lundi 4 avril 2016

بين ضفتين












قراءة في أطروحة حسام الدين شاشية
"السفارديم والمورسكيين ورحلة التهجير والتوطين في بلاد المغرب (1492 - 1750)
الروايات والمسارات"



     صدرت الصيغة المعدلة لتمرين أطروحته الباحث حسام شاشية، وهي دراسة جامعية سبق له وأن ناقشها وحصل من خلالها على شهادة الدكتوراه بتقدير مشرف جدا برحاب كلية العلوم الإنسانية والاجتماعية التابعة لجامعة تونس، وذلك عن دار السويدي الثقافية بإمارة أبو ضبي ضمن سلسلة "ارتياد الآفاق"، بعد أن أحرز عمله الطريف والقيّم على جائزة ابن بطوطة لأدب الرحلة في دورتها الأولى المنعقدة في غضون السنة المنقضية 2015.      
وتتمحور الإشكالية التي تقود مختلف عروض هذا المؤلف فيما تبيّن لنا بعد تأمل مختلف الأبعاد المقترحة، حول مأزق التثاقف بين ضفتي المتوسط والتوسّل بالقراءة في مصادر تاريخ الصدمة التي خلفتها عمليات التهجير الممنهجة التي تعرضت لها الأقليتين الدينيتين اليهودية والإسلامية المقتلعتين من وطنهما بشبه الجزيرة الأيبيرية، والحفر في ذاكرة تطويفهما بين مواني البحر البيض المتوسط وتَبِعات تاريخ توطينهما بمجال المغارب خلال الفترة الفاصلة بين 1492 و 1750.
تدور استفهامات البحث حول علاقة عمليات الطرد باستفحال الفكر العنصري  الإقصائي وبمصاعب التهجير أو مساراته ومسالكه الكبرى. وبتعقّد عمليات التوطين وإدماج الوافدين ضمن النسيج المجتمعي بمجال المغارب وحدودها. وكذا بدور دينامكية الطرد في الدفع باتجاه تضامن العناصر المليّة المنتسبة إلى أصول جغرافية أيبيرية واحدة على غرار تضامن البرتغاليين اليهود أو "القُرنيين" مع المورسكيين تونسيا خلال القرن الثامن عشر؟
أما فيما يتصل بالمنهج فحسبنا أن نسجل توجّه الباحث الجليّ نحو الحفر في صراع الروايات التاريخية المتّصلة بحقيقة التهجير والإقصاء، ومعالجة مضامينها المتنافرة ومصالح واضعيها المتباعدة. فقد حاولت العروض استجلاب مختلف الروايات ومكافحتها قصد تمكين خطابات الأقليات المغلوبة من إدراج رواياتها ضمن السردية العامة للتاريخ المتوسطي المشترك.
على أن تفكيك الخطاب لم يشكّل وحده لحمة الأطروحة، لأن الباحث أقدم ضمن سداها وبقدر لا يستهان به من التوفيق على القراءة بشكل مندمج في تاريخ الأقليتين المستهدفتين من السفارديم والمورسكيين تهجيرا وعبورا وتوطينا. وهو تحدي لم يسبقه فيما نعلم غيره إلى رقعه. فقد اكتفت مختلف البحوث المعرفية المتخصصة بتناول واقع "الماران Marranes "  أي اليهود المتنصرين أو "الموريسكيين" أي المسلمين المتنصرين بشكل آحادي، دون تجشم عناء المقارنة أو تتبع التفاصيل التاريخية المتّصلة بتوطين العناصر المهجرة المنتسبة لكلتا الأقليتين داخل مجال المغارب.                
ينقسم الباب الأول إلى ثلاثة فصول قدمت المصادر والوثائق الأرشيفية وقرأت نقديا الدراسات التاريخية المتخصّصة في المبحثين السفارديمي و الموريسكي ومتابعة تطورها منذ بداية القرن الماضي وحتى يومنا هذا، مع التركيز على البحوث المُهتمة ببلاد المغارب، وتوضيح الأرضية المنهجية في اتصالها بتحليل الخطاب وتوضيح أساليب التواصل بين الفئات الاجتماعية والتعايش بين الأقليات المليّة والعرقية، فضلا عن التوقّف عند المدلول الدقيق لتسميتي السفارديم و الموريسكيين.
في حين تتبع الباب الثاني رحلة الطرد، والمعنيين بها ومُمتلكات المهجرين من خلال الروايات الرسمية الأرشيفية وكتب الأخبار الإسبانية، ممحّصا الروايات المتّصلة بذات القضايا ضمن المؤلفات التي خلفها الرواة السفارديم، وهو ما تم تتبعه أيضا حال التوقّف عند الروايات الموريسكية.
اعتمد الباب الثالث نفس المنهج القائم على تقديم الروايات المُختلفة، ونقصد الروايات الرسمية والسفارديمية والموريسكية، مع محاولة الوقوف وضمن المرويات المتصلة بالطرد عند المرحلة البينية أو ما أطلق عليه الباحث تسمية ما "بين عالمين"، من خلال دراسة المسارات المُتعددة للمهجرين في المستوى الجغرافي أو الثقافي- الديني.
انتهت رحلة الطرد ضمن الباب الرابع بعملية التوطين بمجال المغارب، حيث تواصل التعويل على نفس الخطة ومقارنة مُختلف الروايات المُتعلقة بهذا الحدث، سواءً ضمن خطاب السلطة الحاكمة أو ضمن التمثّلات الواردة لدى مؤلفي الروايات السفارديمية والموريسكية. على أن يتم تقسيم عملية التوطين إلى مرحلتين أساسيتين هما: مرحلة "اللقاء الأول"، حال وصول المهجرين لبلاد المغارب، و"مرحلة ما بعد اللقاء" التي أثار صاحب هذا التمرين من خلالها كيفية تعامل السلطات الرسمية مع الوافدين أو الموطّنين الجدد، وعلاقة هؤلاء بالمجتمع، من خلال الحفر في علاقات الجماعات اليهودية المحليّة بالسفارديم، فضلا عن تملّي الروابط التي جمعت الأقليتين داخل مُجتمعات التوطين.
وتتمثل محصلة هذا البحث وفيما يتصل بروايات الطرد في بحضور توجّه جليّ نحو استعظام ما حصل والإسهاب في ذكر انعكاساته السلبية على الطارد كما على المطرود، مع محاولة الزج بقرار الطرد ضمن رؤية قدرية ربطته بالإرادة الإلهية وأخرجته عن سياقه التاريخي كفعل بشري، ورد تلك الإرادة الخارقة وضمن الخطاب الرسمي إلى العقاب الإلهي حيث اعتبر الطرد تكفيرا من قبل السفارديم عن رفضهم اعتناق المسيحية وتم تمثّله إسبانيا كعقاب للموريسكيون لأنهم فشلوا في التحوّل إلى "كاثوليكيين صادقين".
تماهت الروايات الخاصة بالأقليتين مع نفس هذا التوجه الأسطوري المتسربل برداء المشيئة السماوية عبر مفهومي "التطهّر من الإثم" في حق الأقليات اليهودية أو"المعجزة الإلهية" التي فرّجت عن المسلمين بالرحيل بعد الشدة، والتي كرستها عيشة المهانة والذل التي قاسوها أيام وجودهم بـ"بلاد الكفر".
أما بخصوص معالجة الروايات المتّصلة بالتوطين مغربا، فيحسن التأكيد على محدودية المعطيات المتعلّقة بها ضمن الأرشيفات الرسمية الأيبيرية مقارنة بالتوسّع الذي صاحب خطاباتها التبّريرية بخصوص الطرد. ويُمكن تفسير ذلك بمحورية حدث التهجير بالنسبة للمجتمع الطارد، وما خلقهُ موضوعيا من صعوبات اقتصادية وسجال ديني في آن. وفي المُقابل فإن ندرة الأخبار الرسمية المتّصلة بالتوطين ضمن مجتمعات الاستقبال وندرة الروايات المحلية المرتبطة بحلول السفارديم مغربا، كما تهميش الجماعة الموريسكية في الروايات المحلية بالرغم من محورية تأثيرها، تطرح جميعها العديد من التساؤلات. فقد يعود ذلك إلى ندرة الروايات المحلية الموضوعة خلال القرن السابع عشر، تلك التي اقتصرت تونسيا على المناقب التي حبّرها المنتصر ابن أبي لُحيّة القفصي في حق حامي المورسكيين أو "ملاكهم الحاضن" أبو الغيث القشاش. كما أن حقيقة توتّر العلاقات بين الوافدين الموريسكيين ومختلف فئات مجتمع الاستقبال قد شكّل سببا وجيها في تفسير التغاضي عن الأدوار التي لعبوها بل وتهميشها، وتحاشي التطرق للمنازلة المكتومة بين الموطّنين الجدد ومجتمع الاستقبال، مثلما توحي بذلك إيماءات الوزير السراج في مصنّف "الحلل السندسية...".
ومهما كانت حقيقة الأسباب المتخفيّة وراء ذلك التحفّظ، فإن الرواة الموريسكيين قد اهتموا أكثر من نظرائهم السفارديم بالتدوين لمرحلة التوطين اعتبارا لمنطق حصول الفرج والالتحاق بـ"جنة الإسلام" بعد العيش في "جحيم الكفر".
أما فيما يتصل بمسارات المُهجرين فإن اختلاف السياسة الرسمية المتّبعة في التعامل مع من اختاروا الالتحاق بالديانة المسيحية قد اتسم بمنحى تفاضلي. فقد شكّل السفارديم الباقين أو العائدين ما يزيد عن ثلث الجماعة، في حين أن نسبة أولئك من بين المورسكيين لم تتجاوز 10  أو 15 %. ويحسن التنويه بهذا الصدد بسيطرة حوض البحر الأبيض المتوسط بضفتيه الشمالية و الجنوبية على مسارات المهجّرين، مع الاعتبار بالفارق بين الشتاتين السفارديمي  والموريسكي، علما أن اختيار الجماعة الثانية قد انصب على الضفّة الجنوبية، لأن كل إقدام على التوطين شمالا من شأنه أن يطعن في دعاوى الانتساب إلى جمّاع المسلمين، مشكّكا في تمسّكهم بديانتهم الأولى.
بقي أن نشدّد على أن ديناميكية الطرد كما حركية التوطين، قد تأسستا على التحويل الديني، ودارتا حول محور الهُـوية، فحتى وإن لم تكُن إسبانيا القرنين الخامس والسادس عشر مُختلفةً عن أجوارها الأوروبيين من حيث قلة الاعتبار بمدلول التعايش والدفع نحو الإقرار بفضائل التسامح، إلا أنها قد أبدت تعصبا للكاثوليكية وتمسكا بما سماه إدوارد غليسون Edouard Glissant بـ"جدار الهوية Le Mur de l’identité "، اعتبارا  للخصوصية التاريخية لمسار تشكّل الدولة الإسبانية الحديثة بالمقارنة مع بقية الدول الأوروبية الأخرى. فهوية الأسبان هي وفي جزء هام منها نتاج لما وسم بـ"حروب الاسترداد"، فقد تشكل الوعي بالانتساب في علاقة عضويّة بالصراع الدائر حول مسألة حضور الإسلام والمسلمين من عدمه، وهو ما ترتب عليه تأصيل للنوازع الطُهرية المتطرّفة التي ادعت نقاء موهوما ورفضت الدخيل بمدلوله العرقي أو المليّ، الشيء الذي حوّل الأقليتين اليهودية والمسلمة إلى رقعة تصويب وأضحية للتكفير على الذنب بامتياز.  
وفي المقابل فإن دواعي الإنصاف تدعونا إلى الاعتراف بأن مُجتمعات التوطين مغربا لم تُختَزل هويتها في الانتماء إلى الدين الإسلامي، اعتبار للمكانة التي احتلها أهل الكتاب ضمن التشريعات الإسلامية، فضلا عن حقيقة انفتاح تلك المُجتمعات منذ انطلاق الفترة الحديثة على البحر الأبيض المُتوسط سواء من خلال الأنشطة التجارية أو القرصنية. على أن دينامكية الصهر والتوطين لا تنفي مُحافظة المجموعات الوافدة على جوانب من خصوصيتها الثقافية، حيث تأكد وعي المجموعتين وفي خضم هذا المسار بتميزهما عن المُجتمع الطارد رغم اشتراكهما معهُ في الثقافة، وعن مُجتمعات الاستقبال حتى وإن اشتركت معها في نفس الديانة. "فمغربة" الموريسكيين أو "تَوْنَسَتِهم" لا تنفي حضور حراك عكسي اغتنت من خلاله مجتمعات المغارب بالخصوصيات الثقافية للجماعات الوافدة، سواء من حيث العادات أو المأكل والملبس. كما أن عملية التوطين تلك، لم تعدم حضور التضامن بين الأقليتين السفارديمية و الموريسكية وفقا لمنطق الانتماء الأيبيري الواحد. فبالإضافة إلى حقيقة حضور التآزر بين الأقليتين أثناء مرحلة الطرد، فقد حصل تواصل مصلحي بين الجماعتين البرتغالية اليهودية والموريسكية المسلمة شكّل حضوره وإذا ما فهمنا جيدا وجهة نظر صاحب هذه الدراسة "انبعاثا للهوية الأيبيرية الواحدة للمطرودين الذين استوطنوا البلاد التونسية"، انبعاث تحوّل إلى حقيقة ماثلة للعيان خلال النصف الأول من القرن الثامن عشر.
ولعل ما يمكن أن نؤاخذ عليه شكليا مؤلف هذا الكتاب هو سقوطها الخطة المنهجية المتّبعة أحيانا في تكرار نفس العناصر على مدى أبوابها الأربعة. كما أن المفصلتين الزمنيتين الاعتباريتين للتمرين لم يتم التفطن إلى ضرورة تعليل العلاقة التي ربطتهما بالتسلل البياني لعروض الأطروحة منذ البداية وبشكل مقنع ودقيق. فالتشديد على التهجير أو العبور والتوطين يحيل بوضوح على مخطّط الوعظية الإنجيلية في أسطرتها لاجتباء الله لشعبه المختار، وهو ما بدا لنا غائما ضمن مختلف العروض المقترحة من قبل الباحث، هذا الذي لم يخطر على باله ربط قضية العبور بتسمية العبرانيين على سبيل المثال لا الحصر.
بقي أن نشير إلى أن الجزء الثاني من الكتاب قد خُصص بالكامل للملاحق وشاغل مجلدا مفردا تضمن مُنتقيات نصية مصدرية سفارديمية وأخرى موريسكية نادرة. تعلقت بخروج السفارديم إلى تونس بُعيد الطرد من أسبانيا، تمت ترجمتها من الإسبانية إلى العربية. كما عاين نفس القسم المخصص للملاحق تحقيق أو ترجمة عدد من الوثائق الموريسكية على غرار رسائل أحمد بن قاسم الحجري، فضلا عن إضافة مجموعة من الصُور لعدة وثائق نادرة، وإضافة مجموعة متكاملة من الفهارس (للأعلام والأماكن والرسوم البيانية والخرائط والصور ) تسهيلا للقراءة وتقصّيا لمزيد الإفادة.
وبالجملة يمكن اعتبار هذه الأطروحة القيمة التي شملها النشر والتقدير عربيّا، عملا ينمّ عن نفس طويل وقدرة جيّدة على التوليف ومحاولة لرسم معالم مجال مجدّد للبحث في التاريخ الحديث المشترك للبحيرة المتوسطية، من خلال مسائلة تاريخ الأقليات الصعب المراس المتشعب الأبعاد، لذلك فإننا نعتقد أن هذه الصيغة المنشورة من الأطروحة تشكّل إسهام متميز في البحث المعرفي وعلامة مضيئة تضاف إلى الدراسات المتخصّصة التي تأسس لمشروع جيل طموح من المؤرخين التونسيين الشبان متشوّف إلى الحفر في تاريخ ضفتي المتوسط والبت بشكل هادئ رصين في حقيقة غيريتهما.


mercredi 30 mars 2016

""الجنوح زمن الأزمة"[i]



















عرض نقدي لـ "جون كلود فارسي Jean-Claude Farcy"[ii]
(ترجمة لطفي عيسى)

أول الكلام:

       شكّل مؤلف رياض بن خليفة الصادر عن منشورات "هونوري شامبيون Honoré Champion" الفرنسية في نهاية الثلاثية الأخيرة من سنة 2015، صيغة "مخففة" ووفيّة لمضمون أطروحة لنيل شهادة الدكتوراه ناقشها المؤلف الذي يشغل حاليا رتبة أستاذ مساعد في التاريخ المعاصر الغربي بكلية العلوم الإنسانية والاجتماعية التابعة لجامعة تونس، وذلك بتاريخ التاسع من شهر نوفمبر 2009 بجامعة نيس- صوفيا أنتيبوليس Nice-Sofia Antipolis الفرنسية.
لا يسعنا منذ البداية إلا الإشادة بقيمة هذا البحث المعرفي المستوفي للشروط الأكاديمية الدقيقة، سواء من حيث هيكلته أو من حيث عمق الأفكار الواردة بداخله. كما لا يسعنا إلا أن ننوّه بجودة الصياغة وسلاسة الأسلوب المعتمد في تحريره، لذلك فإن تأمل محتواه وخاصة من قبل المتخصّصين في تاريخ القضاء من شأنه أن يصيب القصد، نظرا لتوفّر العروض المقترحة على تحاليل نموذجية بخصوص جدليّة العلاقات القائمة بين واقع الجنوح أو الانحراف وكيفية اشتغال المؤسسات القضائية والردعية، وذلك ضمن سياقات تشريعية وتاريخية مخصوصة.
فقد توصّل الباحث باقتدار نادر ومن خلال التوظيف الجيّد للنماذج المعرفية المتصلة بأبحاث "بيار بورديو Pierre Bourdieu" الاجتماعية، إلى اقتراح تحاليل دقيقة للآليات الناظمة للمراقبة الاجتماعية ولأشكال المقاومة ورفض الخضوع للقوانين المترتّبة على السلبيات المتصلة بتلك الآليات، وذلك في سياق سياسي واجتماعي معقّد شكّلته سنوات الحرب الكونية الثانية، مبيّنا بشكل جليّ أن الجنوح أو الانحراف ناتج بالأساس عن السياسات الجنائية المتبعة من قبل السلطات الرسمية الفرنسية، وعن أشكال تطبيق تلك السياسات على المستوى المحلي من قبل مختلف الفاعلين بدءا بصنّاع القرار ووصولا إلى الأطراف التي استهدفتها تلك السياسات المُزْرِيَة بالحريات العامة والشخصية للأفراد في آن.
الزجر القضائي زمن نظام "فيشيVichy  [iii]":

       ما من شك في أن اختيار الفترة التاريخية الحرجة والمتّصلة بواقع سنوات الحرب وصعوباتها فرنسيا، قد ساهم يقينا في إنجاز مثل تلك المراجعة التحليليّة التاريخية. فقد اتسمت سياسة نظام فيشي بالتطرّف على جميع الأصعدة، حتى وإن شكّل ذلك امتدادا موضوعيا للتوجّهات التي قادت المرحلة الأخيرة من حياة الجمهورية الثالثة فرنسيا[iv]. كما مثّل التعويل على المادة التاريخية التي تضمّنتها محاضر الأحكام الصادرة عن الدوائر القضائية التي بتّت في إقصاء المجموعات "غير المرغوب في حضورها على التراب الفرنسي"، أو تلك التي تم التضييق على حياتها الشخصية، مغامرة لم تخلو هي أيضا من صعوبات كأداء.
احتفظ المؤلف وضمن مجال منطقة "الألب الساحلية Alpes maritimes" الواقعة جنوب شرقي فرنسا بمحاضر الأحكام التي تم بمقتضاه معاقبة المستهدفين من هذه السياسات أمام الدوائر القضائية لمدن غراس Grasse ونيس Nice، وهي جُنح اتصلت في معظمها بمجالين غالبا ما عَزِفَتْ عن تناولهما الأبحاث التاريخية المتّصلة بتاريخ القضاء أو العدالة، وذلك حتى تاريخ فتح رياض بن خليفة لهذا الملف الشائك والغائم في آن. فقد تمحورت المحاضر التأديبية التي تم الاشتغال عليها حول مسألتين أساسيتين هما: الجُنح التي استهدفت غير المرغوب في وجودهم على المجال الفرنسي من بين الأجانب واليهود، والمخالفات التي خضعت للتتبع والرقابة الاجتماعية المسلّطة على العائلات، وذلك في ظل نظام سياسي اتسمت توجهاته بالنزوع نحو تشديد الرقابة لا على المعارضين السياسيين لتوجهاته فحسب[v]، بل وعلى جميع من تجاسر على التصريح بعدائه لتلك الإيديولوجية العنصرية الداعمة للكراهية والتباغض الديني والتمييز العرقي، والعاملة على تمجيد القيم المحافظة المُعلية للموقع الأخلاقي للعائلة واعتباره شرطا أساسيا في تحديد صدق المواطنة والتوفّر على هوية وطنية فرنسية مثاليّة.
حشد رياض بن خليفة لتحقيق أهداف بحثه جميع الأرشيفات المتاحة، مشتغلا على محتوى محاضر الأحكام التأديبية، ومُوسّعا الاطلاع على الأرشيفات الخاصة بالدوائر الأمنية المحلية وما احتفظت به إدارة الشرطة المركزية بباريس من وثائق تتصل بالمجال المقصود بالمعاينة. كما حاول الاطلاع على محتوى الملفات الخاصة بإجراءات التحقيق، وهي وثائق منقوصة لم يتم حفظها بالكامل، فضلا عمّا  أوردته الصحف السيارة أو اليومية محليّة كانت أم وطنية بخصوص حيثيات القضايا المعروضة على أنظار هيئات التحقيق أو المُحالة على المحاكم خلال تلك المرحلة العكرة من تاريخ فرنسا، ومختلف التشريعات والأدبيات والمطارحات التي ناقشت المادة القانونية التي استندت عليه الأحكام المتصلة بما اعتبره "نظام فيشي" جنوحا أو انحرافا يتطلّب التأديب والمقاضاة خلال تلك الفترة. مما ينهض حجّة على الأهمية التي حضي بها الاشتغال على الأرشيفات العدلية أو القضائية المدنية، بغرض مزيد توضيح الزوايا المعتّمة لحقيقة تورّط "نظام فيشي" المتطرّف في تكريس سياسة جنائية زجريّة. فقد ساهمت محاضر الأحكام المتّصلة بالقضايا المرفوعة للحصول على الطلاق، وهي ملفات غالبا ما تمّ توظيفها لتحليل المعطيات المتّصلة بالخلافات الشخصية الناشبة بين الأزواج، على مزيد التعرّف على الإجراءات الجزائية المجرّمة حال ثبوت حقيقة إهمال العيال من قبل أحد الزوجين. لذلك فدون التخلّي كلما كان الأمر متاحا على الاستفادة من المعطيات الكميّة لإنجاز التقديرات المرقّمة اللازمة حول حقيقة تورّط هذا النظام في استعمال الزجر الجزائي، فإن رياض بن خليفة قد آثر وبمستوى رفيع من الجدّية تنويع زوايا المقاربة من خلال التعويل على عينات ممثِلة وتقديم تفاصيل حسّاسة عن ملفات قضائية معبِّرة وتحليل مضامينها بشكل لافت دقيق.

المضايقة والإبعاد والمراقبة الإدارية:

     قسّم المؤلف عمله إلى جزأين كبيرين: خاض أولاهما في القضايا المتّصلة بإجراءات إبعاد "غير المرغوب في استقرارهم على التراب الفرنسي" والاعتبار بما ترتب على إسراف النظام القائم في المضايقة من جنوح أو انحراف لدى مختلف الشرائح والأقليات المستهدفة.
فقد تعرض الفصلان الأولان من الأطروحة إلى رسم السياق التاريخي والسياسي لحلول سيل المهاجرين الايطاليين بمنطقة الألب الساحلية، وذلك بعد أن قامت السلطات الفاشية بإبعادهم، وتوضيح كيفية مجابهة السلطات الفرنسية لهذا الواقع من خلال تكثيف دوريات المراقبة الحدودية ضمن إطار تاريخي اتسم باستفحال الأزمة الاقتصادية وتزايد المخاوف وتفاقم هواجس التباغض والكراهية.
خضعت الحدود إلى مراقبة الشرطة المختصّة والحرس والفرق الأمنية المتنقلة، غير أن جميع ذلك لم يمنع من تواصل تدفّق المهاجرين غير القانونيين واختراق الحدود بطرق سرّية، دفعت بالإدارة الفرنسية إلى إصدار مرسوم ماي 1938، الذي شدّد في إجراءات مراقبة الدخول غير القانوني للتراب الفرنسي مثلما تشي بذلك المحاضر المحرّرة من قبل أجهزة الشرطة والمقالات الصحفية ذات الاتصال، وهو ما خصّص له المؤلف الفصل الثاني من بحثه، وهو فصل تعرّض إلى عالم المهاجرين غير القانونيين، متعقّبا مساراتهم الشخصية وشبكات التضامن العائلية والدينية والإيديولوجية التي عوّلوا عليها، فضلا عن اهتمامه بالأدوار التي عادت إلى شبكات المُهرّبين أو المساعدين على الهجرة.
تعقّب هذا التحاليل المجهري تحوّلات مواضع الاستقرار على التراب الفرنسي وخاصة الساحلية من بينها بداية من سنة 1939، مستعرضا الترتيبات المتصلة بذلك باعتبار مساهمة الحرب في تراجع تيارات الهجرة غير الشرعية، تلك التي تركت مكانها للوافدين الحاملين لجوازات وتأشيرات دخول مدلّسة. في حين خُصّص الفصل الثالث للحديث عن تصلّب التشريعات المتّصلة بشروط إقامة الأجانب ومراقبة أنشطتهم المهنية وتحركاتهم والتجاوزات الناجمة عنها. فقد عمدت الدوائر المختصّة إلى تجريم غير الحاملين لبطاقات الهويّة، أو أولئك الذين لم يقوموا بتجديدها حال انتهاء مدة صلاحيتها، أو المخالفين لقرارات الطرد والإبعاد عن التراب الفرنسي، والمُقْدِمين على استعمال وثائق شخصية مدلّسة، وغيرهم ممن تعمدوا عدم إعلام الدوائر الأمنية بتغيير محلات إقامتهم.
حاول المؤلف أن يعرض علينا تحليلا ضافيا لتطوّر أساليب ردع مختلف هذه المخالفات، مُبْدِيا الاحتياطات الضرورية، متسلحا بالدقة المطلوبة. فضعف حالات التجريم من أجل حمل وثائق شخصية مدلّسة يطرح من وجهة نظره حقيقة غضّ المجتمع الفرنسي للطرف نسبيا عن مثل تلك الممارسات أو عدم نجابة الجهات الأمنية في التوقّي من تلك الظواهر وإيقاف مرتكبيها. كما قد تكون قلّة الوثائق المتوفّرة والمتّصلة بطبيعة حياة تلك الفئات المستقرة بشكل غير قانوني على التراب الفرنسي، هي التي دفعت بالمؤلف إلى التريّث في الحكم على هذا الوضع والاقتصار على عرض بعض الفرضيات (على غرار ما أثبته بصفحة 222 تحديدا) بخصوص أشكال تعامل المجتمع والسلطة القائمة مع هذا النوع من المخالفات.
فعمليات الإيقاف لم تكن تحصل إلا حال المسك بشكل متكّرر بالمُقْدِمِ على المخالفة أو بأولئك الذين ثبت حال القيام بدوريات مراقبة أنهم يحملون وثائق مفضوحة التزوير، لذلك يرجّح المؤلف أن أجهزة الشرطة كانت فاقدة للوسائل الكفيلة بردع مثل تلك "الانحرافات"، فضلا على أنه لم يكن بوسعها التعويل على مساعدة أصحاب المحلاّت  فقد اقتصرت جميع عمليات القبض على "الجناة" على دوريات المراقبة بالطريق العام دون اللجوء إلى استعمال المداهمات.
ومهما يكن من أمر، فإن تحوّلات الظرفية السياسية قد أثّرت بشكل ملحوظ في عدد من قامت تلك الدوائر الأمنية باستدعائهم للمثول أمام القضاء، بحيث تقلّص عدد المحالين على المحاكم إلى أدناه مع نهاية سنة 1940، وذلك بالتزامن مع الاجتياح الإيطالي لمنطقة الألب الساحلية.
أفرد رياض بن خليفة الفصل الرابع من القسم الافتتاحي لمؤَلفه للحديث عن كيفية تعامل السكان اليهود مع ترسانة القوانين المعادية للسامية. فالتشريعات ذات التوجهات العرقيّة على غرار عمليات الرصد والإحصاء البوليسية وفرض الختم أو الدمغة التمّيزية على الوثائق الشخصية لليهود يُجَرِّمُ جميعها عدم احترام مختلف هذه الإجراءات، مما ترتب عليه قانونيا التحديد الإجباري للإقامة، حتى وإن لاحظ المؤلف - وهو على تمام الصواب في ذلك- عدم تطبيق تلك الإجراءات المتصلة بالختم التمييزي طبقا لما نصّ عليه قانون الحادي عشر من ديسمبر لسنة 1942 طيلة فترة الاجتياح الايطالي للتراب الفرنسي وحتى بعد دخول الجيوش النازية مع حلول سنة 1943. فالعقوبات النادرة التي تم تسجيلها والناتجة في الغالب عن عمليات ملاحقة معزولة من قبل أعوان الشرطة، لم تنجح في إثناء ممثل الداخلية ووالي منطقة الألب الساحلية "جون شاينيو Jean Chaigneau [vi] عن التمسّك بسياسة التريث التي التزم بتطبيقها. فعمليات إيقاف اليهود وملاحقات النازيين العنيفة التي شملت الأجانب بين 26 و27 أوت 1942 حال اجتياحهم للمنطقة، لم تترتب عليها النتائج المرجوة بحيث لم تتجاوز نسبة اليهود الذين تم ترحيلهم فعليا إلى المحتشدات النازية 10 أو 15% وفق أرفع التقديرات. ويعود هذا "الفشل" وفق تصوّر رياض بن خليفة إلى الدور الفاتر للمصالح الأمنية الفرنسية وإلى نجاعة شبكات إنقاذ اليهود من الوقوع في قبضة النازيين أو المتواطئين معهم، وهي شبكات تعدّدت حالات مؤازرتها أو مساندتها من قبل سكان منطقة الألب الساحلية.

الزجر الأخلاقي والإزراء بالحريات الشخصيّة:

        تم تخصيص القسم الثاني من الأطروحة لموضوع سبق وأن تعرضت لجوانب منه أبحاث أخرى على غرار دراسات "سيريل أوليفي Cyril Olivier " [vii] و"مارك بوننشي Marc Boninchi[viii]" حول مراقبة الممارسات الجنسية خارج إطار الزواج والقوانين الزجرية المتصلة بحماية العائلة. فقد ركز المؤلف في هذا المجال على ثلاثة ممارسات جرّمتها القوانين السارية أيام نظام فيشي وهي: الزنا أو عدم الإخلاص في الحياة الزوجية وإهمال العيال وإيقاف الحمل الطبيعي باللجوء إلى الإجهاض، مخصّصا لكل منها فصلا بعينه درس من خلاله التشريعات الموضوعة بشكل دقيق وضافي، متعرّضا في الأول لأسُسها الإيديولوجية المحافظة لكي يتفرغ بعد ذلك للوقوف عند أشكال التجاسر على مخالفة تلك القوانين وعرض "الجناة" على الدوائر التأديبية أو القضائية.
فقد تحولت مقاومة الممارسات الجنسية خارج إطار الزواج مع نظام فيشي إلى ما يشبه الرهان السياسي وذلك كلما تعلّق الأمر بزوجات أسرى الحرب. فقد أكّدأ القانون المنشور بتاريخ 23 ديسمبر 1942 على ضرورة معاقبة النساء المتورّطات في ممارسة الزنا، مشدّدا على ضرورة معاقبة كل من ثبت تورطه في "استدراجهن". إلا أن واقع تطبيق الأحكام التأديبية المتّصلة بمثل هذه الجناية ضمن الدوائر القضائية التابعة لمنطقة الألب الساحلية يكشف عن ندرة الأحكام الصادرة بخصوصها، تلك التي لم تشمل إلا الحالات التي ثبت فيها استقبال الزوجة لخليلها في محل الزوجية وإحلاله في الخدمة محل الزوج الشرعي، وهي وضعية من الصعب إثباتها بشكل قانوني، لذلك غالبا ما حصل حفظ القضية أو إسقاط الدعوى خاصة وأن القصد من رفعها قد اتصل بالأساس بحصول المدعي على الطلاق وإثبات حصول الضّرر. ويقوم القاضي في حالة ثبوت الإدانة بتطبيق الفصل 463 المراعي لظروف التخفيف قصد الحطّ من الحكم إلى الحدود الدنيا تفاديا للأحكام السجنيّة. كما تمت مراعاة نفس الظروف بالنسبة للقضايا المنشورة بخصوص إدعاء إهمال العيال وصعوبة دفع معين النفقة لاعتبارات اقتصادية أو شخصية تتصل بتفاقم الخلافات بين الأزواج، حيث سجل عدد الإدانات الجزائية ارتفاعا ملحوظا بعد إقرار قانون الـ 23 من جويلية 1942. فقد فضّلت الأطراف المتنازعة القبول بتسويات تضمن اتساق الإنفاق والحد من الخصومات. كما آثر القضاة من جانبهم مراعاة ظروف التخفيف حتى وإن تأكد على المدعى عليه الوقوع في العود، وهو ما جرّمه القانون الجديد. أما بخصوص الإقدام على إيقاف الحمل الطبيعي باللجوء إلى الإجهاض فإننا نلاحظ البون الشاسع بين حقيقة الردع المسلّط على المتورّطين ومضمون الخطاب الرسمي لنظام فيشي الذي شجّع على الإنجاب مُدينا بشدة الإسراف في ما نعته بـ"التفسخ الأخلاقي" وتزايد عدد "منجبي الملائكة faiseurs d’anges". حيث لم تكن تحاط السلطة علما بذلك إلا حال اضطرار المصالح الإدارية للمستشفيات إلى إعلامها بالاحتفاظ بالمريض، مع تحفّظ الأطباء المباشرين عن أسباب ذلك وفق ما يفرضه عليهم السرّ المهني، أو من خلال الوشاية وتبليغ أعوان قسم التفتيش عن مقترفي "جناية" الإجهاض التابعين للفرقة الأمنية الثامنة عشر المختصّة في هذا النوع من المخالفات.
يصف المؤلف بالتفصيل أشكال التجاوزات المتعلّقة بتقنيات الإقدام على توقيف الحمل أو الإجهاض الواردة ضمن التقارير المدروسة، تلك التي تمثلت في تناول المشروبات النباتية التطهيرية أو الحقن بمواد طاردة أو تمزيق الغشاء الواقي للجنين أو ثقبه ... وتستند التشريعات المنظمة لمعاقبة مثل هذه الممارسات على الفضل 317 من المجلة الجنائية وعلى المجلة الخاصة بأحوال العائلة بداية من سنة 1939، بعد أن حدّ نظام فيشي من لجوء القضاة إلى الحكم بتأجيل التنفيذ، ذلك الذي نعته وزير العدل جوزيف برتيليمي Joseph Barthélémy[ix] تهكّما في شهر أكتوبر من سنة 1941 ووفق ما أشّرت إليه الصفحة 459 من هذا المؤلَف بـ"ديمغوجية المسامحة démagogie du pardon"، وهو ما أسعف السلطة في عرض الجناة أمام محاكم الدولة بدية من شهر فيفري من سنة 1942 . إلا أن ما يتعين التنبّه إليه في هذا المقام هو عدم مقاضاة دائرة محكمة الدولة بمدينة "ليون Lyon" لأي دعوى في ثبوت حصول حالات إجهاض في جهة الألب الساحلية أو صدور أي حكم من قِبَلِهَا يقضي بتحديد الإقامة الإدارية، فضلا عن أن الأحكام الصادرة في الغرض قد شمِلتها ظروف التخفيف، حيث فضّل القضاة البت بشأنها باللجوء إلى التصريح بالعقوبة الدنيا، لذلك فإننا لم نسجل أحكاما بالسجن تتجاوز الخمس سنوات، في حين أن مجلة الأحوال العائلية الصادرة سنة 1939 قد نصت على ضرورة مقاضاة حالات العود في تعمّد توقيف الحمل الطبيعي أو الإجهاض بأحكام تتراوح بين الخمس والعشر سنوات سجنا مع النفاذ. فقد تمّ الحكم فعليا على "الجناة" المُعدَمين اقتصاديا بسجنهم لمدة ستة أشهر أو سنة مع النفاذ. أما الأحكام الصادرة على الأطباء والقوابل الذين ثبتت مخالفتهم للقانون وممارستهم المتكرّرة لعمليات الإيقاف غير الطبيعي للحمل والتعيّش من ذلك باعتباره تجارة مربحة ونافقة، فقد تراوحت بين سنة وثلاثة سنوات سجنا مع النفاذ، في حين تم تأجيل تنفيذ الأحكام في حق النسوة المقبلات على الإجهاض اللائي تم اعتبارهن من قبل النظام ضحايا لتلك الممارسات وذلك حتى سنة 1942، على أن يتم إخلاء سبيلهن أو الحطّ من الأحكام الصادرة في حقهن، حالما لم تعد القوانين تسمح بتأجيل الأحكام.



استنتاجات ختامية:
     
وهكذا فإن الاستخلاص الرئيس لهذا البحث قد تمثل في أن قضاة منطقة الألب الساحلية قد أبدوا عامة تفهّما كبيرا للواقع الاجتماعي الذي منحوه الأولوية في تكيفهم لملفاتهم القضائية قياسا للإيديولوجية العنصرية والطهرية لنظام فيشي، معتبرين في ذلك بالظروف الواقعية الدافعة إلى الخروج عمّا نصّت عليه القوانين والمتّصلة في الغالب بالتشريعات الاستثنائية التي استهدفت من وسمتهم المصادر بـ"الأجانب"، وكذا كيفية تعامل تلك التشريعات مع الحياة الشخصية للأفراد وانحيازها الفاضح لمؤسسة العائلة. فقد أعرض القضاة عن كل تطبيق زجريّ للقوانين ولم ينقطعوا على اللجوء إلى تأجيل الأحكام، مُعوّلين في جميع ذلك على مقتضيات الفصل 463، الشيء الذي دفع بـ"نظام فيشي" إلى استنباط أشكال زجر مستحدثة على غرار تفعيل العدالة الاستثنائية وتحديد الإقامة الإدارية.
ولئن عادت خاتمة هذا الكتاب لحوصلة الاستنتاجات المتّصلة بهذا الاستخلاص الرئيس، فإن رياض بن خليفة قد آثر التعريج أيضا على الجوانب المنهجية التي جرّبها في بحثه، مشدّدا على أهمية تفحّص الأرشيفات القضائية المدنية وتنويع زوايا الملاحظة في مسائلته لمحتوياتها وتحليله لمضامينها، مقترحا التفكير حول العلاقات التي ربطت بين الأزمة وتصريف مؤسسات الدولة وواقع الجنوح أو الانحراف المسجل في سياق سنوات الحرب الكونية الثانية فرنسيا.  فقد تبيّن من خلال محتوى مختلف فصول هذا العمل المعرفي أن معظم الجنيات المقترفة قد حصلت إما نتيجة لتمسّك نظام فيشي بسياسة إكراه مقصودة وتشغيل آليات مراقبة لصيقة استهدفت "غير المرغوب في حضورهم" على التراب الفرنسي، أو لسنّ ذلك النظام لسياسة لا تستجيب لمقتضيات الواقع الاجتماعي خاصة فيما يتصل بتطوّر النظرة إلى سجل القيم المرتبطة بالحريات الشخصية وبالعلاقات العائلية أيضا.
والحقّ أن تأثير أنظمة المراقبة الاجتماعية على ظاهرة الجنوح أو الانحراف قد تمّ تحليله بشكل متميّز ضمن هذا التأليف. فلئن تراءى للبعض أن الشروع الفعلي في دراسة مختلف تلك التشريعات الزجرية لم ينطلق فعليا إلا بعد استيفاء تحرير ثلث البحث، فإن حرص المؤلف على استكمال التفاصيل المتعلّقة بالقراءة السياقية، قد مكّننا من وضع مختلف تلك "الانحرافات" ضمن إطارها التاريخي، الشيء الذي أسعف رياض بن خليفة في عرض مثال نادر لدراسة مستوفاة وشاملة لموضوع الجنوح أو الانحراف الاجتماعي، دون التغافل على أي عنصر من شأنه أن يساهم في مزيد فهم المسألة المطروحة والقراءة النقدية لجميع المصادر المستجلبة. وإذا ما أضفنا إلى ذلك الإحالات التاريخية الدقيقة والمتنوّعة التي تتقصّى المهم، عارضة علينا جهازا نقديا متينا وحرفيّا، والجهد المبذول من قبل الناشر الذي أصرّ على سلامة الطبع وتحرّى بخصوص فهارس الأعلام والأماكن، فإنه يتأكد لدينا أن هذا الكتاب الذي يعرض نفسه على واسع القراء في شكل كلاسيكي متواضع، بوسعه أن يشكل يقينا إسهاما معرفيا أساسيا ضمن الدراسات المتخصّصة في تاريخ العدالة والقضاء.        


[i]    عرض نقدي لمحتوى أطروحة رياض بن خليفة، الانحراف زمن الأزمة: قراءة في انقلاب الجُنح العادية إلى جنايات استثنائية منشورة لدى محاكم منطقة الألب الساحلية (َ1938 - 1944)، باريس، منشورات أونوري شومبيون 2015 في 606 صفحة.  قام بانجاز هذا العرض "جون كلود فارسي" وتولينا ترجمته إلى اللغة العربية. 
Référence électronique du compte rendu :
Jean-Claude Farcy, « Riadh Ben Khalifa, Délinquance en temps de crise. L’ordinaire exceptionnel devant la juridiction criminelle des Alpes-Maritimes (1938-1944) », dans Criminocorpus [En ligne], 2016, mis en ligne le 08 janvier 2016, consulté le 08 janvier 2016. URL : http://criminocorpus.revues.org/3130
Riadh Ben Khalifa, Délinquance en temps de crise. L’ordinaire exceptionnel devant la juridiction criminelle des Alpes-Maritimes (1938-1944), Paris, Honoré Champion, 2015, 606 pages.

[ii]   هو باحث مشارك بمركز جورج شوفالي Georges Chevalier التابع لجامعة جهة بورغونيBourgogne  بمدينة ديجون Dijon  الفرنسية. خصصت أهم أبحاثه المنشورة لتاريخ الأرياف وتاريخ القضاء بفرنسا خلال القرنين التاسع عشر والعشرين. وهو علاوة عمّا ذكرنا عضو بهيئة تحرير المجلة الرقمية "مدونة علوم الإجرام Criminocorpus".
[iii]   تولّى نظام فيشي الذي قاده "الماريشال فيليب بيتان le Maréchal Philippe Pétain" حكم فرنسا خلال مرحلة الحرب العالمية الثانية من 10 جويلية 1940 إلى 20 أوت 4194 وذلك زمن احتلال البلاد من قبل القوات النازية للرايخ الثالث، والذي اتخذ من مدينة فيشي الواقعة شرقي فرنسا مركزا رسميا له.  
[iv]   تولّت الجمهورية الثالثة حكم فرنسا بين 1870 و 1940
[v]    تحسن العودة في هذا المجال إلى محتوى أطروحة فرجيني سانسيكو التي ركّزت أبحاثها على استنطاق الأرشيفات المتّصلة بمحاضر جلسات المحاكمات الخاصة بالقمع السياسي على أيام نظام فيشي المتواطئ مع النازية:
 Sansico (Virginie), La justice déshonorée 1940 – 1944. Paris, Tallandier 2015. 623 pages.   
[vi]   شغل جون شاينيو Jean Chaigneau خطة والي على منطقة الألب الساحلية بين أفريل 1943 وماي 1944.
[vii]   Olivier (Cyril), Le vice ou la vertu. Vichy et les politiques de la sexualité 1940-1944, Toulouse, Presses universitaires du Mirail, 2005, 308 pages.
[viii]   Boninchi (Marc), Vichy et l’ordre moral, Paris, PUF, 2005, XIX-319 pages.
[ix]  شغل جوزيف برتيليمي خطة وزير للعدل في نظام فيشي يين 1943 و 4194.

عرض نقدي لجون كلود فارسي حول مضمون أطروحة رياض بن خليفة "الجنوح زمن الأزمة" الصادرة ضمن منشورات هونوري شمبيون أواخر سنة 2015، قمنا بترجمته إلى اللغة العربية ونشر ضمن العدد السادس من مجلة "الفكر الجديد".   

lundi 22 février 2016

"بين الذاكرة والتاريخ": ما كان يمكن أن يحصل




تغطية شوقي بن حسن 
لوقائع تقديم كتاب "بين الذاكرة والتاريخ" بالمركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات
صدرت بصحيفة "العربي الجديد" بتاريخ 21 فبراير 2016






    كثيراً ما يقال إن الكتابة التاريخية، رغم ما طوّرته من عناصر الانضباط العلمي، تظلّ ميدان     مغالطات وتلاعب، غير أن الجزء غير المدوّن من التاريخ، والذي يمر عبر الأجيال، يمثّل هو الآخر ميدان تلاعب ولكن بأدوات أخرى. يطلق على هذا التاريخ المتداول وغير المكتوب تسمية "الذاكرة الجماعية". هذه الذاكرة، بحسب المؤرخ التونسي لطفي عيسى، لها قدرات على التلاعب أعلى بكثير من التاريخ. يوم الجمعة الماضي، في مقر "المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات" في تونس، جرى تقديم المؤلّف الجديد لـ عيسى "بين الذاكرة والتاريخ: في التأصيل وتحوّلات الهوية" (منشورات "أفريقيا الشرق"، المغرب). عمل يعود فيه الكاتب إلى هذه القضية مطبّقاً إياها على مجال جغرافيّ بعينه، هو المغرب العربي. قدّم الكاتب التونسي شكري المبخوت قراءة أشار فيها إلى أن علاقته بأعمال عيسى لم تبدأ بهذا المؤلف، وإنما مع أعمال سابقة مثل "كتاب السير" و"أخبار المناقب"؛ حيث أن اختصاصه في الأدب قاده إلى بحوث عيسى التاريخية التي تناولت أدب المناقب وسير الأولياء وحفرت في علاقتها بالاجتماعي والسياسي. يشير المبخوت إلى أن هذه المدوّنة، ورغم ما فيها من خرافات، كانت تمثّل وسيلة من وسائل السيطرة على العنف وإدماج المهمّشين، وفي مرحلة ثانية ساعدت في بناء المجال الجغرافي الروحي إلى جانب بناء المجال الجغرافي الترابي. من هنا، يشير المبخوت إلى أهمية بحوث عيسى باعتبار أن "المرحلة الاستعمارية جاءت لتخفي كل منجز سبقها، حتى أن عملية البناء هذه، إضافة إلى مبادرات التحديث بدت وكأنها مرتبطة بمجيء الاستعمار"؛ أي إن اللحظة الاستعمارية قامت بالتعمية على مجمل التاريخ المغاربي، ومن هنا تتأتّى ضرورة الحفر أعمق في تاريخ الذهنيات، مجال اختصاص لطفي عيسى. من جهته، تحدّث المؤرخ التونسي عن مؤلّفه الجديد الذي يشكّل بنظره "كتابة تقع بين المقابسة والتمرين المعرفي"، ومن خلاله أراد أن يبرز أن "التفكير في التاريخ بات مبذولاً لكل تخصصات العلوم الإنسانية"، وهو يستدعي في عمله حول الذاكرة الجماعية نتائج لمدارس تاريخية متعددة وأخرى فلسفية، مثل أعمال جاك لوغوف أو بول ريكور. يقرّ عيسى بأن السؤال عن العلاقة بين التاريخ والذاكرة سبقتنا إليه المعرفة الغربية، ليعلن أن أحد أهداف هذا الكتاب كان "جعل المفاهيم أهلية"، وعلى مستوى ثانٍ "تقريب ما هو جاف مفاهيمياً إلى الثقافة العامة والتساؤلات المدينة الراهنة". يطرح عيسى، في بداية عمله، ما يسميه بـ "ذاكرة الأزمة"؛ فيعود إلى أدبيات الفترة العربية الموازية لفجر الحداثة الأوروبية (القرن السادس عشر)، متسائلاً "هل أن الحداثة حين بدأت في الغرب، كنا نعيش وكأننا في كوكب آخر؟ أم أننا عشنا شيئاً منها في بلادنا؟". بالاعتماد على التاريخ المقارن بين حالتي تونس والمغرب بالأساس، يرى عيسى أن مؤشرات كثيرة تقول بوجود حركة تحديث، وهو ما يمكن تبيّنه من خلال نظام الضرائب والجيش وعملية عقلنة الإدارة. لكنه، من جهة أخرى، يبيّن أن هذا التحديث لم ينعكس على المجتمعات، فبدراسته للنصوص المنجزة وقته، والتي يهيمن عليها أدب المناقب والخوارق، تظهر آليات التعتيم على الواقع. هذا الاشتغال على تاريخ الذهنيات، يتيح، بحسب عيسى، النظر ليس فقط في ما حصل، وهو ما يدرسه التاريخ عادة، وإنما أيضاً النظر في ما كان يمكن أن يحصل 

mercredi 17 février 2016

الدولة وبناء المجال الجغرافيّ والروحيّ






مقال للصديق شكري المبخوت صدر بصحيفة العربي الجديد بتاريخ 15 فيفري 2016.  


تعيش كثير من المجتمعات العربية اليوم ظواهر ما قبل الدولة (قبليّة وطائفيّة وعشائريّة...) ويشهد جلّها انفجار الهوّيّات في غياب لمعنى الدولة - الوطن وتملّك حقيقيّ لشروط المواطنة. وبسبب هذا نرى صراعات كثيرة حول السلطة تضع الدولة ومؤسّساتها موضع تشكيك ونجد خلطا بين الانتساب إلى مجال للسيادة مشترك والاعتبارات الروحيّة التي تدخل ضمن الحريات الفرديّة ومن بينها حرية الضمير والمعتقد
وهذا ما عاين الجميع جوانب منه مع تولّي "الإسلام السياسيّ" السلطة ولو فترة وجيزة في مصر وتونس بالخصوص. فصار مفهوم فضفاض للفضيلة تعلّة للوصاية على الناس انعكست سياسيّاً على تصوّر مهزوز لهوّيّة المجتمع. وأدّى ذلك إلى العمل على تفكيك الدولة والخلط الشنيع بين التقليد والتحديث من جهة وبين المحافظة والتغريب من جهة أخرى. 
وتبدو العودة إلى التاريخ الحديث للنظر في كيفيّة تشكّل الدولة في تونس والمغرب الأقصى بالخصوص من خلال ترتيب المجال الترابيّ وبناء الذاكرة الجماعيّة مفيدة جدّا في فهم الكثير من هذه الظواهر. ويمثّل كتاب الباحث التونسيّ لطفي عيسى "بين الذاكرة والتاريخ: في التأصيل وتحوّلات الهوّيّة"، من هذه الناحية دراسة تطبيقيّة لمسائل بناء الدولة في فضاء المغارب ضمن مقاربة تاريخيّة مقارنة. 


ذاكرة المخزن
 
وظّف لطفي عيسى مفهوم المخزن، أي مجموع المؤسّسات التي تكوّن جهاز الدولة، لإبراز استقلال الدولة عن الخلافة في مجال المغارب قبل دخول الاستعمار إثر تراجع تجارة القوافل وتطوّر المبادلات التجاريّة مع الممالك الأوروبيّة. ولكنّ الميزة الأوضح هي انقسام المجال الداخليّ لتونس والمغرب إلى مركز سياسيّ و"سيبة" أي قبائل ممانعة ومعارضة لسلطة الدولة.
بنى المخزن في هذا السياق علاقتَه بالقبائل على أساس الإخضاع عبر الردع والضرائب. بيد أنّ عمليّة رسم المجال لم تكن يسيرة. وقد احتفظت الذاكرة الجماعيّة بتوتّرات وضروب من المقاومة الشرسة تعبّر من وجهة نظر المؤرّخ عمّا لقيته النخبة السياسيّة والعسكريّة والماليّة من عنت في حصر المجال الترابيّ شرطا لقيام الدولة. وانطلاقا من تمثّلات مختلف الفاعلين الاجتماعيّين لهذه التوّترات يعيد لطفي عيسى بناء "ذاكرة المخزن".
لقد فرض رسم المجال تصوّرا جديدا لإخضاع الرعايا ومراقبتها وضبط مجال تحرّكها حتّى تتمكّن الدولة من تحديد قوانين الأداء الضريبيّ. فتولّد عن ذلك نظام إداريّ وعسكريّ وجبائيّ فُرض على القبائل فمثّل منعطفا أساسيّا قام على شكل جديد من أشكال التعاقد بين الحاكم والمحكوم.
غير أنّ الأمر لم يكن مرتبطا دائما بالقهر وما نسمّيه اليوم "المعالجة الأمنيّة" بل قام كذلك على "حوار ساخن" بين أطراف اجتماعيّة مختلفة للتوصّل إلى توافق حول منظومة الضرائب. وبرز انعكاس هذه الديناميكيّة في بناء المجال على تشكيل الهوّيّة الجماعيّة في ارتباط وثيق ببناء المخزن وفرض سلطته.
وعماد هذه الهوّيّة تمتين أواصر الانتساب إلى "مجال موحّد تسهر مؤسّسة المخزن على تنظيمه ويخضع جميع رعاياه إلى نفس القوانين والأعراف الجارية" (ص 86). وهو ما يعني، على سبيل العبرة التاريخيّة، إضفاء معنى واقعيّ على مفهوم الهوّيّة بربطها بمجال موحّد.
غير أنّ بدايات القرن التاسع عشر حملت معها توسّعا تجاريّا أوروبّيا أضعف اقتصاد "الإيالة التونسيّة" فاختلّ الميزان التجاريّ ممّا أدّى إلى إضعاف الدولة وأعوانها. وهو ما مهّد للسيطرة الأوروبيّة ماليّا وتراكم الديون والانهيار المالي فالإفلاس بما سمح بالتسرّب الرأسماليّ مهيّئا الفرصة للتدخّل الاستعماريّ.
ولا تختلف حال المغرب الأقصى كثيرا رغم اختلاف الخصوصيّات. فقد كان لاحتلال الجزائر وقع سلبيّ عليها. فبعد هزيمة سلطان المغرب ضدّ جيش الاحتلال الفرنسيّ اقتطع الإسبان أراضي جديدة على الساحل المغربيّ. ورغم رسم الحدود فإنّ الفرنسيّين والإسبان احتفظوا بالحقّ في مراجعتها. وتعهّد المخزن بدفع غرامات ماليّة مقابل انسحاب الإسبان من تطوان ممّا اضطرّ السلطان إلى الاقتراض من البنوك الإنجليزية. عندها غرق المغرب الأقصى في وحل الديون وقروض الإفلاس. 

الدولة السلطانيّة والرأسماليّة

ولم تنفع الإصلاحات المتتالية في رتق الفتق. فهل يفسّر مفهوم "الدولة السلطانيّة" هذا التراجع الحضاريّ؟ أم يعود ذلك إلى تداخل وظائف الأمير والإمام والتاجر والقاضي أي تداخل السلطات السياسيّة والدينيّة والاقتصاديّة والقضائيّة وعدم تقسيم الأدوار؟
مهما تكن الإجابة عن هذا السؤال المحوريّ فالثابت أنّ المعاملات التجاريّة قامت على الاحتكار واستغلال الموقع السياسيّ. فالترابط بين حضور الدولة ونموّ الحواضر بيّن. ولكنّ الدولة السلطانيّة، كما لاحظ لطفي عيسى، "دولة استملاك وترف واستمتاع (...) وعملت جميع الفئات المالكة أو المنتجة للثروة على المحافظة على ما بيدها أكثر من التفكير في إنمائه فلم يستقلّ الاقتصاد عن السياسة ولا المدينة عن الدولة" (ص 114).
ولكن على الرغم من تدخلات أعوان المخزن والرفض المتواصل للتجمّعات القبليّة لمراقبة مؤسّسات الدولة وعلى الرغم من هجمة رأس المال الأوروبيّ فقد استطاعت مدن المغرب الكبير من أن تنظّم مجالها. 

الجغرافية الروحيّة

ومن أطرف ما في كتاب لطفي عيسى، منهجا ومحتوى واستنتاجا، تحليله لأساطير تأسيس مدينتي تونس وفاس وبيانه لوظائف تلك الأساطير في تحقيق الهوّيّة المشتركة وبناء الذاكرة الجماعيّة. فقد كانت تسييجا للمجال الروحيّ يناظر تسييج الدولة للمجال الترابيّ.
أبرز الباحث، انطلاقاً من سير أرباب الصلاح التونسيّين والفاسيّين ومناقبهم، وهو المجال الذي أبدع فيه لطفي عيسى في كتاباته السابقة، وما حفّت بها من تخاريف وتهويمات وتلفيقات، كيف أضحت أضرحة الأولياء والجوامع والزوايا علامات رسمت الهوّيّة الرمزيّة والروحيّة ورسّخت المجال الترابي للدولة بما يوافق الذهنيّات الشعبيّة.
ولهذه الجغرافيا الروحيّة وظائف اجتماعيّة وسياسيّة هامّة. فهي تسهم في تأمين مسالك العبور والسيطرة على العنف والفوضى وبثّ الاستقرار والأمن وإدماج الفئات المهمّشة والخارجة على الدولة. فقد ساهم رأس المال الرمزيّ هذا في إضفاء القداسة على المجال الترابيّ. إذ قام محرز بن خلف، الملقّب بسلطان المدينة (مدينة تونس) بعمليّة تجنيس مذهبيّ كبيرة من خلال نشر المالكيّة وأسلمة البربر المروْمنين والأعاجم اللاّتينيّين والأقباط واليهود والشيعة وجميع من استوطن مدينة تونس. ولكنّ الذاكرة الشعبيّة سكتت عن تعصّبه الدينيّ وممارسته للتقتيل المنهجيّ.
ونجد إدريس الثاني الملقّب بـ"الأنور" بطلا عجائبيّا في ذاكرة المغرب الأقصى. فهو ابن أمَة بربريّة أوروبيّة شارك في جعل مدينة فاس متعدّدة الأعراق (بربر وعرب وأندلسيّين) بما يسّر لصاحب السلطان أن يلعب على ما بينها من اختلافات.
وهذا كلّه يدلّ على أن روايات التأسيس مثّلت تعبيرا عن البحث عن رابطة تردم الهوّة بين مستويات متباينة من التمثّل الثقافيّ العالم والتمثّل الثقافيّ الشعبيّ. ومن نتائج ذلك، سياسيّا، أنّ دولة المخزن، حين عجزت عن السيطرة الكلّيّة على مجال نفوذها، استفادت من شبكة الطرقيّة ومؤسّساتها لتأمين مسالك التفاوض مع القبائل الممانعة.
إنّ كتاب لطفي عيسى، نموذج من المقاربة التاريخيّة المنفتحة على الأنتروبولوجيا الثقافيّة. لذلك نجده لا يتورّع عن استنطاق نصوص لا تبدو ذات طابع أرشيفيّ موثوق به في عرف المؤرّخين. بيد أن كتابه هذا، كما كتاباته الأخرى في أدب المناقب، يؤكّد أن الإشكال في العين التي ترى وقدرتها على قراءة ما بين السطور وتنزيله منزلته من التاريخ والذهنيّات لاستنباط المعنى فيه وكشف تمثّلات الناس لأنفسهم ولما يدور حولهم. وهذه بعض فضائل هذا الكتاب الثريّ بالإشكالات والقضايا التي تجعلنا نعيد التفكير في كثير ممّا عندنا من مسلّمات.
 

*
روائيّ وأكاديميّ من تونس