dimanche 8 mai 2016

من العيش المشترك إلى العيش بذكاء مقاربات في الواقع الليبي الراهن وقراءات في تشعباته















      
        بمبادرة من مركز الأبحاث والاستشارات التابع لجامعة بنغازي ومخبر تاريخ الاقتصاديات والمجتمعات المتوسطية التابع لجامعة تونس، وبتنسيق من إدارة المبادرة المدنية الليبية ACTED، احتضنت مؤسسة الأرشيف الوطني التونسي ندوة علمية تحت عنوان "العيش المشترك في ليبيا وفي مجالات جغرافية أخرى"، وذلك يومي الخميس والجمعة 5 و6 ماي 2016، نسق أعمالها وأدارها بكثير من الاقتدار أستاذ التاريخ المعاصر رياض بن خليفة.   
حاولت العروض المؤثثة للمحور الأول الوقوف وضمن مداخلة أستاذة الإسلاميات حياة عمامو عند علاقة منظومة حقوق الإنسان وما يماثلها في الخطاب الديني الإسلامي مشدّدة على تباين المرجعيات والسياقات والتطورات وذلك عبر التركيز على ثلاث مسائل: الحق في الحياة، وحرية المعتقد، والوضعية القانونية للمرأة حيث بدا التباين واضحا بين سمو المقاصد الروحية وحدود الممارسات سواء فيما يتصل بالحرمة الجسدية أو بخصوص التنصيص على حرية المعتقد أو فيما يتعلق بالتمسك بالتصوّرات الساميّة الدونية المبنية على تأثيم المرأة قصد إقصائها عن الساحة العامة. وتكتسي الحقوق الثقافية التي طفت على السطح منذ ما لا يزيد عن 15 سنة تقريبا ومثلما عرضتها علينا مداخلة أستاذ كرسي الفلسفة والأخلاق باليونسكو "باتريس ماير بيش Partice Mayer Bich" في هذا الصدد أهمية بالغة من حيث تجاوزها لمدلول العيش المشترك والتشديد على ضرورة تجسير علاقات جديدة تنبني على إقرار حق الاختلاف وكونية حق الحياة بكرامة والاعتبار بأهمية الحصول على المعرفة وتطوير الملكات، قصد العيش بشكل متوائم وذكي. فالتنوع الحقيقي هو تنوع الأفراد والأوساط الثقافية حيث يحيل تبادل المعارف على النسيج الحقيقي للمجمعات المُدركة إلى أن الحوار الحقيقي لا يتم بين الثقافات بل بين الأفراد رأسا.
وهو نفس ما خاضت بشأنه مداخلة أستاذ علم الاجتماع المنصف وناس بخصوص كيفية التقاء الأفراد المتصلة بالإكراه والتعاون بغرض الظفر بمعقولية ومشروعة في ظل ما نعته بالتوافق أو compromis والالتقاء حول معنى نبيل للعيش المشترك. ويكتسي الحوار أهمية بالغة في التوصّل إلى تحقيق ذلك وخاصة في سياق الأزمات التي رافقت الانقلاب الحاصل على الساحة السياسية وبروز هشاشات مجتمعات مختلف بلدان "الربيع العربي"، وحالة الانفجار السياسي وتلاشي فرص الحوار بل وعدم حضور استعداد موضوعي له، علما أن هذا الاخير يشكّل على الحقيقة عملية "تجميع للإرادات" وفرصة للتنسيب والمراجعة والقطع مع منطق الخوف واستعظام الأمور والنظر باعتدال، وهو ما يحتاجه الواقع الليبي راهنا. غير أن الحديث عن "عبقرية الحوار" يوازيها من منظورنا الخاص الحديث عمّا قد تستقيم تسميته بالحوار العقيم عن انتاج المعنى أو الدلالة، حيث تنعدم الثقة وتستشري ثقافة "الرجم بالغيب" وتتراجع فرص التجسير ورأب الصدوع وإعادة بناء الدولة العادلة وتحقيق التصالح على أسس عادلة وتمتين فلسفة الحوار البيني أو "التقاء الإرادات" على حدّ تعبير الفيلسوف موريس مارلو بونتي Maurice Merleau-Ponty الرائق.
خاضت جل المداخلات المدرجة ضمن المحور الثاني الذي تم افراده لموضوع "تسوية النزاعات في سياق الأزمات في ليبيا"، تلك التي اقترحتها علينا تباعا مداخلات الاساتذة نورة اللافي ومحمود بوصوّة ومحجوب الحصّادي وأمال العبيدي وزاهي المغيربي، رسوخ ثقافة التنوع ضمن النسيج المجتمعي الليبي، حيث عولت استاذة التاريخ الحديث بمركز البحوث الإسلامية ببرلين نورة اللافي على يوميات "حسن الفقيه" والارشيفات العثمانية والبابوية وذلك قصد تدبّر تجارب إدارة الاختلاف العرقي والملّي بطرابلس من خلال مؤسسة "شيخ البلد" تلك التي تحوّلت إلى فضاء خدمات بلدية متجانس، مع حقيقة التنوع الملي ضمن أحياء مدينة طرابلس خلال مرحلة ما قبل الاحتلال الايطالي. وهو ما يسفّه منطق الحداثة المستنبتة في غير تربتها ويشي بقدرة المجتمع الحضري الليبي على عقلنة ثقافة الاختلاف الملي والعرقي وثراء الحياة الجماعوية والادارية، تلك التي تم ابتسارها مع حلول الاستعمار توافقا مع منطق التفرقة من أجل استمرار الهيمنة الأجنبية. وهو ما يتعين تأمّله بشكل دقيق لاستيعاب واقع الاستعمار الجديد وإعادة انتاجه لنفس الآليات قصد التعميّة على موروث الليبيين المتوفّر على مستوى عال من النجاعة في تصريف واقع الأزمات وتمتين صلة الليبيين بثقافة التعايش.
وتحيل العروض المقترحة من قبل أستاذ العلوم السياسية بطرابلس محمود بو صوّة على نفس الإشكالية من منظور جغرافي يتصل وفي مستوى الزمن الممتد أو الأمد الطويل على قبول الليبيين بتمثّل خاطئ يقسّم المجال الليبي إلى إقليمين: ساحلي متحضّر وداخلي لم يبرح موضع البدائية بل والتوحّش، وهو ما ساهم في بناء تخوم ثقافية متوَهّمة تحيل على مجال نافع ومبغوض باعتباره "مُتَطَلْيَن" وآخر غير نافع، يشكل حاضنة لكل حنين لاتسامه بمطلق الطهرية. مما تسبب في تعدّد الأقاليم الجغرافية الرخوة espaces molles وتفاقم الخلافات ضمن المناطق الحدودية التي استعصت عملية إدارتها على الدولة الوطنية، لأن هذه الأخيرة لم تستوعب بشكل دقيق حقائق الجغرافية.
واصل أستاذ الفلسفة بجامعة بنغازي محجوب الحصادي الخوض في مسألة صعوبة تسوية النزاعات في سياق الأزمة الليبية من خلال التوقف عند المنظومة القيمية والتثبّت من مؤشرات القبول بالآخر. فقد عرضت مداخلته بشكل تطبيقي إلى مستويات قبول اللبيين بالآخر من خلال وضع مجموعة من الاستبيانات ومقارنة نتائجها المتصلة بالقبول بالتجاور مع المخالف مليا وعرقيا وجندريا، مع مجموعة من البلدان العربية والغربية، مبيّنا أن استعداء الآخر مسألة وافدة غير متأصلة في النسيج المجتمعي الليبي، معتبرا أن هشاشة الاقتصاد الريعي وطبيعته المنغلقة هي المتسبب الرئيسي في تضخم مظاهر الشوفينية داخل المجتمع الليبي على الحقيقة، واتسام الذهنيات بالانغلاق والمغالاة في المحافظة وتعثر مسيرة تحرّر المرأة وانتشار التطرّف الديني، ذاك الذي يوشك على صياغة هويات غريبة غير صحية يكون ضمنها اليمني أو السعودي أقرب إلى المنادين بـ"الصحوة الإسلامية" مقارنة بمن يشاركونهم الانتماء إلى نفس الوطن.
وتعرض مداخلة أستاذة العلوم الاجتماعية آمال العبيدي إلى ذات المسألة من زاوية ما أسمته بالتنشئة السياسية، وذلك عبر استقراء مضمون الكتب المدرسية المخصّصة للتثقيف المواطني أو التربية المدنية في مختلف مستويات التعليم الأساسي أيام حكم النظام الجماهيري لمعمر القذافي، معتبرة أن انعدام رؤية ليبية بخصوص المناهج التربوية هي التي أشرعت الباب أمام الإيديولوجية الوحدوية العربية ذات النفس الصدامي الثوري، وهي التي أفرزت نظام القذافي الذي ركّز مسار التنشئة على معسكرات الإعداد السياسي والتعبئة قصد إحلال ما نعته بالمجتمع الجماهيري واللجان الثورية وبناء جيل الغضب الثوري والاستثمار في السلوك العدواني العنيف وبناء الإنسان الحاقد، معتبرة أن ما يحصل حاضرا لا يمثل سوى نتيجة موضوعية ومآل طبيعي لما تمّ زرعه، لذلك تعمل فلسفة المناهج الجديدة ومنذ سنة 2012 على تلافي هذا الوضع الكارثي من خلال التركيز على الجوانب الصحيّة بالتنشئة على الاعتزاز بالانتماء للوطن والتواصل مع المحيط والارتقاء بمستوى المواطنة المسؤولة.
وهو ما واصل استاذ العلوم السياسية بجامعة بنغازي زاهي المغيربي الحفر بشأنه من خلال التوقف عند معوّقات الاحتكام إلى الديمقراطية التوافقية بوصفها السبيل المثلى لتحقيق العيش المشترك بين الفرقاء الليبيين. حيث اعتبر مقترح هذه المداخلة أن الأزمة الليبية لا تعود إلى راهن أوضاع البلاد بل هي مسألة متأصلة عاينتها مختلف المحطات الكبرى التي علّمت تاريخ ليبيا المعاصر زمن الاستعمار وخلال مرحلة النظام الملكي وأثناء حكم القذافي وكذا الأمر بالنسبة للمرحلة الراهنة، حيث تتخذ تلك الأزمة جملة من الأبعاد المتّصلة بما اسماه الباحث بأزمات الهوية وأزمات الشرعية الجغرافية والسياسية وأزمات تغلّغل الدولة في المجتمع وأزمات التوزيع المتصلة بالثروة والمشاركة في الحياة العامة، وجميعها في حالة ارتهان متبادل بحيث ينعكس ذلك سلبا على إمكانيات بناء الدولة-الأمة الليبية. كما يقرّ صاحب المداخلة بضرورة الاحتكام إلى الديمقراطية التوافقية القابلة بالتعدد والاعتراض المتبادل واعتماد التمثيل المتنوع قصد تحقيق الاستقرار وصون الوحدة والتعاون بروح من الاعتدال والقبول بالحلول الوسطى، لاسيما وأن المجتمع الليبي وفي نسبة تضاهي 80 بالمائة من سكانه مُتوفر على استعدادات موضوعية لتحقيق ذلك، تجاوزا للخطاب المغشوش حول استشراء واقع الاستحراب القبلي وانعدام كل امكانية في حصول التوافق، وهو أمر موكول إلى النخب التي تبدو غير معنيّة بالسؤال المحوري المتمثل في ما الذي تعنيه ليبيا بالنسبة لنُخبها؟
ولأن الاجابة عن هكذا سؤال تحتاج إلى مقارن الحالة الليبية بتجارب موازية، فإن مداخلات الأساتذة رالف شور Ralph Schor أستاذ تاريخ الهجرة بجامعة نيس وكاترين كوكري فيدروفيتش Catherine Coquery-Vidrovitch  أستاذة التاريخ الإفريقي بجامعة باريس الرابعة أو ديكارت ومصطفى التليلي أستاذ التاريخ المحلي الحديث بجامعة تونس، قد حاولت التوقف عند خصوصيات مجالات جغرافية مختلفة تشكلت ضمنها روايات الانتماء المشتركة والتواريخ المتعاقبة وفق تمثّلات بوسعها تنسيب الأوضاع التي يحياها الليبيون حاضرا. 
فقد عرض "رالف شور" إلى تاريخ هجرة الإيطاليين إلى منطقة الألب الساحلية الفرنسية خلال القرن العشرين والمسار الملتوي والمتعثر الذي اتخذته سيرورة التعوّد على العيش المشترك خاصة فيما يتصل بتجاوز ما وسمه بـ"الصوّر النمطية" والكف عن استبشاع تصرفات "الريتال" أو المهاجرين الإيطاليين، حيث قدر عدد هؤلاء في حدود ثلاثينات القرن الماضي بـ 800 ألف وشكّلوا عنصرا محوريا في صياغة الانتماءات المشتركة للفرنسيين والحال أن مسار اندماجهم لم حصل بشكل بديهي بل اتخذ اشكالا أنبأت برفض الفرنسيين لهؤلاء بطريقة تبدو لنا راهنا أكثر تعصّبا مما يعاينه مسار قبول الفرنسيين لواقع اختلاطهم بالعرب المغاربة على قاعدة الاختلاف في الأكل واللباس والشعائر العبادية والهشاشة الاجتماعية، حتى وإن مكّن التقارب اللغوي والاشتراك في المذهب الديني ومسار التحصيل المدرسي وتعدد الزيجات المختلطة لاحقا في تسريع القبول بالعيش المشترك الذي يستحيل فرضه فرضا بل يودع حصوله إلى الزمن الطويل.
توقف مقترح مداخلة "كاترين كوكري فدرفوفيتش عند مسألة العيش المشترك من خلال عينتين معبّرتين تتصل الأولى بالحالة الرواندية، في حين تعرض الثانية إلى النموذج المالي وذلك بغرض الكشف عن التمثل المغلوط لفكرة العرق "أثنة" وأشكال الترميق الأدبي التي أخضعت لها قصد خدمة المشروع الاستعماري. فقد أشّر المثال الرواندي على صعوبات اختلاط "التوتسي" الرعاة و"الهوتو" المزارعين وتحولات معاشهم واختلاطهم وتعثرات ذلك المسار الملتوي الذي أثّرت فيه التمثّلات العرقية المغلوطة التي روّج لها الانتداب البلجيكي والدور السلبي الذي لعبه "ألكسي كاغام" في تشكيل تمثل منحاز للقراءة "التوتسية" وهو ما أعد قطعا لعمليات الإبادة العرقية البشعة والرهيبة مع حلول سنة 1994. أما في المثال المالي فقد تم تقسيم المجال الجغرافي إلى وحدتين مثلهما الجنوب الزراعي والشمال الصحراوي الذي ارتبط تاريخه بالتجارة القوافلية المستندة على الملح والتبر والعبيد وأهمية وساطة الممالك السودانية وعلاقة هؤلاء بالمرابطين والموحدين وافتخار سكان مالي بتاريخهم المشترك مع الممالك البربرية بمجال المغارب. غير أن الاستعمار قد تمكن من تضخيم الفوارق بين الشمال والجنوب بين أصحاب البشرة السمراء ورصيفتها السوداء، مستغلا خلافات "الطوارق" من سكان الشمال مع مزارعي المجالات الجنوبية، مساهما في القضاء على تقاليد التكامل الاقتصادي الضاربة في القدم، تلك التي عوضتها راهنا الاقتصاديات الموازية وعمليات التهريب والارتباط بالحركات الدينية والسلفية القصويّة.
وهكذا تجاهل الماليون حكايتهم الجماعية المؤسسة وتاريخهم المشترك وتعاظمت الخلافات بينهم على أُسُس عرقية وانعدمت المعرفة واستشرى الجهل بالآخر، وهو ما أورثته إياهم التصوّرات المغلوطة واعتبارات التلفيق الاستعمارية المنشأ.
استعاد نص مداخلة مصطفى التليلي ذاكرة "تجربة الحوار الوطني" التونسي من زاوية العارف بالتاريخ والمناضل من أجل تطوّر الحياة المدنية والسياسية بتونس معولا في ذلك على ثلاثة مفاهيم مفاتيح هي "التوافق" و"القبول بالحلول الوسطى" و"إيجاد تفاهمات مقبولة" بين فرقاء التوجه والرأي (consensus, compromis et arrangements)، حيث يعتبر مصطفى التليلي أن هناك تجذر لمثل تلك القيم أو التصورات التوافقية ضمن الحكاية الجمعية للتونسيين وهو ما نتفطن إليه بسهولة بمجرد استعادة أساطير التأسيس في حكايات "عليسة الفنيقية" و"مسار الرومنة" أو "مسار الأفرقة" وانتشار الإسلام و"تجربة العثمنة" أو "الفرنسة" حيث تطفو على السطح آليات التوافق والحوار القابلة بالتدرج والمستبطنة للمرحلية. إن ما يسترعي الانتباه حقا في هذه التجربة التوافقية هو رغبة مختلف الفاعلين السياسيين والمدنيين التونسيين في تجاوز وضعيات الانحسار في الزاوية واستنباط الآليات الكفيلة بالعودة إلى الحوار عبر مختلف القنوات، وخاصة تلك التي تتسم بقدر غير قليل من الصيت على غرار اتحادي العمال والأعراف ورابطة الدفاع عن حقوق الإنسان وعمادة المحامين التونسيين.
ما الذي يمكن استخلاصه من مختلف الورقات التي أثثت هذه الندوة حول العيش المشترك في ليبيا؟ يبدو أن أمر التوافق متصل كأوثق ما يكون باقتسام الحكاية بعد إعادة تركيبها وفقا لحاجيات السياق الزمني الراهن ومقتضياته أيضا. ولأن أمر الوطن أصبح شأنا عاما متقاسما لا تحتمل عملية تصريف شؤونه إخضاعه إلى التقديس أو الدفع به إلى إعادة أنتاج الزعامات، فإن الحاجة إلى إعادة صياغة مدلول الضابط الاجتماعي و"أنسنة الفضيلة" عبر الالتزام بالتنسيب وتنزيل الشأن العام إلى مستوى الممارسة البشرية القادرة على القطع مع اليقينية المؤمنة بضرورة المراجعة وتسهيل ظروف التوافق والتعايش الذكي والحوار المسؤول والاعتقاد في "بيداغوجية التسامح" وفقا للعبارة الرائقة الواردة ضمن كلمة رئيس جامعة تونس واستاذ الفلسفة "حميد بن عزيزة" التي اختُتمت بها أشغال ندوة العيش المشترك في ليبيا وفي مجالات جغرافية أخرى، تبدو اليوم جد ملحّة. 






         

lundi 4 avril 2016

بين ضفتين












قراءة في أطروحة حسام الدين شاشية
"السفارديم والمورسكيين ورحلة التهجير والتوطين في بلاد المغرب (1492 - 1750)
الروايات والمسارات"



     صدرت الصيغة المعدلة لتمرين أطروحته الباحث حسام شاشية، وهي دراسة جامعية سبق له وأن ناقشها وحصل من خلالها على شهادة الدكتوراه بتقدير مشرف جدا برحاب كلية العلوم الإنسانية والاجتماعية التابعة لجامعة تونس، وذلك عن دار السويدي الثقافية بإمارة أبو ضبي ضمن سلسلة "ارتياد الآفاق"، بعد أن أحرز عمله الطريف والقيّم على جائزة ابن بطوطة لأدب الرحلة في دورتها الأولى المنعقدة في غضون السنة المنقضية 2015.      
وتتمحور الإشكالية التي تقود مختلف عروض هذا المؤلف فيما تبيّن لنا بعد تأمل مختلف الأبعاد المقترحة، حول مأزق التثاقف بين ضفتي المتوسط والتوسّل بالقراءة في مصادر تاريخ الصدمة التي خلفتها عمليات التهجير الممنهجة التي تعرضت لها الأقليتين الدينيتين اليهودية والإسلامية المقتلعتين من وطنهما بشبه الجزيرة الأيبيرية، والحفر في ذاكرة تطويفهما بين مواني البحر البيض المتوسط وتَبِعات تاريخ توطينهما بمجال المغارب خلال الفترة الفاصلة بين 1492 و 1750.
تدور استفهامات البحث حول علاقة عمليات الطرد باستفحال الفكر العنصري  الإقصائي وبمصاعب التهجير أو مساراته ومسالكه الكبرى. وبتعقّد عمليات التوطين وإدماج الوافدين ضمن النسيج المجتمعي بمجال المغارب وحدودها. وكذا بدور دينامكية الطرد في الدفع باتجاه تضامن العناصر المليّة المنتسبة إلى أصول جغرافية أيبيرية واحدة على غرار تضامن البرتغاليين اليهود أو "القُرنيين" مع المورسكيين تونسيا خلال القرن الثامن عشر؟
أما فيما يتصل بالمنهج فحسبنا أن نسجل توجّه الباحث الجليّ نحو الحفر في صراع الروايات التاريخية المتّصلة بحقيقة التهجير والإقصاء، ومعالجة مضامينها المتنافرة ومصالح واضعيها المتباعدة. فقد حاولت العروض استجلاب مختلف الروايات ومكافحتها قصد تمكين خطابات الأقليات المغلوبة من إدراج رواياتها ضمن السردية العامة للتاريخ المتوسطي المشترك.
على أن تفكيك الخطاب لم يشكّل وحده لحمة الأطروحة، لأن الباحث أقدم ضمن سداها وبقدر لا يستهان به من التوفيق على القراءة بشكل مندمج في تاريخ الأقليتين المستهدفتين من السفارديم والمورسكيين تهجيرا وعبورا وتوطينا. وهو تحدي لم يسبقه فيما نعلم غيره إلى رقعه. فقد اكتفت مختلف البحوث المعرفية المتخصصة بتناول واقع "الماران Marranes "  أي اليهود المتنصرين أو "الموريسكيين" أي المسلمين المتنصرين بشكل آحادي، دون تجشم عناء المقارنة أو تتبع التفاصيل التاريخية المتّصلة بتوطين العناصر المهجرة المنتسبة لكلتا الأقليتين داخل مجال المغارب.                
ينقسم الباب الأول إلى ثلاثة فصول قدمت المصادر والوثائق الأرشيفية وقرأت نقديا الدراسات التاريخية المتخصّصة في المبحثين السفارديمي و الموريسكي ومتابعة تطورها منذ بداية القرن الماضي وحتى يومنا هذا، مع التركيز على البحوث المُهتمة ببلاد المغارب، وتوضيح الأرضية المنهجية في اتصالها بتحليل الخطاب وتوضيح أساليب التواصل بين الفئات الاجتماعية والتعايش بين الأقليات المليّة والعرقية، فضلا عن التوقّف عند المدلول الدقيق لتسميتي السفارديم و الموريسكيين.
في حين تتبع الباب الثاني رحلة الطرد، والمعنيين بها ومُمتلكات المهجرين من خلال الروايات الرسمية الأرشيفية وكتب الأخبار الإسبانية، ممحّصا الروايات المتّصلة بذات القضايا ضمن المؤلفات التي خلفها الرواة السفارديم، وهو ما تم تتبعه أيضا حال التوقّف عند الروايات الموريسكية.
اعتمد الباب الثالث نفس المنهج القائم على تقديم الروايات المُختلفة، ونقصد الروايات الرسمية والسفارديمية والموريسكية، مع محاولة الوقوف وضمن المرويات المتصلة بالطرد عند المرحلة البينية أو ما أطلق عليه الباحث تسمية ما "بين عالمين"، من خلال دراسة المسارات المُتعددة للمهجرين في المستوى الجغرافي أو الثقافي- الديني.
انتهت رحلة الطرد ضمن الباب الرابع بعملية التوطين بمجال المغارب، حيث تواصل التعويل على نفس الخطة ومقارنة مُختلف الروايات المُتعلقة بهذا الحدث، سواءً ضمن خطاب السلطة الحاكمة أو ضمن التمثّلات الواردة لدى مؤلفي الروايات السفارديمية والموريسكية. على أن يتم تقسيم عملية التوطين إلى مرحلتين أساسيتين هما: مرحلة "اللقاء الأول"، حال وصول المهجرين لبلاد المغارب، و"مرحلة ما بعد اللقاء" التي أثار صاحب هذا التمرين من خلالها كيفية تعامل السلطات الرسمية مع الوافدين أو الموطّنين الجدد، وعلاقة هؤلاء بالمجتمع، من خلال الحفر في علاقات الجماعات اليهودية المحليّة بالسفارديم، فضلا عن تملّي الروابط التي جمعت الأقليتين داخل مُجتمعات التوطين.
وتتمثل محصلة هذا البحث وفيما يتصل بروايات الطرد في بحضور توجّه جليّ نحو استعظام ما حصل والإسهاب في ذكر انعكاساته السلبية على الطارد كما على المطرود، مع محاولة الزج بقرار الطرد ضمن رؤية قدرية ربطته بالإرادة الإلهية وأخرجته عن سياقه التاريخي كفعل بشري، ورد تلك الإرادة الخارقة وضمن الخطاب الرسمي إلى العقاب الإلهي حيث اعتبر الطرد تكفيرا من قبل السفارديم عن رفضهم اعتناق المسيحية وتم تمثّله إسبانيا كعقاب للموريسكيون لأنهم فشلوا في التحوّل إلى "كاثوليكيين صادقين".
تماهت الروايات الخاصة بالأقليتين مع نفس هذا التوجه الأسطوري المتسربل برداء المشيئة السماوية عبر مفهومي "التطهّر من الإثم" في حق الأقليات اليهودية أو"المعجزة الإلهية" التي فرّجت عن المسلمين بالرحيل بعد الشدة، والتي كرستها عيشة المهانة والذل التي قاسوها أيام وجودهم بـ"بلاد الكفر".
أما بخصوص معالجة الروايات المتّصلة بالتوطين مغربا، فيحسن التأكيد على محدودية المعطيات المتعلّقة بها ضمن الأرشيفات الرسمية الأيبيرية مقارنة بالتوسّع الذي صاحب خطاباتها التبّريرية بخصوص الطرد. ويُمكن تفسير ذلك بمحورية حدث التهجير بالنسبة للمجتمع الطارد، وما خلقهُ موضوعيا من صعوبات اقتصادية وسجال ديني في آن. وفي المُقابل فإن ندرة الأخبار الرسمية المتّصلة بالتوطين ضمن مجتمعات الاستقبال وندرة الروايات المحلية المرتبطة بحلول السفارديم مغربا، كما تهميش الجماعة الموريسكية في الروايات المحلية بالرغم من محورية تأثيرها، تطرح جميعها العديد من التساؤلات. فقد يعود ذلك إلى ندرة الروايات المحلية الموضوعة خلال القرن السابع عشر، تلك التي اقتصرت تونسيا على المناقب التي حبّرها المنتصر ابن أبي لُحيّة القفصي في حق حامي المورسكيين أو "ملاكهم الحاضن" أبو الغيث القشاش. كما أن حقيقة توتّر العلاقات بين الوافدين الموريسكيين ومختلف فئات مجتمع الاستقبال قد شكّل سببا وجيها في تفسير التغاضي عن الأدوار التي لعبوها بل وتهميشها، وتحاشي التطرق للمنازلة المكتومة بين الموطّنين الجدد ومجتمع الاستقبال، مثلما توحي بذلك إيماءات الوزير السراج في مصنّف "الحلل السندسية...".
ومهما كانت حقيقة الأسباب المتخفيّة وراء ذلك التحفّظ، فإن الرواة الموريسكيين قد اهتموا أكثر من نظرائهم السفارديم بالتدوين لمرحلة التوطين اعتبارا لمنطق حصول الفرج والالتحاق بـ"جنة الإسلام" بعد العيش في "جحيم الكفر".
أما فيما يتصل بمسارات المُهجرين فإن اختلاف السياسة الرسمية المتّبعة في التعامل مع من اختاروا الالتحاق بالديانة المسيحية قد اتسم بمنحى تفاضلي. فقد شكّل السفارديم الباقين أو العائدين ما يزيد عن ثلث الجماعة، في حين أن نسبة أولئك من بين المورسكيين لم تتجاوز 10  أو 15 %. ويحسن التنويه بهذا الصدد بسيطرة حوض البحر الأبيض المتوسط بضفتيه الشمالية و الجنوبية على مسارات المهجّرين، مع الاعتبار بالفارق بين الشتاتين السفارديمي  والموريسكي، علما أن اختيار الجماعة الثانية قد انصب على الضفّة الجنوبية، لأن كل إقدام على التوطين شمالا من شأنه أن يطعن في دعاوى الانتساب إلى جمّاع المسلمين، مشكّكا في تمسّكهم بديانتهم الأولى.
بقي أن نشدّد على أن ديناميكية الطرد كما حركية التوطين، قد تأسستا على التحويل الديني، ودارتا حول محور الهُـوية، فحتى وإن لم تكُن إسبانيا القرنين الخامس والسادس عشر مُختلفةً عن أجوارها الأوروبيين من حيث قلة الاعتبار بمدلول التعايش والدفع نحو الإقرار بفضائل التسامح، إلا أنها قد أبدت تعصبا للكاثوليكية وتمسكا بما سماه إدوارد غليسون Edouard Glissant بـ"جدار الهوية Le Mur de l’identité "، اعتبارا  للخصوصية التاريخية لمسار تشكّل الدولة الإسبانية الحديثة بالمقارنة مع بقية الدول الأوروبية الأخرى. فهوية الأسبان هي وفي جزء هام منها نتاج لما وسم بـ"حروب الاسترداد"، فقد تشكل الوعي بالانتساب في علاقة عضويّة بالصراع الدائر حول مسألة حضور الإسلام والمسلمين من عدمه، وهو ما ترتب عليه تأصيل للنوازع الطُهرية المتطرّفة التي ادعت نقاء موهوما ورفضت الدخيل بمدلوله العرقي أو المليّ، الشيء الذي حوّل الأقليتين اليهودية والمسلمة إلى رقعة تصويب وأضحية للتكفير على الذنب بامتياز.  
وفي المقابل فإن دواعي الإنصاف تدعونا إلى الاعتراف بأن مُجتمعات التوطين مغربا لم تُختَزل هويتها في الانتماء إلى الدين الإسلامي، اعتبار للمكانة التي احتلها أهل الكتاب ضمن التشريعات الإسلامية، فضلا عن حقيقة انفتاح تلك المُجتمعات منذ انطلاق الفترة الحديثة على البحر الأبيض المُتوسط سواء من خلال الأنشطة التجارية أو القرصنية. على أن دينامكية الصهر والتوطين لا تنفي مُحافظة المجموعات الوافدة على جوانب من خصوصيتها الثقافية، حيث تأكد وعي المجموعتين وفي خضم هذا المسار بتميزهما عن المُجتمع الطارد رغم اشتراكهما معهُ في الثقافة، وعن مُجتمعات الاستقبال حتى وإن اشتركت معها في نفس الديانة. "فمغربة" الموريسكيين أو "تَوْنَسَتِهم" لا تنفي حضور حراك عكسي اغتنت من خلاله مجتمعات المغارب بالخصوصيات الثقافية للجماعات الوافدة، سواء من حيث العادات أو المأكل والملبس. كما أن عملية التوطين تلك، لم تعدم حضور التضامن بين الأقليتين السفارديمية و الموريسكية وفقا لمنطق الانتماء الأيبيري الواحد. فبالإضافة إلى حقيقة حضور التآزر بين الأقليتين أثناء مرحلة الطرد، فقد حصل تواصل مصلحي بين الجماعتين البرتغالية اليهودية والموريسكية المسلمة شكّل حضوره وإذا ما فهمنا جيدا وجهة نظر صاحب هذه الدراسة "انبعاثا للهوية الأيبيرية الواحدة للمطرودين الذين استوطنوا البلاد التونسية"، انبعاث تحوّل إلى حقيقة ماثلة للعيان خلال النصف الأول من القرن الثامن عشر.
ولعل ما يمكن أن نؤاخذ عليه شكليا مؤلف هذا الكتاب هو سقوطها الخطة المنهجية المتّبعة أحيانا في تكرار نفس العناصر على مدى أبوابها الأربعة. كما أن المفصلتين الزمنيتين الاعتباريتين للتمرين لم يتم التفطن إلى ضرورة تعليل العلاقة التي ربطتهما بالتسلل البياني لعروض الأطروحة منذ البداية وبشكل مقنع ودقيق. فالتشديد على التهجير أو العبور والتوطين يحيل بوضوح على مخطّط الوعظية الإنجيلية في أسطرتها لاجتباء الله لشعبه المختار، وهو ما بدا لنا غائما ضمن مختلف العروض المقترحة من قبل الباحث، هذا الذي لم يخطر على باله ربط قضية العبور بتسمية العبرانيين على سبيل المثال لا الحصر.
بقي أن نشير إلى أن الجزء الثاني من الكتاب قد خُصص بالكامل للملاحق وشاغل مجلدا مفردا تضمن مُنتقيات نصية مصدرية سفارديمية وأخرى موريسكية نادرة. تعلقت بخروج السفارديم إلى تونس بُعيد الطرد من أسبانيا، تمت ترجمتها من الإسبانية إلى العربية. كما عاين نفس القسم المخصص للملاحق تحقيق أو ترجمة عدد من الوثائق الموريسكية على غرار رسائل أحمد بن قاسم الحجري، فضلا عن إضافة مجموعة من الصُور لعدة وثائق نادرة، وإضافة مجموعة متكاملة من الفهارس (للأعلام والأماكن والرسوم البيانية والخرائط والصور ) تسهيلا للقراءة وتقصّيا لمزيد الإفادة.
وبالجملة يمكن اعتبار هذه الأطروحة القيمة التي شملها النشر والتقدير عربيّا، عملا ينمّ عن نفس طويل وقدرة جيّدة على التوليف ومحاولة لرسم معالم مجال مجدّد للبحث في التاريخ الحديث المشترك للبحيرة المتوسطية، من خلال مسائلة تاريخ الأقليات الصعب المراس المتشعب الأبعاد، لذلك فإننا نعتقد أن هذه الصيغة المنشورة من الأطروحة تشكّل إسهام متميز في البحث المعرفي وعلامة مضيئة تضاف إلى الدراسات المتخصّصة التي تأسس لمشروع جيل طموح من المؤرخين التونسيين الشبان متشوّف إلى الحفر في تاريخ ضفتي المتوسط والبت بشكل هادئ رصين في حقيقة غيريتهما.


mercredi 30 mars 2016

""الجنوح زمن الأزمة"[i]



















عرض نقدي لـ "جون كلود فارسي Jean-Claude Farcy"[ii]
(ترجمة لطفي عيسى)

أول الكلام:

       شكّل مؤلف رياض بن خليفة الصادر عن منشورات "هونوري شامبيون Honoré Champion" الفرنسية في نهاية الثلاثية الأخيرة من سنة 2015، صيغة "مخففة" ووفيّة لمضمون أطروحة لنيل شهادة الدكتوراه ناقشها المؤلف الذي يشغل حاليا رتبة أستاذ مساعد في التاريخ المعاصر الغربي بكلية العلوم الإنسانية والاجتماعية التابعة لجامعة تونس، وذلك بتاريخ التاسع من شهر نوفمبر 2009 بجامعة نيس- صوفيا أنتيبوليس Nice-Sofia Antipolis الفرنسية.
لا يسعنا منذ البداية إلا الإشادة بقيمة هذا البحث المعرفي المستوفي للشروط الأكاديمية الدقيقة، سواء من حيث هيكلته أو من حيث عمق الأفكار الواردة بداخله. كما لا يسعنا إلا أن ننوّه بجودة الصياغة وسلاسة الأسلوب المعتمد في تحريره، لذلك فإن تأمل محتواه وخاصة من قبل المتخصّصين في تاريخ القضاء من شأنه أن يصيب القصد، نظرا لتوفّر العروض المقترحة على تحاليل نموذجية بخصوص جدليّة العلاقات القائمة بين واقع الجنوح أو الانحراف وكيفية اشتغال المؤسسات القضائية والردعية، وذلك ضمن سياقات تشريعية وتاريخية مخصوصة.
فقد توصّل الباحث باقتدار نادر ومن خلال التوظيف الجيّد للنماذج المعرفية المتصلة بأبحاث "بيار بورديو Pierre Bourdieu" الاجتماعية، إلى اقتراح تحاليل دقيقة للآليات الناظمة للمراقبة الاجتماعية ولأشكال المقاومة ورفض الخضوع للقوانين المترتّبة على السلبيات المتصلة بتلك الآليات، وذلك في سياق سياسي واجتماعي معقّد شكّلته سنوات الحرب الكونية الثانية، مبيّنا بشكل جليّ أن الجنوح أو الانحراف ناتج بالأساس عن السياسات الجنائية المتبعة من قبل السلطات الرسمية الفرنسية، وعن أشكال تطبيق تلك السياسات على المستوى المحلي من قبل مختلف الفاعلين بدءا بصنّاع القرار ووصولا إلى الأطراف التي استهدفتها تلك السياسات المُزْرِيَة بالحريات العامة والشخصية للأفراد في آن.
الزجر القضائي زمن نظام "فيشيVichy  [iii]":

       ما من شك في أن اختيار الفترة التاريخية الحرجة والمتّصلة بواقع سنوات الحرب وصعوباتها فرنسيا، قد ساهم يقينا في إنجاز مثل تلك المراجعة التحليليّة التاريخية. فقد اتسمت سياسة نظام فيشي بالتطرّف على جميع الأصعدة، حتى وإن شكّل ذلك امتدادا موضوعيا للتوجّهات التي قادت المرحلة الأخيرة من حياة الجمهورية الثالثة فرنسيا[iv]. كما مثّل التعويل على المادة التاريخية التي تضمّنتها محاضر الأحكام الصادرة عن الدوائر القضائية التي بتّت في إقصاء المجموعات "غير المرغوب في حضورها على التراب الفرنسي"، أو تلك التي تم التضييق على حياتها الشخصية، مغامرة لم تخلو هي أيضا من صعوبات كأداء.
احتفظ المؤلف وضمن مجال منطقة "الألب الساحلية Alpes maritimes" الواقعة جنوب شرقي فرنسا بمحاضر الأحكام التي تم بمقتضاه معاقبة المستهدفين من هذه السياسات أمام الدوائر القضائية لمدن غراس Grasse ونيس Nice، وهي جُنح اتصلت في معظمها بمجالين غالبا ما عَزِفَتْ عن تناولهما الأبحاث التاريخية المتّصلة بتاريخ القضاء أو العدالة، وذلك حتى تاريخ فتح رياض بن خليفة لهذا الملف الشائك والغائم في آن. فقد تمحورت المحاضر التأديبية التي تم الاشتغال عليها حول مسألتين أساسيتين هما: الجُنح التي استهدفت غير المرغوب في وجودهم على المجال الفرنسي من بين الأجانب واليهود، والمخالفات التي خضعت للتتبع والرقابة الاجتماعية المسلّطة على العائلات، وذلك في ظل نظام سياسي اتسمت توجهاته بالنزوع نحو تشديد الرقابة لا على المعارضين السياسيين لتوجهاته فحسب[v]، بل وعلى جميع من تجاسر على التصريح بعدائه لتلك الإيديولوجية العنصرية الداعمة للكراهية والتباغض الديني والتمييز العرقي، والعاملة على تمجيد القيم المحافظة المُعلية للموقع الأخلاقي للعائلة واعتباره شرطا أساسيا في تحديد صدق المواطنة والتوفّر على هوية وطنية فرنسية مثاليّة.
حشد رياض بن خليفة لتحقيق أهداف بحثه جميع الأرشيفات المتاحة، مشتغلا على محتوى محاضر الأحكام التأديبية، ومُوسّعا الاطلاع على الأرشيفات الخاصة بالدوائر الأمنية المحلية وما احتفظت به إدارة الشرطة المركزية بباريس من وثائق تتصل بالمجال المقصود بالمعاينة. كما حاول الاطلاع على محتوى الملفات الخاصة بإجراءات التحقيق، وهي وثائق منقوصة لم يتم حفظها بالكامل، فضلا عمّا  أوردته الصحف السيارة أو اليومية محليّة كانت أم وطنية بخصوص حيثيات القضايا المعروضة على أنظار هيئات التحقيق أو المُحالة على المحاكم خلال تلك المرحلة العكرة من تاريخ فرنسا، ومختلف التشريعات والأدبيات والمطارحات التي ناقشت المادة القانونية التي استندت عليه الأحكام المتصلة بما اعتبره "نظام فيشي" جنوحا أو انحرافا يتطلّب التأديب والمقاضاة خلال تلك الفترة. مما ينهض حجّة على الأهمية التي حضي بها الاشتغال على الأرشيفات العدلية أو القضائية المدنية، بغرض مزيد توضيح الزوايا المعتّمة لحقيقة تورّط "نظام فيشي" المتطرّف في تكريس سياسة جنائية زجريّة. فقد ساهمت محاضر الأحكام المتّصلة بالقضايا المرفوعة للحصول على الطلاق، وهي ملفات غالبا ما تمّ توظيفها لتحليل المعطيات المتّصلة بالخلافات الشخصية الناشبة بين الأزواج، على مزيد التعرّف على الإجراءات الجزائية المجرّمة حال ثبوت حقيقة إهمال العيال من قبل أحد الزوجين. لذلك فدون التخلّي كلما كان الأمر متاحا على الاستفادة من المعطيات الكميّة لإنجاز التقديرات المرقّمة اللازمة حول حقيقة تورّط هذا النظام في استعمال الزجر الجزائي، فإن رياض بن خليفة قد آثر وبمستوى رفيع من الجدّية تنويع زوايا المقاربة من خلال التعويل على عينات ممثِلة وتقديم تفاصيل حسّاسة عن ملفات قضائية معبِّرة وتحليل مضامينها بشكل لافت دقيق.

المضايقة والإبعاد والمراقبة الإدارية:

     قسّم المؤلف عمله إلى جزأين كبيرين: خاض أولاهما في القضايا المتّصلة بإجراءات إبعاد "غير المرغوب في استقرارهم على التراب الفرنسي" والاعتبار بما ترتب على إسراف النظام القائم في المضايقة من جنوح أو انحراف لدى مختلف الشرائح والأقليات المستهدفة.
فقد تعرض الفصلان الأولان من الأطروحة إلى رسم السياق التاريخي والسياسي لحلول سيل المهاجرين الايطاليين بمنطقة الألب الساحلية، وذلك بعد أن قامت السلطات الفاشية بإبعادهم، وتوضيح كيفية مجابهة السلطات الفرنسية لهذا الواقع من خلال تكثيف دوريات المراقبة الحدودية ضمن إطار تاريخي اتسم باستفحال الأزمة الاقتصادية وتزايد المخاوف وتفاقم هواجس التباغض والكراهية.
خضعت الحدود إلى مراقبة الشرطة المختصّة والحرس والفرق الأمنية المتنقلة، غير أن جميع ذلك لم يمنع من تواصل تدفّق المهاجرين غير القانونيين واختراق الحدود بطرق سرّية، دفعت بالإدارة الفرنسية إلى إصدار مرسوم ماي 1938، الذي شدّد في إجراءات مراقبة الدخول غير القانوني للتراب الفرنسي مثلما تشي بذلك المحاضر المحرّرة من قبل أجهزة الشرطة والمقالات الصحفية ذات الاتصال، وهو ما خصّص له المؤلف الفصل الثاني من بحثه، وهو فصل تعرّض إلى عالم المهاجرين غير القانونيين، متعقّبا مساراتهم الشخصية وشبكات التضامن العائلية والدينية والإيديولوجية التي عوّلوا عليها، فضلا عن اهتمامه بالأدوار التي عادت إلى شبكات المُهرّبين أو المساعدين على الهجرة.
تعقّب هذا التحاليل المجهري تحوّلات مواضع الاستقرار على التراب الفرنسي وخاصة الساحلية من بينها بداية من سنة 1939، مستعرضا الترتيبات المتصلة بذلك باعتبار مساهمة الحرب في تراجع تيارات الهجرة غير الشرعية، تلك التي تركت مكانها للوافدين الحاملين لجوازات وتأشيرات دخول مدلّسة. في حين خُصّص الفصل الثالث للحديث عن تصلّب التشريعات المتّصلة بشروط إقامة الأجانب ومراقبة أنشطتهم المهنية وتحركاتهم والتجاوزات الناجمة عنها. فقد عمدت الدوائر المختصّة إلى تجريم غير الحاملين لبطاقات الهويّة، أو أولئك الذين لم يقوموا بتجديدها حال انتهاء مدة صلاحيتها، أو المخالفين لقرارات الطرد والإبعاد عن التراب الفرنسي، والمُقْدِمين على استعمال وثائق شخصية مدلّسة، وغيرهم ممن تعمدوا عدم إعلام الدوائر الأمنية بتغيير محلات إقامتهم.
حاول المؤلف أن يعرض علينا تحليلا ضافيا لتطوّر أساليب ردع مختلف هذه المخالفات، مُبْدِيا الاحتياطات الضرورية، متسلحا بالدقة المطلوبة. فضعف حالات التجريم من أجل حمل وثائق شخصية مدلّسة يطرح من وجهة نظره حقيقة غضّ المجتمع الفرنسي للطرف نسبيا عن مثل تلك الممارسات أو عدم نجابة الجهات الأمنية في التوقّي من تلك الظواهر وإيقاف مرتكبيها. كما قد تكون قلّة الوثائق المتوفّرة والمتّصلة بطبيعة حياة تلك الفئات المستقرة بشكل غير قانوني على التراب الفرنسي، هي التي دفعت بالمؤلف إلى التريّث في الحكم على هذا الوضع والاقتصار على عرض بعض الفرضيات (على غرار ما أثبته بصفحة 222 تحديدا) بخصوص أشكال تعامل المجتمع والسلطة القائمة مع هذا النوع من المخالفات.
فعمليات الإيقاف لم تكن تحصل إلا حال المسك بشكل متكّرر بالمُقْدِمِ على المخالفة أو بأولئك الذين ثبت حال القيام بدوريات مراقبة أنهم يحملون وثائق مفضوحة التزوير، لذلك يرجّح المؤلف أن أجهزة الشرطة كانت فاقدة للوسائل الكفيلة بردع مثل تلك "الانحرافات"، فضلا على أنه لم يكن بوسعها التعويل على مساعدة أصحاب المحلاّت  فقد اقتصرت جميع عمليات القبض على "الجناة" على دوريات المراقبة بالطريق العام دون اللجوء إلى استعمال المداهمات.
ومهما يكن من أمر، فإن تحوّلات الظرفية السياسية قد أثّرت بشكل ملحوظ في عدد من قامت تلك الدوائر الأمنية باستدعائهم للمثول أمام القضاء، بحيث تقلّص عدد المحالين على المحاكم إلى أدناه مع نهاية سنة 1940، وذلك بالتزامن مع الاجتياح الإيطالي لمنطقة الألب الساحلية.
أفرد رياض بن خليفة الفصل الرابع من القسم الافتتاحي لمؤَلفه للحديث عن كيفية تعامل السكان اليهود مع ترسانة القوانين المعادية للسامية. فالتشريعات ذات التوجهات العرقيّة على غرار عمليات الرصد والإحصاء البوليسية وفرض الختم أو الدمغة التمّيزية على الوثائق الشخصية لليهود يُجَرِّمُ جميعها عدم احترام مختلف هذه الإجراءات، مما ترتب عليه قانونيا التحديد الإجباري للإقامة، حتى وإن لاحظ المؤلف - وهو على تمام الصواب في ذلك- عدم تطبيق تلك الإجراءات المتصلة بالختم التمييزي طبقا لما نصّ عليه قانون الحادي عشر من ديسمبر لسنة 1942 طيلة فترة الاجتياح الايطالي للتراب الفرنسي وحتى بعد دخول الجيوش النازية مع حلول سنة 1943. فالعقوبات النادرة التي تم تسجيلها والناتجة في الغالب عن عمليات ملاحقة معزولة من قبل أعوان الشرطة، لم تنجح في إثناء ممثل الداخلية ووالي منطقة الألب الساحلية "جون شاينيو Jean Chaigneau [vi] عن التمسّك بسياسة التريث التي التزم بتطبيقها. فعمليات إيقاف اليهود وملاحقات النازيين العنيفة التي شملت الأجانب بين 26 و27 أوت 1942 حال اجتياحهم للمنطقة، لم تترتب عليها النتائج المرجوة بحيث لم تتجاوز نسبة اليهود الذين تم ترحيلهم فعليا إلى المحتشدات النازية 10 أو 15% وفق أرفع التقديرات. ويعود هذا "الفشل" وفق تصوّر رياض بن خليفة إلى الدور الفاتر للمصالح الأمنية الفرنسية وإلى نجاعة شبكات إنقاذ اليهود من الوقوع في قبضة النازيين أو المتواطئين معهم، وهي شبكات تعدّدت حالات مؤازرتها أو مساندتها من قبل سكان منطقة الألب الساحلية.

الزجر الأخلاقي والإزراء بالحريات الشخصيّة:

        تم تخصيص القسم الثاني من الأطروحة لموضوع سبق وأن تعرضت لجوانب منه أبحاث أخرى على غرار دراسات "سيريل أوليفي Cyril Olivier " [vii] و"مارك بوننشي Marc Boninchi[viii]" حول مراقبة الممارسات الجنسية خارج إطار الزواج والقوانين الزجرية المتصلة بحماية العائلة. فقد ركز المؤلف في هذا المجال على ثلاثة ممارسات جرّمتها القوانين السارية أيام نظام فيشي وهي: الزنا أو عدم الإخلاص في الحياة الزوجية وإهمال العيال وإيقاف الحمل الطبيعي باللجوء إلى الإجهاض، مخصّصا لكل منها فصلا بعينه درس من خلاله التشريعات الموضوعة بشكل دقيق وضافي، متعرّضا في الأول لأسُسها الإيديولوجية المحافظة لكي يتفرغ بعد ذلك للوقوف عند أشكال التجاسر على مخالفة تلك القوانين وعرض "الجناة" على الدوائر التأديبية أو القضائية.
فقد تحولت مقاومة الممارسات الجنسية خارج إطار الزواج مع نظام فيشي إلى ما يشبه الرهان السياسي وذلك كلما تعلّق الأمر بزوجات أسرى الحرب. فقد أكّدأ القانون المنشور بتاريخ 23 ديسمبر 1942 على ضرورة معاقبة النساء المتورّطات في ممارسة الزنا، مشدّدا على ضرورة معاقبة كل من ثبت تورطه في "استدراجهن". إلا أن واقع تطبيق الأحكام التأديبية المتّصلة بمثل هذه الجناية ضمن الدوائر القضائية التابعة لمنطقة الألب الساحلية يكشف عن ندرة الأحكام الصادرة بخصوصها، تلك التي لم تشمل إلا الحالات التي ثبت فيها استقبال الزوجة لخليلها في محل الزوجية وإحلاله في الخدمة محل الزوج الشرعي، وهي وضعية من الصعب إثباتها بشكل قانوني، لذلك غالبا ما حصل حفظ القضية أو إسقاط الدعوى خاصة وأن القصد من رفعها قد اتصل بالأساس بحصول المدعي على الطلاق وإثبات حصول الضّرر. ويقوم القاضي في حالة ثبوت الإدانة بتطبيق الفصل 463 المراعي لظروف التخفيف قصد الحطّ من الحكم إلى الحدود الدنيا تفاديا للأحكام السجنيّة. كما تمت مراعاة نفس الظروف بالنسبة للقضايا المنشورة بخصوص إدعاء إهمال العيال وصعوبة دفع معين النفقة لاعتبارات اقتصادية أو شخصية تتصل بتفاقم الخلافات بين الأزواج، حيث سجل عدد الإدانات الجزائية ارتفاعا ملحوظا بعد إقرار قانون الـ 23 من جويلية 1942. فقد فضّلت الأطراف المتنازعة القبول بتسويات تضمن اتساق الإنفاق والحد من الخصومات. كما آثر القضاة من جانبهم مراعاة ظروف التخفيف حتى وإن تأكد على المدعى عليه الوقوع في العود، وهو ما جرّمه القانون الجديد. أما بخصوص الإقدام على إيقاف الحمل الطبيعي باللجوء إلى الإجهاض فإننا نلاحظ البون الشاسع بين حقيقة الردع المسلّط على المتورّطين ومضمون الخطاب الرسمي لنظام فيشي الذي شجّع على الإنجاب مُدينا بشدة الإسراف في ما نعته بـ"التفسخ الأخلاقي" وتزايد عدد "منجبي الملائكة faiseurs d’anges". حيث لم تكن تحاط السلطة علما بذلك إلا حال اضطرار المصالح الإدارية للمستشفيات إلى إعلامها بالاحتفاظ بالمريض، مع تحفّظ الأطباء المباشرين عن أسباب ذلك وفق ما يفرضه عليهم السرّ المهني، أو من خلال الوشاية وتبليغ أعوان قسم التفتيش عن مقترفي "جناية" الإجهاض التابعين للفرقة الأمنية الثامنة عشر المختصّة في هذا النوع من المخالفات.
يصف المؤلف بالتفصيل أشكال التجاوزات المتعلّقة بتقنيات الإقدام على توقيف الحمل أو الإجهاض الواردة ضمن التقارير المدروسة، تلك التي تمثلت في تناول المشروبات النباتية التطهيرية أو الحقن بمواد طاردة أو تمزيق الغشاء الواقي للجنين أو ثقبه ... وتستند التشريعات المنظمة لمعاقبة مثل هذه الممارسات على الفضل 317 من المجلة الجنائية وعلى المجلة الخاصة بأحوال العائلة بداية من سنة 1939، بعد أن حدّ نظام فيشي من لجوء القضاة إلى الحكم بتأجيل التنفيذ، ذلك الذي نعته وزير العدل جوزيف برتيليمي Joseph Barthélémy[ix] تهكّما في شهر أكتوبر من سنة 1941 ووفق ما أشّرت إليه الصفحة 459 من هذا المؤلَف بـ"ديمغوجية المسامحة démagogie du pardon"، وهو ما أسعف السلطة في عرض الجناة أمام محاكم الدولة بدية من شهر فيفري من سنة 1942 . إلا أن ما يتعين التنبّه إليه في هذا المقام هو عدم مقاضاة دائرة محكمة الدولة بمدينة "ليون Lyon" لأي دعوى في ثبوت حصول حالات إجهاض في جهة الألب الساحلية أو صدور أي حكم من قِبَلِهَا يقضي بتحديد الإقامة الإدارية، فضلا عن أن الأحكام الصادرة في الغرض قد شمِلتها ظروف التخفيف، حيث فضّل القضاة البت بشأنها باللجوء إلى التصريح بالعقوبة الدنيا، لذلك فإننا لم نسجل أحكاما بالسجن تتجاوز الخمس سنوات، في حين أن مجلة الأحوال العائلية الصادرة سنة 1939 قد نصت على ضرورة مقاضاة حالات العود في تعمّد توقيف الحمل الطبيعي أو الإجهاض بأحكام تتراوح بين الخمس والعشر سنوات سجنا مع النفاذ. فقد تمّ الحكم فعليا على "الجناة" المُعدَمين اقتصاديا بسجنهم لمدة ستة أشهر أو سنة مع النفاذ. أما الأحكام الصادرة على الأطباء والقوابل الذين ثبتت مخالفتهم للقانون وممارستهم المتكرّرة لعمليات الإيقاف غير الطبيعي للحمل والتعيّش من ذلك باعتباره تجارة مربحة ونافقة، فقد تراوحت بين سنة وثلاثة سنوات سجنا مع النفاذ، في حين تم تأجيل تنفيذ الأحكام في حق النسوة المقبلات على الإجهاض اللائي تم اعتبارهن من قبل النظام ضحايا لتلك الممارسات وذلك حتى سنة 1942، على أن يتم إخلاء سبيلهن أو الحطّ من الأحكام الصادرة في حقهن، حالما لم تعد القوانين تسمح بتأجيل الأحكام.



استنتاجات ختامية:
     
وهكذا فإن الاستخلاص الرئيس لهذا البحث قد تمثل في أن قضاة منطقة الألب الساحلية قد أبدوا عامة تفهّما كبيرا للواقع الاجتماعي الذي منحوه الأولوية في تكيفهم لملفاتهم القضائية قياسا للإيديولوجية العنصرية والطهرية لنظام فيشي، معتبرين في ذلك بالظروف الواقعية الدافعة إلى الخروج عمّا نصّت عليه القوانين والمتّصلة في الغالب بالتشريعات الاستثنائية التي استهدفت من وسمتهم المصادر بـ"الأجانب"، وكذا كيفية تعامل تلك التشريعات مع الحياة الشخصية للأفراد وانحيازها الفاضح لمؤسسة العائلة. فقد أعرض القضاة عن كل تطبيق زجريّ للقوانين ولم ينقطعوا على اللجوء إلى تأجيل الأحكام، مُعوّلين في جميع ذلك على مقتضيات الفصل 463، الشيء الذي دفع بـ"نظام فيشي" إلى استنباط أشكال زجر مستحدثة على غرار تفعيل العدالة الاستثنائية وتحديد الإقامة الإدارية.
ولئن عادت خاتمة هذا الكتاب لحوصلة الاستنتاجات المتّصلة بهذا الاستخلاص الرئيس، فإن رياض بن خليفة قد آثر التعريج أيضا على الجوانب المنهجية التي جرّبها في بحثه، مشدّدا على أهمية تفحّص الأرشيفات القضائية المدنية وتنويع زوايا الملاحظة في مسائلته لمحتوياتها وتحليله لمضامينها، مقترحا التفكير حول العلاقات التي ربطت بين الأزمة وتصريف مؤسسات الدولة وواقع الجنوح أو الانحراف المسجل في سياق سنوات الحرب الكونية الثانية فرنسيا.  فقد تبيّن من خلال محتوى مختلف فصول هذا العمل المعرفي أن معظم الجنيات المقترفة قد حصلت إما نتيجة لتمسّك نظام فيشي بسياسة إكراه مقصودة وتشغيل آليات مراقبة لصيقة استهدفت "غير المرغوب في حضورهم" على التراب الفرنسي، أو لسنّ ذلك النظام لسياسة لا تستجيب لمقتضيات الواقع الاجتماعي خاصة فيما يتصل بتطوّر النظرة إلى سجل القيم المرتبطة بالحريات الشخصية وبالعلاقات العائلية أيضا.
والحقّ أن تأثير أنظمة المراقبة الاجتماعية على ظاهرة الجنوح أو الانحراف قد تمّ تحليله بشكل متميّز ضمن هذا التأليف. فلئن تراءى للبعض أن الشروع الفعلي في دراسة مختلف تلك التشريعات الزجرية لم ينطلق فعليا إلا بعد استيفاء تحرير ثلث البحث، فإن حرص المؤلف على استكمال التفاصيل المتعلّقة بالقراءة السياقية، قد مكّننا من وضع مختلف تلك "الانحرافات" ضمن إطارها التاريخي، الشيء الذي أسعف رياض بن خليفة في عرض مثال نادر لدراسة مستوفاة وشاملة لموضوع الجنوح أو الانحراف الاجتماعي، دون التغافل على أي عنصر من شأنه أن يساهم في مزيد فهم المسألة المطروحة والقراءة النقدية لجميع المصادر المستجلبة. وإذا ما أضفنا إلى ذلك الإحالات التاريخية الدقيقة والمتنوّعة التي تتقصّى المهم، عارضة علينا جهازا نقديا متينا وحرفيّا، والجهد المبذول من قبل الناشر الذي أصرّ على سلامة الطبع وتحرّى بخصوص فهارس الأعلام والأماكن، فإنه يتأكد لدينا أن هذا الكتاب الذي يعرض نفسه على واسع القراء في شكل كلاسيكي متواضع، بوسعه أن يشكل يقينا إسهاما معرفيا أساسيا ضمن الدراسات المتخصّصة في تاريخ العدالة والقضاء.        


[i]    عرض نقدي لمحتوى أطروحة رياض بن خليفة، الانحراف زمن الأزمة: قراءة في انقلاب الجُنح العادية إلى جنايات استثنائية منشورة لدى محاكم منطقة الألب الساحلية (َ1938 - 1944)، باريس، منشورات أونوري شومبيون 2015 في 606 صفحة.  قام بانجاز هذا العرض "جون كلود فارسي" وتولينا ترجمته إلى اللغة العربية. 
Référence électronique du compte rendu :
Jean-Claude Farcy, « Riadh Ben Khalifa, Délinquance en temps de crise. L’ordinaire exceptionnel devant la juridiction criminelle des Alpes-Maritimes (1938-1944) », dans Criminocorpus [En ligne], 2016, mis en ligne le 08 janvier 2016, consulté le 08 janvier 2016. URL : http://criminocorpus.revues.org/3130
Riadh Ben Khalifa, Délinquance en temps de crise. L’ordinaire exceptionnel devant la juridiction criminelle des Alpes-Maritimes (1938-1944), Paris, Honoré Champion, 2015, 606 pages.

[ii]   هو باحث مشارك بمركز جورج شوفالي Georges Chevalier التابع لجامعة جهة بورغونيBourgogne  بمدينة ديجون Dijon  الفرنسية. خصصت أهم أبحاثه المنشورة لتاريخ الأرياف وتاريخ القضاء بفرنسا خلال القرنين التاسع عشر والعشرين. وهو علاوة عمّا ذكرنا عضو بهيئة تحرير المجلة الرقمية "مدونة علوم الإجرام Criminocorpus".
[iii]   تولّى نظام فيشي الذي قاده "الماريشال فيليب بيتان le Maréchal Philippe Pétain" حكم فرنسا خلال مرحلة الحرب العالمية الثانية من 10 جويلية 1940 إلى 20 أوت 4194 وذلك زمن احتلال البلاد من قبل القوات النازية للرايخ الثالث، والذي اتخذ من مدينة فيشي الواقعة شرقي فرنسا مركزا رسميا له.  
[iv]   تولّت الجمهورية الثالثة حكم فرنسا بين 1870 و 1940
[v]    تحسن العودة في هذا المجال إلى محتوى أطروحة فرجيني سانسيكو التي ركّزت أبحاثها على استنطاق الأرشيفات المتّصلة بمحاضر جلسات المحاكمات الخاصة بالقمع السياسي على أيام نظام فيشي المتواطئ مع النازية:
 Sansico (Virginie), La justice déshonorée 1940 – 1944. Paris, Tallandier 2015. 623 pages.   
[vi]   شغل جون شاينيو Jean Chaigneau خطة والي على منطقة الألب الساحلية بين أفريل 1943 وماي 1944.
[vii]   Olivier (Cyril), Le vice ou la vertu. Vichy et les politiques de la sexualité 1940-1944, Toulouse, Presses universitaires du Mirail, 2005, 308 pages.
[viii]   Boninchi (Marc), Vichy et l’ordre moral, Paris, PUF, 2005, XIX-319 pages.
[ix]  شغل جوزيف برتيليمي خطة وزير للعدل في نظام فيشي يين 1943 و 4194.

عرض نقدي لجون كلود فارسي حول مضمون أطروحة رياض بن خليفة "الجنوح زمن الأزمة" الصادرة ضمن منشورات هونوري شمبيون أواخر سنة 2015، قمنا بترجمته إلى اللغة العربية ونشر ضمن العدد السادس من مجلة "الفكر الجديد".