et Mésogeios), en Turquie, au Liban (Al Mustaqbal Al Arabi), au Maroc (Al Wihda) et aux Pays-Bas.
vendredi 6 janvier 2012
* "الرأي قبل شجاعة الشجعان..."
عديدة هي المؤشرات الدالة حاضرا على أن أوضاع الجامعة التونسية ليست على ما يرام. فقد أزرى بواقعها تجاذب مقصود أخلّ بما احتفظت به من هيبة، مكرّسا مدلولا للتّدافع بشّر به زعماء حركة النهضة منذ أن فُتح أمامهم باب التعبير وممارسة الحياة السياسية. ولئن شكّلت حرية التعبير على الدوام شاغلا مهمّا داخل فضاء الجامعة، فإن رسالتها الأساسية المتمثلة في تجديد النخب القادرة على احتلال مواقع علمية تطاول ما تتوفّر عليه البلدان الراسخة في المعرفة، قد أضحى ونظرا لحقيقة الإرباك التي تعيشها موضع تساؤل.
صعبة كانت العشريتين الماضيتين، فقد حدّ التضخم الكبير لأعداد الوافدين الجدد على المؤسسات الجامعية من قدرتها على التأطير، بينما استحال على سوق الشغل استيعاب آلاف من المتخرجين، مما آذن بانحدار قيمة الشهادات وأدى بالتدرج إلى التفريط في مرفق عمومي، شكّل وإلى حد سنوات خلت أثرة من أرقى مآثر النظام الجمهوري في بلادنا.
ولعل في تواتر الإصلاحات الفوقية، وتعنّت هياكل الأشراف والقرار التي فضّلت التعامل مع أزمة الجامعة عن بُعْدٍ وبأسلوب يتصادم مع أدوارها البيداغوجية والعلمية ويفرض عليها الانخراط في توجّهات لم يكن من الصواب إرسائها قبل مراجعة أنظمة التدرّب أو المحاكاة المهنية بشكل عميق، ما يفسر حصول تراجع مخيف في المحصّلة المعرفية يدعو إلى التوجّس والريبة من قيمة التكوين، وخاصة بعد التقييمات السلبية المتّصلة بالمنظومة الجامعية في ثوبها الجديد.
فما إن ولّت نشوة أيام الثورة الأولى، وحان موعد النزول على أديم الأرض لمواجهة الحقائق عارية بالتشمير على سواعد الجد، حتى تبيّن مقدار تعقّد الأوضاع وصعوبة التدقيق في الملفات والبدء في اقتراح حلول ناجعة لها. فإذا ما استثنينا إلغاء الأمن الجامعي وإقرار مبدأ انتخاب رؤساء الجامعات، فإن سياسة الانتظار وعدم حسم الاختيارات بحثا وتدريسا، قد طبعت تصرّف وزارة ما بعد الثورة، التي أزرت بتوجهاتها انتظارية عليلة ونفاقية مخجلة. لذلك كان من الطبيعي أن تعرف العودة الجامعية الحالية صعوبات ترتب أغلبها عن خروج زمام الأوضاع من يد أصحابه، وتحيّن ضمور المباشرة الحازمة لمختلف الملفات للزجّ بالجامعة في أتون المناكفة الأيديولوجية تحت غطاء الدفاع عن حق التخفّي تحت أستار النقاب وممارسة الشعائر الدينية حال ميقاتها بتخصيص فضاء لذلك داخل كل مؤسسة عمومية.
على أن تفاعل الساحة العامة مع هذا الواقع الجديد ردا وقبولا، وتهيّب الفاعلين المدنيين والنقابيين من المحاذير المتصلة به والتي جاوزت الغضاضة الفكرية مُقدمة على تكفير الغير وتنقّص إطار التدريس والتسيير بالتجريح لفظا وفعلا، هو ما قد يدفع مستقبلا باتجاه توسيع هوة الخلاف بل وخروجه عن كل ضبط في سابقة قد تكون فاتحة تُنبئ بأن ما تشهده الجامعة هو على الحقيقة عملية دق إسفين بين مشروعين اجتماعيين متعارضين يباعد بينهما تمثّلهما لمدلول النضال المدني ولكيفية التعامل مع الحريات العامة والخاصة أيضا.
مواجهة محمومة وخطيرة في آن قد تدفع الجامعة، وهي محراب المعرفة على الحقيقة، ثمنا باهظا لفاتحة فصولها. مواجهة ينطوي الحرج المترتب عليها في توهّم انبثاقها دفعة، والحال أن ثمانينات القرن الماضي قد عاينت إرهاصاتها الأولى. فقد قُدر لجانب من عناصر نخبة مقصاة بمختلف الوسائل عن ممارسة حقوقها السياسية والمدنية أن تجد في الجامعة هامشا يتوافق مع طموحها ويسمح لها بالتعبير عن ذاتها خارج إطار وصاية الدولة- الحزب، مُتفرّغة لعملية استيعاب المعرفة ونقلها في انتظار تهيؤ الظروف الكفيلة بحصول انتقال سياسي حقيقي يفتح أفق التداول السلمي على السلطة ويضمن الحقوق المدنيّة والاجتماعية المكتسبة لجميع الشرائح والفئات. نفس تلك النُخب التي عمّرت الجامعات وواجهت بشجاعة ونكران ذات صعوبات التدريس والتأطير ومحاذير الإصلاحات المفروضة من فوق، هي التي تُكره اليوم على الدخول في مواجهة مع أجيال جديدة قُدر لها أن تُخطئ الموعد مع المستقبل بعد أن بات حظّها في الحصول على شغل، وهو مقوم أساسي للكرامة، في حساب المعدوم أو يكاد.
عند هذا المفترق نقف جميعا لفهم المأزق الحقيقي لواقع مأسوي لا يعكس النقاب والقميص والالتحاء والرياء بالشعيرة والإسراف في التكفير والتكبير غير قِنَاعته الملونة بمساحيق الشبهة والرُهاب. فالمعضلة اجتماعية بامتياز، قدرها أن تكون على تلك الشاكلة ما لم يتم الاعتراف بالطابع الهيكلي لأزمة الجامعة التونسية التي لم يعد بمقدورها أن تشتغل في كنف الاتّزان الهادئ وتؤدي رسالتها المتمثلة في إنتاج مبتكر المعرفة، مع التكفّل بضمان عملية نقلها إلى الأجيال الجديدة. هذا الالتزام الأخلاقي بلا نفعية المعرفة ومغالبة السقوط في الاجترار والتكلّس والنكوص والقبول بالمكابدة في أناة وصبر بغرض الترقّي، هي أخلاق الجامعة والجامعيين على الحقيقة، وليس الاهتبال بنضالية عرجاء لا طائل يُرجى من ورائها غير الغوغاء ونابي الملاسنات بجارح الألفاظ المجرّمة.
والمربك أن مجال المعارف الأدبية والفنية والإنسانية عموما، ذاك الذي استوعب ولزمن مديد طموح أبناء الفئات الشعبية في الترقّي بالتعويل على موفور الكفاءة قصد الالتحاق بعد تقديم جليل التضحيات بالنخبة، هو ما يشغل حاضرا بؤرة لتفاقم الأزمة، مما ينهض حجة على عمق التباين الاجتماعي بتضييق دائرة الإدماج والإسراف في تعميق الهشاشة والتهميش.
فقد تحوّل هذا المجال المعرفي إلى "عقب أخيل" منظومة التحصيل، بعد أن استُبيح بشكل عدمي كرّس أسلوب الهروب إلى الأمام، وفتح الباب أمام تصرفات مزرية تعاملت مع تلك التخصصات بوصفها مظنة للفاشلين الذين لا أمل في استيعابهم ضمن مسالك التوجيه باعتبار تواضع النتائج وضحالة التكوين. هذا التمثّل المتجنّي هو الذي استُبطان بشكل كارثي مُحبط لأصدق العزائم، وحوّل مؤسسات التكوين الجامعي إلى ما يشبه "المصبات المرخص فيها" التي لم يعد بمقدورها أن تعرض على غالبية من يؤموها سوى الاشتراك في مناظرة مخزية للالتحاق بسلك التدريس العمومي، تحوّل التقتير في نتائجها إلى ما يشبه الإمعان في التعامل المهين المزري بكرامة البشر.
تلك محصلة الانحراف بالجامعة التي تؤذن بتحويلها إلى مؤسسة منكوبة. فالمعركة الحقيقة لا تتعلق بنتائج الاصطفاف الأيديولوجي، أنّ كانت تلك النتائج. لأن الإمعان في مثل هذا التصرّف هو ما عطّل تكفّل الجامعة بأداء واجباتها على النحو الأمثل، والحال أن مشاكلها الحقيقية تتمحور حول كيفية مواجهة معضلة قلة تلاؤم التكوين مع عروض التشغيل والإسراف في مركزة القرار والتعامل بكلبية رخيصة مع المبادرات المجدّدة وضعف الاعتمادات المخصّصة لإصلاح منظومة التكوين والبحث، وهي الشروط الكفيلة بالحدّ من مهزلة "التعطيل" وانعدام ضمانات حقيقية تعيد تشغيل البئر المعطلة للمصعد الاجتماعي . وتلك ألغام يتعين الإسراع بنزعها ورفض السقوط في فخاخ التهريج المجاني وتسفيه خطط اللاعبين بالأحاسيس والأذقان. لا شيء أكثر تعطيلا لأحوال الجامعة حاضرا غير الإصرار على استبقاء التعامل الشعبوي معها بقطع جانب غير قليل من المقبلين على التحصيل عن كل أفق واقعي ملموس في الحصول على شغل، وتعريضهم بعد بذل الوقت والجهد والمال إلى هدر الكرامة والقبض على السراب. ألا يستحق وضع على ما وصّفنا الإسراع بإيقاف النزيف بالكفّ عن التعامل مع المشاكل بذات الأساليب العقيمة؟
ما لم نُقدم على إرساء مبدأ المراوحة بين البحث والتدريس، عامدين إلى تفريغ الجامعيين وفق عقود مضبوطة مكفولة النتائج، ومقتصرين في تدريس المعارف الأدبية والإنسانية على قسم من المؤسسات دون الآخر، في انتظار مراجعة التكوين في العمق بالشكل الذي يتيح توجيها حقيقيا للطلبة الجدد، فإن النتائج السلبية لسياسة القفز على المشاكل والإمعان في إضاعة المال العام هي ما سيواجهنا بشكل منظور. فليس من بدّ، إذا ما صدقت العزائم، على المصارحة وربط الحق في التشغيل بتحصيل الكفاءة، والنأي بالجامعة عن كل معالجة تجافي مجابهة الأخطاء ولا تحترم مبدأ المساواة في المواطنة حفظا لكرامة الجميع.
* طالع قصيد معروف للمتنبي "الرأي قبل شجاعة الشجعان هو أول وهي المحلّ الثاني" ومعناه في شرح الواحدي أن العقل مقدم على الشجاعة، فإن الشجاعة إذا لم تصدر على عقل أتت على صاحبها فأهلكته.
Inscription à :
Articles (Atom)

















