samedi 9 mars 2013

ملاحظات بخصوص مدلول التّطرّف الديني











       
      ما التطرّف الديني؟ وما الفرق بينه وبين التعصّب والأصولية؟ ثم هل يدفع التديّن بالضرورة إلى التحريض على استعمال العنف؟ 
تتقاطع مختلف هذه التسميات بشكل ملحوظ حتى وأن اختلف مدلولها باختلاف الأديان. ويتميز التعصب الديني (الذي يقترب بشكل لافت من التقليدية) بنزوعه باتجاه التمسك بمختلف المعتقدات والقيم التقليدية. فالمتعصبون الدينيون يجدون صعوبات جمة في القبول بما فرضته الحداثة من تحولات على أشكال التدين، لذلك يفضل هؤلاء العيش في ماض مثالي متوهَم، كما يظهرون تمسّكا بعدد من الممارسات أو الشعائر التي لم يعد لإظهارها موضوعيا من موجب، على غرار التمسك بالاختلاف في المظهر أو في القيافة قياسا لما هو سائد.
اتصل التعصب الديني تاريخيا بالمسيحية الكاثولكية اليمينية، على أن يتم سحب نفس التسمية على مختلف المتعصبين الدينيين بما في ذلك المسلمين من بينهم. أما الأصولية فقد ارتبطت غربا بالفكر الديني البروتستاني الداعي إلى التمسك بالأناجيل المقدسة وتأويلها حرفيا دون إبداء أي تساهل من شأنه أن يخل بالمعنى. كما تحيل الأصولية أيضا على جميع المسلمين الداعين إلى عدم تخطي التأويل الحرفي للنص القرآني. وهكذا فإن التعصب والأصولية لا يقتصران تاريخيا على ديانة مخصوصة دون غيرها، بل يحيلان على توجهات إيديولوجية واجتماعية ودينية وسياسية تخترق جميع الديانات الكبرى، إبراهمية كانت (اليهودية والمسيحية والإسلام) أم شرقية (الهندوكية والسيخية والشنتووية).
ومهما يكن من أمر فإن التعصب الديني غالبا ما يحيل حاضرا على فرق دينية مسيحية أو إسلامية، حتى وإن شفت جميع الديانات على أشكال مخصوصة تحيل على مظاهر تعصب وأصولية لا يمكن نفيها.
بوسعنا تحديد الطبيعة المتطرّفة أو الراديكالية لمجمل الإيديولوجيات الدينية وفقا للموضع الذي يحتله كل تيار ديني على محور ثلاثي الدوائر يتضمن يمينا ووسطا ويسارا. وتخضع عملية تحديد الموضع على هذا المحور للمواقف والآراء التي تعبّر عنها مختلف تلك التيارات تجاه القيّم السائدة ضمن سياق تاريخي مخصوص.
ويمكن تبويب تلك القيم إجمالا وفقا للترتيب التالي: "القيم التي اندثرت وذهب فصلها، القيم التي لا تزال موجودة، القيم التي اكتسبت حق الوجود، والقيم التي لم تعبّر عن وجودها بعد". فكلّما كان موقع المتدين على يمين هذا المحور، كلما أشّر ذلك على انخراطه في المحافظة واقترابه من التوجهات الماضوية أو الرجعية من خلال التمسّك بقيم قديمة متآكلة.
فالمتعصبون والأصوليون يشكّلون وفقا لهذا التحديد فرق دينية يمينيّة أو يمنية متطرفة. وفي المقابل فإن التيارات التي فضلت الناحية المقابلة للمحور، دون أن تجد نفسها عند طرفه، يمكن أن تُحسب على اليسارية أو الليبرالية، بل وقد يستقيم اعتبارها تقدميّة تساهم توجهاتها في معاضدة القيم الكونية الأكثر انفتاحا.
وهكذا يبدو جليّا تموقع الراديكاليين والمتطرفين عند الجانبين الأقصى الواقعين عند يمين ويسار المحور، وتشكيلهم لفرق لا تتورّع على استعمال العنف بغرض فرض قناعاتها الدينية.
يتوجّب التنويه بضرورة توخي التحفظ في استعمال هذا التقسيم النمطي، الذي ليس له عمليا من دور غير توضيح الواقع المعقّد للمسألة التديّن حاضرا وتبسيطها. فالاكتفاء بالنعوت الدونية المشحونة لا يساعد البتة على مزيد التعرّف بشكل دقيق على الفرق الدينية اليمينية من بينها، كما القريبة من الليبرالية أو التقدمية. لذلك من الأحرى التعويل على الملاحظة الميدانية وتنزيل مختلف الظواهر المدروسة ضمن سياقها التاريخي وتوجهّها الثقافي، مع العمل على تفكيك محتوى خطابها تفاديا لتجزئتها والإحاطة بها في كليتها. فلئن بدت لنا أغلب التيارات الدينية كونيا منجذبة إلى يمين المحور المشار إليه أعلاه، فإن مرد ذلك متصل بالشحنة النضالية أو الدعويّة القوية لتلك التيارات أو الفرق قياسا لما تبديه التيارات الواقعة على يساره من تحفّظ بخصوص مزيد التعريف بتوجهاتها المنخرطة عامة ضمن سجل قيم يُركّز على الجوانب الروحية ذات المنزع المجدّد والذي غالبا ما يتسم بابتعاده عن أشكال التدين التقليدية دون الوقوع بالضرورة في تعارض قطعي مع الأحكام الدينية، مع عدم تهيب من الخوض في مسائل إثيقية تُعلي من مكانة الحقوق الشخصية وتدافع عن سلامة المحيط والتضامن الدولي الذي يشكل مجالا نضاليا متقاسما مع التيارات المدنية والسياسية المدافعة عن القيم الكونية التي تعتبر أن لسلامة البيئة والحفاظ على السلم العالمية آصرة متينة بحقوق الإنسان.
ونستطيع القول أنه على الرغم مما عاينته العشريات القليلة الماضية من توسّع في مدلول المدنية وقيمها كونيا، فإن ذلك لم يترتب عليه البتة إقصاء للمسألة الدينية عن المشروع الكوني للحداثة. بل يمكن الجزم وفقا لجميع المؤشرات أننا نعيش حاضرا "عودة للتدين" سبق لجيل كبال Gilles Kepel أن اعتبرها بمثابة عملية ثأر من الحداثة التي بشرت صراحا بموت الله "la revanche de Dieu".
وهكذا احتفظت علاقة الإنسان راهنا بالمقدس بحضورها في صميم بحثه عن المعنى، حيث استجابت تجربة التدين لجملة من الحاجيات تأتي على رأسها القدرة على الحد من الإحساس بضعف الأمان وتعقّد المشاكل النفسية والتبئير المرضي حول مسألة الهوية وانهيار القيم التقليدية، وهي في معظمها صعوبات تتصل بمشروع الحداثة الذي تتناقض دعاوى الكونية ضمنه مع حقيقة الهيمنة الغربية. لذلك يشكّل التدين وعلى صعيد التمثل حاضرا شكلا من أشكال التعبير عن موقف نضالي يطالب بتحقيق مزيد من العدالة ويقاوم من أجل رسالة تضارع غيرها في النبل بل وقد تفوقها أحيانا.
إن دواعي الإنصاف تقتضي تفسير الأسباب التي تكمن وراء الانسياق باتجاه العنف تحت غطاء التدين أو من خلال تشغيل آليات الوصاية على المجتمع باسم الدين. فمن الممكن رد ذلك إلى أسباب عديدة على غرار وقوع بعض التيارات الدينية ضحية للاضطهاد، وتكيّف ردود أفعالها العنيفة مع حضور حقيقي للاستهداف وعمليات إذلال وتشفي مقصودة. كما يمكن للخلط بين الفضاء العام والانتماء العقدي أن يشكل واقدا لاستشراء العنف. فالعديد من المواجهات التي تتسربل بلبوس دينية، ليس لها على الحقيقة إلا أسبابا سياسية أو اجتماعية واقتصادية. لذلك يتعين على المجموعة الدولية أن تعلن صراحة تضامنها في الوقوف ضد جميع أشكال العنف الموظفة للدين أو المتخفيّة ورائه. كما يتعين المحافظة على الطابع المدني للدولة والتمسك بالفصل بين الدين والسياسة، دون أن يترتب على ذلك أي شكل من أشكال التعدي على الحريات الدينية، مع فسح المجال واسع أمام ممارسة الشعائر الدينية واحترام مختلف شعائرها وطقوسها واحتفالاتها وأعيادها، واعتبار اللباس الديني مسألة خاصة غير قابلة للمزايدة، فإظهار التشدّد إزاء جميع أشكال الحريات الدينية لا يؤدي عامة إلا إلى نتائج عكسية وسلبية.
كما يتعين تفادي الخلط بين الهويات العرقية والسياسية واللغوية ونظيراتها المتصلة بالدين، فمن كمال التصرف البشري التعالي عن الصراع بين الأخوة في الإنسانية، والسمو بالمنزلة البشرية عن جميع الاختلافات الدينية.
وهكذا يمكن التشجيع على الحوار عبر مزيد الاعتناء بتدريس تاريخ الأديان وتطوير الكفاية المدرسية المتصلة بالمعارف الأنتروبولوجية والاجتماعية والثقافية ذات الاتصال بالمسألتين الدينية والروحية. كما أن توسيع الاطلاع على الديانات البشرية ومعرفة أدوارها الإيجابية والسلبية على الأصعدة الاقتصادية والسياسية والاجتماعية والثقافية، بوسعه أن يدفع نحو مزيد القبول باشتراك جميع الديانات في كونها موروث بشري جماعي يتعين احترامه والحفاظ عليه. فحتى وإن لن يسعف التعرّف على تلك الديانات والاطلاع على تاريخها بمفرده في فهم جميع الظواهر التي نعيشها حاضرا، فإن ذلك من شأنه أن يوسّع وعينا بالرهانات الدولية المعاصرة، ويمكّننا من التعوّد أيضا على الحياة سويّا ضمن واقع كوني يحتاج إلى مزيد من الدفع باتجاه التآلف مع الاقتناع بحق الكافة في العيش بسلام. 

dimanche 17 février 2013

معاول السلفية تستهدف مؤسسات الإصلاح 2 / 2





 قبل قرنين ونصف القرن رفض الفقهاء التونسيون الوهابية، إلى ما تعزى عودتها القوية إلى تونس راهنا؟ وكيف تنظر إلى تنامي التيارات السلفية في تونس منذ سقوط نظام بن علي؟لم يكن رفع حُجب القداسة عن السياسي بالأمر الهين لكن الثورة أجلت غموضه وحوّلته حاضرا إلى علامة مبذولة ضمن المشهد اليومي للتونسيين. غير أن أمر إعادة الاعتبار للروحي، وهو شاغل يضارع الأول ويكمّله، لم يشغل وضمن الحوار الساخن القائم تونسيا حول علاقة الهوية بالمعتقد حيّزا يكفل الارتقاء به وإنضاجه تطلّعا إلى ربطه عمليا بقداسة الحرية كقيمة أو كفضيلة. التراكم المعرفي الذي وسّعت المدرسة في قاعدة اقتسامه هو الذي يُسهم حاضرا في إلقاء كاشف الأضواء على مآخذ خطاب الإسلام السياسي بجميع توجهاته أو تلويناته، وهو الذي يُعلي من مكانة المقومات المدنية للدولة، ويتصدّى لمعاول الهدم التي تستهدف المكتسبات الحداثية للمجتمع التونسي، تماما مثلما تصدّر شيوخ الزيتونة (إسماعيل التميمي وعمر المحجوب ثم إبراهيم الرياحي لاحقا) لمثل هذا الدور من خلال ردود الأولين المبكتة على رسالة محمد بن عبد الوهاب، ودفع الأخير باتجاه تحريم العبودية.   لا أستبعد أن يكون إسلام التونسيين حداثيا، فقد تم تعهّده منذ قرن ونصف بالتعديل والإصلاح، مما أسعف المجتمع في القبول بجملة من التحوّلات الكيفيّة في فهم مقاصد الدين لا نتوفر على ما يضارعها عربيا. على غرار واقع الأحوال الشخصية، وبداهة الاختلاط بين الجنسين، والتسامح بخصوص العديد من الممارسات الاجتماعية والتقاليد غير المتطابقة بالضرورة مع الأحكام المستندة لفقه الحلال والحرام. وهذا الواقع لم يترتب عليه، وإذا ما تجازونا حرارة السجال القائم على المناكفة بين فرقاء النضال السياسي والصراع الأيديولوجي حاضرا، سقوط المجتمع في حالة من التفسخ الثقافي والديني المؤذن بالخروج عن الإسلام والتخلي عن الشحنة الروحية التي تُمثل عنصرا محوريا في ترتيب واقع التونسيين الاجتماعي وتقاليدهم العائلية وحياتهم الشخصية أيضا. ولأن المسألة روحيّة بامتياز، فإن اقتلاعها من ذلك الإطار، لحشرها بالقوة ضمن مربع الصراع السياسي، بعد رفع حُجب القداسة عنها بالمراهنة على الاستثمار في ما وسمه "ماكس فيبر Max weberبـ"اقتصاد الخلاص"، مغامرة تفوق مساوئها المكاسب الآنية السريعة المترتبة على تشغيل آلياتها مجدّدا. لذلك لابد من التفطّن في رأيي إلى حساسية التعامل مع هذه المسائل من وجهة نظر الاعتراف بحرية الأفراد في استجلاء الرصيد الروحي المتوافق مع مضمون مساراتهم الحياتية، والتعامل مع قضية المعتقد من زاوية الدفاع عن الحريات، ومن أجلّها تلك المتّصلة بالجوانب الروحية، من خلال التعبير عن الرفض الصريح لمنطق الإكراه المبني على بَلْوَى الإجماع، وجلب المنفعة عبر وصل الدين بالمعرفة المحكّمة الدقيقة في كونيتها. لذلك أعتقد أن جميع الحملات العاملة حاضرا - باسم طهرانية واجهةٍ وفدت علينا من مجالات متزمّتة ترفض الإصلاح وتتمسك بالمحافظة السياسية والاجتماعية والثقافية- على تقويض ما تبقى من علامات تراثية متصلة برصيد ثقافي وروحي غني، ليست في الحقيقة سوى محاولة للانقلاب العنيف على النموذج المجتمعي والثقافي التونسي بغية غرس نبتة في غير تربتها. فاستجلاء المسائل الروحية يحتاج إلى تفكيك دقيق للظواهر الناظمة للذهنيات ومعرفة جيّدة بسجل القيم ومستويات تمثّل الوجود وتجريد ما ورائه، ومضمون السيطرة الحقيقية والمتوَهَمة على العالمين المادي واللامادي. وهي مهمّة لم تعتبر دولة الاستقلال بمحوريتها في إنجاح مشاريعها التنموية ولم تدفع باتجاه تفحّصها. وهو أمر يتجاوز في اعتقادي مسألة "الشرك" ليفتح حوارا هادئا رصينا حول مسألة "إعادة الاعتبار للروحي" كحق من حقوق الإنسان، يشترك فيه المتدين وغير المتدين، المؤمن بالإسلام وغير المؤمن به، وتضمنه الحريات الشخصية في مدلولها الكوني. فهل نحن مقبولون على ثقافة روحية تستجمع رصيدنا الثقافي الديني باتجاه مزيد تأمّل العلاقة التي تربطنا بالله وبرسله من وجهة نظر المحبّة، وهي ركن مكين اعتضد به المغاربة في إخصاب حياتهم الروحية، أم أن الدفع باتجاه مربع الخوف هو الذي سيحملنا مستقبلا على القبول بالوصاية والاستغناء صاغرين ومُكرهين عن إرثنا الروحي المتحرّر؟  
أي مستقبل لهذه التيارات التي تقدم دلائل واضحة على إمكانية استحواذها على السلطة؟
تكمن خطورة المد السلفي في ممارسة العنف الممنهج المبني على ضرورة إجبار الأكثرية على اعتناق تصوّراته والاحتكام إلى توجهاته باعتبارها مقدسة لا تحتمل المخالفة يسوغ مجابهة رافضيها باستعمال العنف الفكري واللفظي والمادي. على أن "الحداثية المعلنة ذاتيا modernisme autoproclamé " التي تصدر عنها مختلف الحساسيات والتيارات والعائلات السياسية الموسومة بالتقدّمية، سواء تلك التي اختارت الانضمام إلى الحكم أو تلك الموجودة في المعارضة، لم تنتبه في نظري بعد إلى ضرورة تجذير مدلول الدولة المدنيّة، بالسعي إلى الفصل بين الفضاء العام والانتماء العقائدي تجسيما لمدلول الحداثة، وتواصلا مع الإرث الإصلاحي التونسي بمختلف حساسياته أو تعبيراته. علما أن الهدف من جميع ذلك هو القدرة على التعبير على الذات بشكل دقيق ومفارق قياسا للطرح الفكري الذي تصدر عنه مختلف التيارات الموسومة بالمحافظة بما في ذلك حزب النهضة الحاكم نفسه.وليس أبلغ تعبيرا عن ذلك الحرج الحقيقي من التعويم الذي يتسم به خطابها حاضرا، مما حوّله إلى مظنة سهلة للاستهداف والتهجّم على جميع الداعين إلى انخراط البلاد في مسار الحداثة منذ بروز التجربة الإصلاحية عند أواخر القرن التاسع عشر، إي منذ قرن ونصف على الأقل.
فشعارات الثورة المتصلة بالحرية والكرامة لا يمكن فصلها عن ممارسة المواطنة والاحتكام إلى التعاقد والالتزام بالقوانين، وجميعها توجهات تنخرط تماما في مسار الحداثة. إلا أن المستغرب حقّا أن كل محاولة للدفاع عن مكاسب الدولة المدنية تـُجَابه حاضرا بمزيد من التحفظ وتؤول من قبل شرائح واسعة في المجتمع التونسي باتجاه مدلول ضيق يحيل على نزوع إلى الانطواء والمحافظة !
ما من شك في حضور مزايدات بخصوص الخطاب الحداثي مع عدم الاستنكاف من وصم دعاته بالزنادقة، خاصة بعد عودة الديني أو التبئير حول الطقسية الروحية بقوة. فالسمة الطاغية على الخطاب الفكري الانتقائي للتيارات السياسية الدينية هي ضعف المعرفة بمصادر إصلاح الفكر الديني نفسها، فالإشادة بشخصية مثل محمد الطاهر بن عاشور، وهو عالم تقليدي بالأساس، غالبا ما تتم من خلال التعتيم على التوجهات المتفتحة لابنه الفاضل، بل واعتبار أبناء هذا الأخير (سناء وعياض) أبناء غير شرعيين للعائلة، شوّهوا إرثها ولم يعودوا مؤهلين للنطق باسمها.
وهكذا فإن التجديد الحقيقي للفكر الديني يتعين أن ينهل - بزعم التيارات المحافظة بما في ذلك حزب النهضة نفسه- من توجهات مفكري السلف من أئمة السنة، على غرار بن قيم الجوزية الذي يشكّل يوسف القرضاوي وابن باز تواصلا حقيقيا معه على حد ما صرّح به زعيم النهضة ومنّظرها راشد الغنوشي الداعي إلى إقرار مبدأ "التدافع" كآلية في تجاوز الاختلافات الفكرية، مع العمل على "أسلمة الدولة من الأسفل"، وهو أمر يتعارض مع حيادها ويكشف عن النوايا الحقيقية للتيار المحافظ الـمُقحم للدولة في التجاذب السياسي، غير المكترث مطلقا بفصل الدين عن السياسة تحقيقا لحيادها.
على أن حقيقة التأثير المسلّط من قبل النموذج الفكري الفرنسي على العقل والذائقة التحديثية التونسية، يدفع من جانبه إلى التساؤل عن حضور نزوع من قبل العائلات الفكرية والسياسية الحداثية التونسية نحو وضعية اتكال بل وحضانة أسهمت في سجنها ضمن تصوّرات أحادية تجعل من عملية إعادة تملّك القيم الكونية تونسيا مغامرة عسيرة غير مأمونة العواقب، لاسيما وأن تنوّع الحداثات الغربية بروافدها الأنحلوساكسونية والإيطالية يسمح بتحديد فارق واقعي بين التقليد والمحافظة ولا يمثل في حق السلفية نفسها قطيعة مع التاريخ، بمقدر ما يجسّم نزوعا باتجاه حالة من الإسقاط يصرّ أصحابها على ضرورة تماثل الواقع مع ماض مثالي متوهَّم.
دليلنا على ذلك هو نتائج انتخابات المجلس التأسيسي نفسها في 23 من أكتوبر 2011 التي أبرزت كفاية في التواصل لدى الأطراف المحافظة، وما الفارق الذي أحدثه تيار العريضة الشعبية من خلال تشغيل آليات بسيطة لعبت على أوتار شعبوية تحيل على رفض التعالي ومقاومة ضرب البداوة وتهميش الفئات الفقيرة بدعوى "الحُقْرة"، قياسا لضعف فاعلية توظيف ذات المطالب المتصلة بالحق في الشغل والصحة والتعليم والسكن من قبل مناضلي "القطب الحداثي" مثلا، خاصة في الأحياء الفقيرة لتونس العاصمة وبدواخل البلاد أيضا، إلا دليل على انغراس ذلك الفارق بين التقليد والمحافظة عميقا في الذهنيات وترسّخه في الذاكرة الجماعية في آن.
أساليب التفكير داخل المجتمع التونسي لم تبرح وفقا ما أثبتته البحوث الميدانية نظام الثنائيات (متدين – ملحد – مسلم – كافر )، فضلا عن الطبيعة المفتوحة لتلك الأساليب التي أصبحت تشتغل حاضرا وفقا لمنطق خارجي يتعامل بكثير من الدونية مع ذاته وواقعه المحلي. ويمكن الاستدلال على ذلك بسهولة من خلال غزو دعاة الوهابية ومروجي "فقه النكاح" و"عهد نجد" لبلادنا، ودفعهم باتجاه فسخ نموذجنا المجتمعي، فالإسلام الوهابي السعودي المنتشر ببلدان الخليج والذي يصدر عنه فكر النهضة على الحقيقة، إسلام قريب من الإسلام الأمريكي لا يعير أهمية وفي المقام الأول إلا للسيطرة على الثروة والحفاظ على المصالح.
لا يعترينا أدنى شك في دعم التيارات السياسية والدينية المحافظة موضوعيا لبعضها البعض (السلفية – التحرير - جمعية الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر أو الجمعية الوسطية – الجناح القيادي التأسيسي الواقع على يمين حزب النهضة...) وذلك من خلال الزج بالمساجد في عملية التعبئة السياسية على الرغم من دعوى النأي عن ذلك.
غير أن مدنية المجتمع التونسي مسألة محسومة، بالرغم من تشتت قواه التقدمية التي يأتي الاتحاد العام التونسي للشغل في مقدمتها، وافتقاد المشهد السياسي التونسي عامة لحدّ معقول من التوازن السياسي. فالبيّن أنه بمجرد تحرّك مكونات المجتمع المدني والتحاق الاتحاد بها، تتراجع حركة النهضة فتشد رسن جناحها المتشدّد المتورّط موضوعيا مع السلفيين. هذا إذا ما اعتبرنا أن مختلف تلك المركّبات المكوّنة للجسم المحافظ تونسيا لم تصل بعد إلى مرحلة تقاسم الأدوار.
كما أن الأداء الاستحواذي لحزب النهضة المتعارض مع مبادئ الثورة، والعاصف باستقرار الدولة نفسها، هو ما يدفع بها اليوم وتفاديا للمسائلة بخصوص ورقة امتحان الحكومة التي تستدعي مراجعة سريعة في العمق إلى الالتزام بمنطق الانتقال الديمقراطي مستقبلا، بمراقبة مواطن العبادة ريثما تبت الدولة في طبيعة سياستها الدينية، التي يتوجب أن تنجح في صرف الشباب عن شباك العنف وتجاوز القانون بجميع أشكاله، وهو تحدي التحديات 
تونسيا.
  العرب" الجمعة 15 فيفري 2013 حاوره حسونة المصباحي" 
  


mercredi 13 février 2013

معاول السلفية تستهدف مؤسسات الولاية والصلاح 1/ 2




13-2-2013 9:55:07                    



التصوّف في المغرب العربي وفي تونس بوصفه معطى أصيلا في التكوين الجمعي للمنطقة، يتعرّض إلى هجمة من طروحات سلفية دخيلة. وهو محور الحوار مع لطفي عيسى الباحث في التاريخ الاجتماعي والثقافي المقارن والذي تنشره "العرب" على جزءين.

أجرى الحوار حسونة المصباحي

بماذا تفسر اهتمامك بتاريخ الأولياء، وما هي استنتاجاتك الأساسية حولها؟

مرحلة التسعينات من القرن الماضي كانت حاسمة في هذا المجال، فقد حصل حراك أطره جيل من الجامعيين التونسيين المختصين في الإنسانيات، حاول بناء محصلته على تجاوز الاقتصار في إنتاج المعرفة على امتلاك تقنياتها، والبحث عن أشكال مستحدثة تمكن من بناء أفق جديد بالتعويل على تلك المحصلة في الإجابة عن مجموعة من المواضيع المُرجأة التي تلحّ على طرح سؤال المواطنة. فقد تجاوزت الجامعة طرح سؤال الدولة الوطنية اليعقوبية، منفتحة على مواضيع تعيد صياغة الانتماء من وجهة نظر كونية، من ذلك طرح سؤال المقدس توسيعا لمدلول التديّن.

كنا ندور حول أنفسنا، فاضطرنا سياق العولمة إلى طرح سؤال قابليتنا للانخراط في الكونية من خلال التعامل مع الغيرية كجزء منّا لا كطرف خارج ومنفصل عنّا. وبما أن قدر المؤرخ هو الإجابة عن أسئلة الحاضر عبر استقراء الماضي، فإن تفكيك وهم الهويات المحنّطة قد تحوّل إلى قضية نضالية و"إثيقية"، وذلك بمجرد أن تمحورت معظم الإشكاليات التي عمل على اقتراحها حول تفكيك النموذج المجتمعي التونسي بربطه ببعديه المغاربي والمتوسطي.

ولعل تناولي لمسألة الصلاح أو الولاية مُعتبر من حيث علاقته بذلك الأفق، فقد شكل المنجز المعرفي المتواضع الذي انكببت على اقتراحه، محاولة لإعادة فهم مسألة التدين من خلال تطويعها لمزيد التعرّف على الشخصية الروحية للمغاربة، وهو مجال علّمت "مورفولوجيته" ولا تزال مزارات الأولياء.

بماذا يمكن تفسير كثرة الأولياء في المغرب العربي؟

شدّدت البحوث الميدانية التي اهتمت بمجال المغارب، على غرار دراسات "بول باسكون" و"كليفورد غيرتز" على توافق مختلف الأنشطة التي تولاها الفاعلون من بين سكان المدن أو البوادي، سواء فيما يتصل برزنامة توزيع الأوقات أو بنسق إنجاز الأشغال الزراعية، مع جملة من العادات والممارسات تحيل على أزمنة ضاربة في القدم. وبالمقابل فإن تعريف العلاقات الرابطة بين المقدس كما عرّفه "دوركهايم" و"موس" و"إلياد" وأعاد إثماره "بيار بورديو" اجتماعيا و"جلبار ديران" دينيا، والمجال في بعديه الجغرافي والاجتماعي، قد انصبّ على كيفية نشأة الضوابط الثقافية الحافظة للأمن وبناء الهوية المشتركة، باعتبار المقدس لا يمثل مرحلة ضمن تاريخ الوعي البشري بل عنصرا ناظما لبنيته.

كما أثبت تاريخ التعمير داخل مجال المغارب أهمية التبادل التجاري في تأمين مسالك العبور والسيطرة على مختلف مظاهر الفوضى وفرض العافية والدفع باتجاه جلب المنفعة والتقريب بين الأعراف القبلية والأحكام الشرعية.

وتأتي كرامات الأولياء ضمن هذا الإطار للتشديد على تدخلهم لحماية مجال الحرمة والمتصرفين في اقتصاده وورثتهم وخدمهم والمحتمين بهم ومن جاورهم، في محاولة للتغطية على ضعف انتشار مؤسسات الدولة أو عدم قدرتها على تنفيذ أحكامها من خلال الاقتصاص من الخارجين عن الصف، حتى وإن لم يتجاوز مدلول ذلك القصاص المستوى الرمزي. فالإنسان المتدين وفقا لتعريف "روجي باستيد" يتخذ ضمن حقل الجغرافيا الدينية، مكانة تناظر تلك التي اختص بها "الإنسان-العامل" أو "الإنسان-العالم".

ساهمت الدراسات المنجزة حديثا في توضيح الفرق بين الواقع المحلي المغربي الذي عادت أهلية هيكلة مبادلاته الداخلية إلى مؤسسات الولاية والصلاح، والواقع المحلي التونسي الذي اتصلت مهمة الحماية فيه تاريخيا بحضور فاعل للهياكل الردعية والإدارية للدولة، تلك التي نجحت في الحد من الأدوار التي كانت تلعبها الأسواق السنوية بـ"بوسديرة" شمالا أو توزر جنوبا، لفائدة الأسواق الأسبوعية كسوق الأربعاء "مدينة جندوبة" وسوق الخميس عند مدينة بوسالم، الشيء الذي قلص من الأدوار الأمنية التي تولّتها التجمعات القبلية، فتدرّجت نحو الاستقرار وعوّلت على الأنشطة الزراعية، وانسلخ منظوروها من وضعية الرعاة والتجار إلى واقع المزارعين المتنافسين على اقتناء الأراضي وإحياء مواتها.

كيف تفسّر هجمة الفرق السلفية على أضرحة الأولياء بعد انتفاضات الربيع العربي؟

في شهر أبريل من سنة 2012 أعطى "أنصار الدين"، وهو تنظيم جهادي سلفي تحرّكه مجموعات متمرّدة من قبائل الطوارق تنتسب إلى فصيل "أنصار" وتعرف بقربها من قاعدة الجهاد "الوهابية" بالمغرب الإسلامي، إشارة الانطلاق لهذه الهجمة بعد أن سقطت جوهرة الصحراء الأفريقية ومدينة المخطوطات تمبكتو، بيد مقاتلي الطوارق من المتشدّدين دينيا الذين حطموا عديد المعالم الأثرية الإسلامية القديمة في تمبكتو، زاعمين أنها من المظاهر الوثنية، عامدين إلى خلع باب مسجد سيدي يحيى المؤدي إلى مقبرة قديمة تضم رفات 333 وليا صالحا، معللين ذلك بتعارض هندسة تلك المقامات مع أحكام الشريعة في تحريمها تجاوز علو الأضرحة أو القبور "15 سم".

ضمن هذا السياق الذي تأذت منه مزارات الصلاح بليبيا بعد إحراق مركز الشيخ عبد السلام الأسمر الفيتوري، عرفت البلاد التونسية ومنذ شهر سبتمبر الماضي دوامة حرق المقامات، حيث تم التعدّي على أكثر من 40 مشهدا منتشرا بكامل البلاد.

وتندرج هذه الهجمة العنيفة ضد الصلاح وأهله ضمن آليات التلاقي والتباعد التي تنظم علاقة التآزر والتنافس بين الأجنحة الإسلامية المحافظة، المتوائمة منها مع ضوابط المدنية أو تلك التي لا تزال خارجة عنها.

فالتيارات السلفية في تونس تنقسم إلى فصيلين هما:

السلفية الجهادية التي فرضت نفسها على المشهد السياسي خلال ثمانينات وتسعينات القرن الماضي، وذلك على خلفية المواجهات المسلحة مع الأنظمة السورية والمصرية والجزائرية مباشرة بعد استكمال تجربتها الأفغانية. ويرتبط هذا التيار الجهادي العنيف "أنصار الشريعة" بتنظيم القاعدة ويدعو إلى مجافاة الأنظمة القائمة لعدم شرعيتها.

السلفية الجهادية كانت وراء تدبير عدة عمليات عنيفة في تونس أبرزها استهداف بيعة اليهود بالغريبة في جزيرة جربة سنة 2003، والهجوم على مدينة سليمان نهاية سنة 2006. والسلفيون الجهاديون التونسيون هم جزء من شبكة متّصلة بتنظيم القاعدة تُدعى "أنصار الشريعة" وتتوسل في فرض نفسها على المجتمع بالقوة، أسلوب السيطرة على قرى أو مدن صغيرة قصد تطبيق الشريعة.

الفصيل الثاني تمثله "السلفية العلمية" الداعية إلى إسلام محافظ يجافي التوسل بالعنف للوصول إلى أهدافه، وتدور أهم أطروحاته حول مفهوم "الدولة الإسلامية في زمن الصحوة" وهو مدلول يؤمن بضرورة "إقامة دولة إسلامية تستأنف تنفيذ نظم الإسلام وتحمل دعوته إلى العالم في دورة جديدة من دورات تقدّم الإسلام وازدهاره".

ما يهمّنا هو رفض السلفيين للديمقراطية واستعدائهم صراحة للغرب، وتشديدهم على تناقض الديمقراطية مع الإسلام، اعتبارا لطابعها الوضعي وفصلها للدين عن الحياة، والحال أن الإسلام يعيدها -في تصورهم- لله ويربط السلطان بالأمة التي تَرْبِطُ عنقها بالبيعة في شخص الخليفة.

jeudi 7 février 2013

كُلَيمات للتأبين












"لمّا يُقدم المنحط على اقتراف دناءاته يتعين أن يصوّب الحكيم نظره نحو القمر"



تختزل هذه الجملة وجهة نظر أحرار التونسيات والتونسيين إزاء عملية الاغتيال "الوَاطِية" التي أزهقت جُبنا روحا مطمئنة إلى تونسيتها، وأسكتت صوتا اقتلع مكانة سامقة لدى الحالمين بالكرامة والمنتشين بحرية تونس الثائرة.
شكري بلعيد شخصية وطنية حقيقية تنتسب إلى العائلة اليسارية التونسية، وهي عائلة قاومت بشراسة مزالق الدولة الوطنية وزلات حكّامها، وتمكّنت بجدارة أن تُتَوْنِسَ فكرا مستجلبا ينهض على الدفاع عن المسحوقين والمنسيين الذين لفضتهم التنمية الانتقائية، تلك التي آثرت تكديس الربح السهل على مواصلة تجسيم حلم التونسيين في الانعتاق من ربقة الفقر والجهل والخصاصة.
فكر تملّكه شق من التونسيين، فتحوّل بالتقادم إلى علامة منظّمة لنضالهم الاجتماعي قبل السياسي، انصاع إليه أعرافهم وأُجرائهم في التعاقد واستبقوا من خلاله سلمهم الاجتماعية.
لم يُطّل علينا شكري بلعيد من سماء غير سمائنا، ولم يرغمنا على إمضاء "عهد نجد" أو"فكر الإخوان" المنغّص على تديّننا، الناكث لعهودنا الروحية، المُنقلب على نموذجنا المجتمعي. ولم يغازل وحشة أعمار قضّيناها ولا نزال في الجهد والكدّ ومحبّة الأوطان.
لم يكفّر شكري بلعيد صادق إيماننا وبساطته، ولم يستهن بصفاء سريرتنا وسذاجة محبتنا لبعضنا البعض. أَحَبّ التونسيين فبادلوه نفس الشعور، واحترم ذكائهم فاستنجبوه شوكة في حلوق من أكرهوهم على ما لا يَرْضَوْنَه لعدوهم قبل أنفسهم.
صحيح أن يد الغدر قد صفّته وأخرست اللسان منه، لكن حلمه بالانعتاق قد انسلخ مُشتركا جمعيا للتونسيين، يكفي للمرء أن يتأمل جيدا ما رمّزت إليه رفيقة دربه "بسمة" هذا الصباح بقلب الشارع الرئيسي لتونس العاصمة، لمّا رفعت إصبعي نصر الحكيم صوب العُلى، حتى تبلغ من لم يصله الخبر بعد أن ثقافة الاغتيال ليس لها، كما ثقافة شيوخ النكاح تماما، أي أمل يُرجى تحت سمائنا.  



     


jeudi 24 janvier 2013

Légende dorée









Ni Hassân Ibn an-Nou'mân commandant des armées arabes, vainqueur des berbères et des byzantins au VII e siècle, ni Abdullah ibn al-Habhâb gouverneur de l’Ifriqiya et constructeur de la mosquée  az-Zaytouna, ne sont pris en ligne de compte dans ce genre de bricolages. Ce qui est à l’honneur au contraire, se sont des simples lieux de vie, des quartiers jadis anodins et qui prennent soudain une grande valeur, leur histoire étant mêlée à une ou à plusieurs trajectoires de vie chargée de mémoire symbolique  de "saints qui font les villes" [1]. Ce genre de littérature écrite pour sacraliser un lieu, pour décrire ou  célébrer un espace ne peut se dissocier de celle hautement symbolique  de son patron ou maître du lieu. 
Tel est le cas de cet opuscule qui a retenu notre attention, Il s’agit d’une œuvre compilée à l’ultime fin du XIX e siècle par un scribouillard méconnu appelé Mohammed bin al-Ghali as-Sahli. L’auteur a rassemblé ses informations en puisant dans plusieurs œuvres écrites par des hagiographes de renom de l’époque médiévale tels que Ibrahim al-Hantati rejeton de l'aristocratie almohade, Abu al-Qasim al- Hawwari (m - 1270) hagiographe attitré d’Abou Said al-Baji ou  encore Abu al-Qasim as-Sabbagh (m -1319) auteur lui aussi d’une œuvre hagiographique majeure consacré à Abu al-Hassan as-Shadûli.
Dédié aux quarante compagnons de Shadûli  inhumés dans les quartiers de la ville de Tunis entre la fin du XIII e et le début du XIV e siècle, ce manuscrit se compose de légendes dorées restituant, dans un métalangage consacré, une vision populaire sacralisant des lieux situés dans la partie intra-muros de la ville ou dans sa banlieue. Le texte s’intitule « Prodiges de la grotte (de Shadûli) et de son sanctuaire ». [2]
A défaut de reproduire toute la version manuscrite de cette compilation, limitons nous à traduire quelques extraits qui nous ont paru représentatifs, le travail d’interprétation paraît incapable à lui seul de permettre un vrai partage de la charge émotionnelle que procure la lecture intégrale du texte dans sa langue originelle.
" ... حدثني الشيخ...حسن السيجومي [ت 1266] قال رأيت الشيخ الغوث القطب أبي محفوظ محرز بن خلف بن عبد الرحمان بن أبي بكر الصديق رضي الله عنه في جامع الصفصافـ[ة] وهو يقول: بالله لا تتركوا زيارة هذا الجامع سلسلة الأولياء، ما من وليّ لله إلاّ وله قدم وزيارة لهذا الجامع، فإنه كندرة الأولياء في كل وقت."
 …le sheikh Hassan Sijoumi (m  -1266) a raconté qu’il a vu dans  son rêve le grand maître, le qûtb, Abi Mahfoudh Mahriz Ibn Khalaf  Ibn Abderrahman Ibn Abi Bakr as-Siddiq, que Dieu soit satisfait de lui, à la mosquée du peuplier (prés du mont du « Sharaf » dans les quartiers sud-ouest de la ville de Tunis), qui disait n’abandonnez jamais la visite de cette mosquée, véritable chaîne de sainteté ; il n’y a pas de saint authentique qui ne l’a pas visité, c’est un haut lieu de rattachement des saints à n’importe quel instant.»
" ... وحدثني الأجل سيدي أبو العباس أحمد الحبيبي رحمه الله قال: سمعت سيدي علي القرجاني ... يوصي أصحابه على هذا الجامع ويقول: أكثروا من الدعاء فيه فانه مقبول. وحدثني الشيخ الأجل سيدي عبد الوهاب رحمه الله أنه قال: جامع الصفصافة كندرة الدعاء ما رأيت قط وليّا إلاّ وهو يدل على زيارته، حتى أنه دفن حوله أربعمائة ولي شهيد." 
… le prestigieux cheikh Sidi Abu al-Abbas Ahmed al-Habibi, que Dieu bénisse son âme, a rapporté qu’il a écouté Sidi Alî al-Gorjani … conseiller ses disciples de se rendre souvent à la dite mosquée et les inciter à se prosterner dans son enceinte pour prier Dieu et lui demander pardon. Toute prière est recomposée dans ce haut lieu de sainteté, n’a-t-on pas écouté le prestigieux cheikh Sidi Abdelwahab, que Dieu bénisse son âme, dire que la mosquée du peuplier et un haut lieu de prière et qu’il n’a jamais vu de saint qui n'incitait pas ces compagnons à s’y rendre pour visiter ce haut lieu qui renferment les  sépultures  de 400 saints morts en martyrs.»
"...وحدثني الشيخ الأجل سيدي سعدون الأسمر [ت – 1258 ]  قال حدثني سيدي علي القرجاني رحمه الله أن الشيخ سيدي محرز يأتي بالجلاز زائرا بعد صلاة العشاء ليلة الجمعة إلى ثلاثة أماكن جامع الصفصافة وخلوة المركاض وخلوته [الـ]متصلة بكعب السور."
…le prestigieux cheikh Sidi Saadoun Lasmar … (m - 1258) a rapporté qu’il a écouté Sidi Alî el-Gorjani que Dieu bénisse son âme, dire que le cheikh Muhriz rendait visite chaque vendredi après la prière de la nuit à trois lieux sacrés situés dans le quartier du Djallaz : La mosquée du peuplier, son isoloir du Mourkadh ainsi que son isoloir rattaché à l’enceinte de la ville.[3]»
"...وحدثني الشيخ الأجل سيدي عبد الله الهاشمي رحمه الله تعالى قال: كنت ذات يوم جالسا في الشرف أترحم الأموات إذ أقبل عليّ رجل من الأولياء فقلت له [من أين أتيت] قال: من جبل مراكش أتيت زائرا جبل الجلاز والشرف والخلوة المحرزية لأن الدعاء فيها مستجاب."  
….Le prestigieux cheikh Sidi Abdallah al-Hachimi que Dieu  bénisse son âme  a rapporté, qu’un jour ou il est allé dans le haut quartier du Sharaf près de l’endroit ou se trouve le cimetière d'al-Gorjani pour se recueillir sur les tombes des morts, un ascète s’était approché de lui pour lui dire qu’il s'est déplacé du mont de Marrakech pour rendre visite au Djalaz, au Sharaf et à l’isoloir du saint Sidi Muhriz parce que toutes les prières dites dans ces trois lieux sont  exaucées. »
"...وحدثني الشيخ الأجل سيدي أبو القاسم الدبّاغ [ ت – 1258 ] رحمه الله قال حكى لي والدي...أن أربعة أماكن بتونس يقصدهم السيد الخضر عليه السلام كل يوم: جامع الزيتونة، ومسجد الصفصافة، وشرف المركاض، وجبل الجلاز."   
…Le prestigieux cheikh Sidi Abu-al-Qasim ad-Dabbagh (m 1258), que Dieu bénisse son âme, m'a rapporté que son père lui a raconté que chaque jour le Khidhir, que la paix soit sur lui, rend visite à quatre lieux situés dans la ville de Tunis : la mosquée az-Zaytouna, la mosquée du peuplier, le cimetière du Mourkadh et celui du mont du Djalaz.»
"... وحدثني سيدي تاج الدين الوفاء قال: وجبل زغوان مبيت السائحين، وجبل إشكل مقبل الزاهدين، وجبل المنارة مسكن العابدين، وجبل البكاء ثمرة المعتقدين، ومسجد الصفصافة كندرة الصالحين، وخلوة سيدي محرز حاكم الزائرين، وشرف المركاض ركن للزائر في كل وقت وحين وبالله التوفيق."
…le cheikh Sidi Taj-eddine al-Wafa m'a raconté que le mont de Zaghouan  est le dortoir des saints errants, le mont Echkel, la destination des ascètes, le mont du phare, lieu de résidence des adorateurs de Dieu, le mont des pleurs, fruit des croyants, la mosquée du peuplier, lieu de rencontre des saints, l’isoloir de sidi Muhriz, est le capteur des  visiteurs et le mont du Sharaf al- Mourkadh, le lieu de pèlerinage à n’importe quel instant de la journée…Puisse Dieu guider nos pas dans le bon chemin.
"... وقال سيدي محمد الخياط وقفت على رأس الجبل [ ويقصد الجلاز طبعا] أنا وسيدي أبي الحسن الشاذلي...فقال لي: يا خياط سرّ تونس حلة مفصّلة وخياطتها المقام وهو مقام الجلاز الفوقي، وطوقها المغارة، وصدرها محرز بن خلف، وعمامتها الجلاز والشرف، وبرمتها السلسلة، [ ويقصد مقبرة السلسلة القديمة بين بابي بنات والمنارة ] وصدغها رادس، وعطفها جامع الصفصافة، وفصّالها سيدي أبو سعيد الباجي، وجلاّسها زغوان، وختامها شكلي، كمالها المغارة ولابسها فقير عارف شاذلي."  
…Sidi Mohammed el-Khayyat m'a rapporté qu’il s’est arrêté en compagnie de Sidi Abu-al-Hassan es-Shadûli au sommet du mont du Djalaz, celui-ci lui a confié :  Hé Khayyat[4] sais-tu que le vrai secret de la ville de Tunis c’est le fait qu'elle est comme un coupon de tissu, sa couture est le sanctuaire du mont du Djallaz, son collier est la grotte (de Sidi Belhassan), son décolleté est le mausolée de Sidi Muhrez, son turban est le  Djallaz et le Sharaf, son ourlet est le cimetière d’al- Silsila  (au croisement des deux quartiers de Bâb Bnât et de Bâb Mnâra). A l’arrière de son cou se situ la ville de Rades, prés de sa tempe se trouve la mosquée du peuplier. Son modéliste est Sidi Abu-Said al-Bâji, s’assoit tout près d’elle le mont de Zaghouan, l’île de Chikli (dans le lac de Tunis) met fin à son territoire, et son accomplissement sera pour l’éternité le sanctuaire de la grotte du Djallaz. Cet accoutrement est porté par un vrai ascète, un fin connaisseur appartenant à la confrérie des shadûli.».

Il est claire a la lecture de ces extraits que l'auteur s’est donné pour objectif de mettre en exergue le statut  exceptionnel de plusieurs hauts lieux de culte situés dans les quartiers intra-muros de la ville, de ses faubourgs et de sa proche banlieue. L’importance patrimoniale de ces lieux ne tourne forcément pas au tour d’un savoir faire architectural où les performances s’inspirant de différents styles artistiques s’érigent en école, mais la contingence historique qui a contribué à les insérer dans le déroulement de l’histoire de la ville, s’est vu en quelque sorte hypertrophiée par une raison mythique donnant libre cours à une religiosité émotive, peuplée de fantasmes et de prodiges correspondant à l’horizon mental du commun des mortels.
Il n’entre pas dans notre propos de faire le procès de cette raison ou de prendre sa défense. Le fait qu'elle évacue des données ou des éléments objectifs de l’histoire n’est pas une preuve de l'invalidité de son discours, la geste tribale juxtapose dans une scénographie parfaite réalité et mensonge, l’historien en fait de même malgré toutes ses précautions  méthodologiques. 
Une telle mémoire patrimoniale propose une lecture basée sur un perpétuel « bricolage » des moments référentiels ou fondateurs. Le récit proposé se met au service d’une identité travestie ou la réalité historique s’accommode, tantôt volontiers tant tôt à son corps défendant, aux mensonges pour permettre au groupe de partager un ensemble d’idéaux sur un espace de vie en partage.
L'important c'est de pouvoir identifier de tels moments dits fondateurs dans l’histoire de la ville et de déterminer comment un tel capital symbolique s’est-il greffé sur une réalité historique pour doter l’espace profane d’une sacralité en perpétuelle changement.
La mémoire spatiale populaire bercée dans l’invraisemblable chevauche constamment celle proposée par l’historien, toutes les deux rassemblent des espaces et des hommes les font revivre, les incitent à témoigner pour que nos agissements ainsi que notre devenir de tunisiens sédentaires aspirons à un idéal citadin produise du sens et se dote d'une mémoire collective.



[1] Elboudrari (Hassan), « Quand Les Saints font les villes : lecture anthropologique de la pratique sociale d’un saint marocain du XVII e siècle », dans Annales Economies Sociétés et Civilisations, mai – juin 1985, p., 489 – 508.
[2] Sahli (Mohammed al-Gali), Manaqib al-maghâra wal maqâm, fond des manuscrits de la Bibliothèque Nationale de Tunis, n°413. 
[3] Situé selon Mohamed Belkhouja, dans ses « Maalim at-Tawhid fi al-Qadîm wal jadid»  repris en cela par Abdelaziz Doulatli, dans le quartier de Bab al-Jadid.
[4] Il ne faut pas perdre de vue que le nom de Khayyat indique la profession de tailleur aussi, cf. P.Sebag,  Les noms des Juifs de Tunisie, origines et significations, L’Harmattan, 2002, p. 93.



vendredi 18 janvier 2013

Coup de coeur!







A 17 ans, Nabyla Maan est auteur-compositeur-interprète. Native de Fès, Nabyla Maan vient de lancer un premier album intitulé «D’nya». Produit par la maison de disques Platinium Music, il contient 11 chansons et un bonus track en duo avec Omar Sayed En chantant «Allah ya moulana», ce sont deux générations de musiciens qui se côtoient.
Rien de surprenant puisque le groupe légendaire de Hay Mohammadi fait partie de ses références musicales. Autres chansons, autres sonorités. C’est le cas d’'Essinya, reprise à la sauce techno. Une approche originale qui révèle en même temps toute la richesse du legs «ghiwanesk». C’'est «Hina kalat», chanson écrite par le père de Nabyla Maan, qui fait jaillir l'’inventivité de la chanteuse.
La poésie et la qualité des arrangements font du texte l’'un des tubes de cette production. Pour l’'auteur-compositeur, Malek qui est aussi directeur artistique de Platinium, Nabyla Naam a le même profil artistique que la chanteuse Saïda Fikri.
L'’approche est évidemment différente, en raison notamment de leur identité musicale spécifique. Rythmes maghrébo-orientaux et mélodies rock bluesy s'’entremêlent en harmonie. Dans l’'ensemble, l’'album offre une palette musicale variée et homogène. Le mélange des genres, voilà à notre sens le point fort de cet opus.
Les amateurs de World Music seront servis. Soulignons à cet égard qu'’on assiste ces dix dernières années à l’émergence d'’une nouvelle vague de musiciens. La touche expérimentale est une caractéristique majeure de leurs compositions. Ils réinventent ainsi le patrimoine musical en y intégrant des sonorités inspirées des quatre coins du monde. A titre d’'exemple, le groupe Dayzine, qui n'’hésite pas à marier, entre autres, malhoune et reggae. Une formation très créative primée notamment lors de l’'édition 2003 du Festival des jeunes musiciens de Casablanca.


حين قالت وهي ترقى في سماوات الفتون
أوتهوى يا شقيا هكذا سحر العيون
وتعاني ما تعاني من ذهول من جنون

قلت لما هد قلبي وجري دمع هطول
ورموش اسلمتني في تحد للمنون 
لا تلومي واعذريني انما الكل يهون

فرهين فتنتي برضا تلك الجفون
حين يبدو الضوء منها هامسا كن فيكون
لن يرى العالم الا بمتاهات العيون
لا تلومي واعذريني 



samedi 5 janvier 2013

"الإصبع الصغيرة" أو Main-tenant le monde










     
        يعتبر الفيلسوف ومؤرخ العلوم والأديب الفرنسي "ميشال سير" بمثابة غرفة للمراقبة ركزت في أعلى موضع من سفينة زماننا الحاضر . فمن أعلى السنوات الاثنتين والثمانين التي قضها على متنها ومن خلال تكوينه الموسوعي وتدبّره اليومي للمسك بالثقافتين الفرنسية والأمريكية بحثا وتدريسا، يصف لنا هذا الفيلسوف والأكاديمي التحولات التي ما فتئ يرصدها على مختلف المسافرين الموجدين على ظهر مركب الإنسانية. فقد دفعه فرط الفضول المشوب باندفاع ونهم كبيرين إلى الانغماس في استكشاف التحولات التي تعصف بزماننا الحاضر، تماما مثل البحارة الذين رافقوا كولومبس في رحلاته، والذين اشرأبت أعناقهم إلى الأفق راجين العثور على أراضي بكر لم يسبق لغيرهم وطئها.  
بسيط هو الاستنتاج الذي خرج به "ميشال سير" حول المرحلة التي نعيشها، فمنذ نصف قرن يمر العالم وفقا لتصوره بثورة لم تعرف لها الإنسانية مثيلا إلا في مناسبتين. ولئن كان مثل هذا الاستنتاج مدعاة إلى الحيرة، فإن فيلسوفنا الذي يحدوه تفاؤل لا يفتر يعتبر أن مستقبل الإنسانية هو من نصيب من وسمهم  بـ"الإصبع الصغيرة Petite Poucette"، وهو الاسم الذي أطلاقه على أنموذج "الإنسان الجديد" تعبيرا على ارتباطه العضوي بمختلف وسائل الاتصال الجوالة (الهواتف الذكية والحواسيب) ومختلف الأدوات التي تؤشر مختلف استعمالاتها على تأهب "العربة الصغيرة" للمسك بمقاليد الكون ودفعه باتجاه مباغتتنا بشكل مستمر.
يبدو الإعلام منشغلا كونيا، وباعتبار الأزمة التي نمر بها بالجوانب الاقتصادية، فما من حملة انتخابية إلا وقد احتدم السجال خلالها بخصوص المسائل المتعلقة بالتشغيل والمديونية والميزانية، والحال أن عالمنا يخترق مرحلة انتقالية فارقة غالبا ما نبتسر معالمها في تلك الأزمة الاقتصادية، متغافلين عن جوانب لها فاعلية أكبر بكثير في جميع ما نعيشه حاضرا من تحولات سريعة.
فنحن نعيش حالة اصطدام ذهني مع الواقع، فقد كانت نسبة المزارعين لا تقل عن 50 % من مجموع سكان فرنسا بعيد نهاية الحرب العالمية الثانية إلا أنها لا تتجاوز حاضرا  الـ 1 %. كما تضاعف  على مرّ فترة حياة  "سير" العدد الجملي للبشرية مرتين، وهو أمر غير مسبوق في التاريخ. فعند ولادته كان عدد سكان العالم مليارين في حين جاوز اليوم سبعة مليارات. في نفس تلك الفترة الوجيزة تضاعف أمل البشرية في الحياة ثلاث مرات عما كان عليه. جميع هذه التحولات هي ما نضرب غالبا صفحا عن التبصر به بشكل متأني.
فعندما يحصل زلزال على السطح، فإن تفسيره يحتاج إلى إحالته على نظرية حركة الكتل الصخرية المنصهرة la théorie des mouvements des plaques " وربطه بالتحركات الباطنية العميقة، هذا ما يحاول "سير" القيام به تماما حال تفسير واقعنا الراهن. إنها ذات التحركات العميقة، نهاية المجتمعات الزراعية، تجاوز  الإحساس بالوجع، المد في حبل الحياة... جميع ذلك وغيره ترتبت عليه نتائج جد مربكة.
فعندما تزوّج جده الأول أقسم حسابيا على الوفاء لزوجته مدة لا تزيد عن الخمس أو العشر سنوات، بينما نُدعى نحن حسابيا إلى اصطحاب زوجاتنا/ أزواجنا مدة لا تقل عن الستين سنة، وهو ما ينهض حجة على أن  الأوضاع قد تبدلت بالكامل.
تبدلت أشياء كثيرة حتى وإن أعوزتنا القدرة على إدراك ما طرأ عليها، وأسهم تحوّلها السريع بلا جدال في قلب العالم رأسا على عقب. ففي أقل من نصف قرن وجدنا أنفسنا اليوم نعيش في عالم جديد. لقد عاينت فترة الستينات من القرن الماضي حصول ثلاث رجات سبقت زلزال السنوات الثمانين. ففي أواسط الستينات (1965 - 1966)، حصلت العديد من الثورات الزراعية في العديد من المدن الفرنسية، تفطّن المزارعون أثنائها بغتة أنهم مقبلون على زمن جديد، وخلال نفس الفترة تقريبا (1962 - 1965) قبلت الكنيسة الكاثوليكية بالانفتاح على الحداثة والتواؤم نهائيا مع الليبرالية السياسية. وعقب ذلك الانفتاح مباشرة حصلت ثورة طلابية عارمة سنة 1968 مثلت ثالث هذه الرجات وآخرها.
وهكذا فقد جد زلزال أول خلال تلك المرحلة، أعد لوقوع زلزال حقيقي مع ظهور التكنولوجيات الجديدة خلال ثمانينات القرن الماضي. ولدت "العربة الصغيرة" في بداية الثمانينات، لذلك شارف سنها على الثلاثين حاضرا. جميع الأشخاص الذين ولدوا مثل "ميشال سير" قبل مجيء الحاسوب يعملون معه ويحيون خارجه، إلا أن ما وسمه بـ"العربة الصغيرة" يعيش داخل الحاسوب، لذاك لا تمثل تلك الآلة بالنسبة إليه مجرد أداة، بل شرطا من شروط توازنه. فتلك "العربة" هي ما يصله بمختلف الشبكات الاجتماعية حيث يربط الهاتف الجوال بينه وبين  الجميع بشكل فوري ومباشر.
يعرض "سير" إلى حكاية ذات دلالة في هدا المضمار، مشيرا إلى زيارة حفيده الذي قدم راكبا على متن دراجة نارية حصل لها عطب في الطريق، فقام الحفيد بتفكيك المحرك ثم طلب من جده أن يعيره هاتفه الجوال لكي  يسترشد الشبكة في تحديد موضع قطعة من المحرّك نسي مكانها من المحرك على وجه الدقة.  وفي أقل من لحظة من الزمن وجد حل لمشكلته...وهكذا يبدو الحفيد مختلفا عن الجد فهو من جيل يعيش داخل الحاسوب وليس بموازاته.
نفس هذا الوضع يصدق على طلبة جامعة ستانفورد الذين كلّفهم "سير" بإصلاح مؤلفه الأخير (Petite poussette)، وكذا على مرضى المستشفى وغيرهم...يجب أن نتعقل النتائج المترتبة على جميع ما ذكر، فعندما كان "ميشال سير" شابا لم يكن يخطر ببال جميع من انتسبوا معه لنفس الجيل مثلا أن يسألوا الجراح بعد إجراء العملية ما الذي فعله داخل بطونهم، أما اليوم فإن أي مريض وإذا ما حصل له مجرد "ريح معكوس" فإنه ينقر على حاسوبه كلمة "ريح معكوس"، وذلك  قبل التوجّه لمقابلة الطبيب ومخاطبته في المسألة. وهو ما يغير قضية الحال تماما، ففي حالة "العربة الصغيرة" يمكن أن نحمل هذا التصرّف على "شكوك حول كفاءة" جميع من نلجأ إلى الاستعانة بهم. 
اليوم وحال دخول المدرّج لإلقاء محاضرة حول "الفول السوداني" مثلا يعلم المحاضر يقينا أن جانبا من الطلبة قد نقروا تلك الكلمة بعدُ على موسوعة "ويكيبيديا Wikipidea "، لذلك يتعين أن يُعِدّ درسه في تفاعل مع تلك الحقيقة. لقد دخلت "العربة الصغيرة" بعد سوق الشغل، ونحن نعثر اليوم على مربّين وأساتذة من هذا الصنف، وهم بصدد بناء عالم جديد.
لقد اخترقت "العربة الصغيرة" عالم التبادل المالي في البورصات حيث يهمن الرقم وتتم المبادلات العالمية بشكل فوري...وهذا النوع من المضاربات هو المتسبب وفي جانب ما في الأزمة المالية التي نعيش سلبياتها حاضرا.
لقد سبق وأن عاينّا جانبا من نتائج تلك الثورة الإعلامية وتأثيرها الكارثي على مجال الإبداع الموسيقى، فقد أزرت القرصنة الرقمية بسوق الاسطوانات...مما يبيّن أنه ليس من الهين إدعاء السيطرة على مدخلات العلاقة بين الرقمي والمالي ومخرجاتها. فما السبيل لفرض القانون ضمن مجال اللا قانون الرقمي؟ وكيف يمكن أن ندرج صيغ آمنة للتبادل ضمن هكذا مجال؟ لسنا على بيّنة بخصوص الكيفية التي ستتطور بها تلك العلاقة التبادلية، إلا أن الأمر سيجد طريقه إلى التسوية في غضون العشرية القادمة وفقا لما يؤكده "ميشال سير".
لنحاول أن نتعقل عمق التحولات الحاصلة: الصحافة الورقية تعيش على وقع الأزمة، لكن واقع الإعلام يختلف عن ذلك، فقد تمكنت "العربة الصغيرة" من توسيع مجال اطلاعنا فأصبحنا أفضل معرفة بما يحيط بنا مقارنة بما كان يحصل عليه قارئ الصحف الورقية حتى في أوج أيام ازدهارها. ما السبيل للنهوض بعملية تبليغ المعارف بعد أن أضحى ارتياد المكتبات أمر غير وجوبي وتمكنت "العربات الصغيرة" من الحصول على جميع ما تحتاجه دون الاضطرار إلى مغادرة بيوتها؟
لقد عثرت تلك "العربة" على المعنى الحقيقي لكلمة "الآن maintenant" لذلك أضحى بوسعها أن تقول "اليد main" "ماسكة tenant "، فهي تمسك العالم بيدها.
لم يشغل زمننا وحده هذا الشعور بالقلق من سرعة نسق التغيير، فقد تعرض مؤلف "العربة الصغيرة" إلى مرحلتين سابقتين تزامنتا مع ثورتين حقيقيتين عاشتهما الإنسانية: حصلت الثورة الأولى حال المرور من وضعية المشافهة إلى حالة التدوين، أما ثاني تلك الثورات فقد اتصلت بالمرور من التدوين إلى الطباعة. والآن ومع بدايات الثورة الثالثة فنحن بصدد الانقلاب من وضعية الطباعة إلى مرحلة الرقمنة.
تتصل بكل واحدة من هده الثورات حالات متشابهة من القلق أو التهيّب وعدم الارتياح. فخلال الثورة الأولى انتقد سقراط المعطيات المدونة معتبرا أن للشفوي حيوية لا تضاهى. كما وُجد وأثناء مرحلة المرور إلى الطباعة أشخاص اعتبروا أن ذلك الكم المخيف من الكتب المطبوعة لن يترتب عليه سوى مزيد من التوحّش والبربرية. لذلك ينبغي أن لا نعجب من حضور كثير من الارتياب حيال ما نعيشه حاضرا من تحولات عميقة تتصل بالمرور من الطباعة إلى الرقمنة أو بالثورة الثالثة. لقد قام واحد من أصحاب "سير" بتأليف كتاب حول "الألياف العصبية المتصلة بالقراءة"، وتمكن من تحديد موضع الإثارة عند الانكباب على القراءة. وها نحن نتفطن اليوم إلى أن موضع الإثارة العصبية لا يشغل نفس الموضع بالضرورة عندما نكون بصدد الاشتغال على الحاسوب، لذلك فإن ما هو بصدد التحوّل اليوم ليتصل بالعالم فحسب بل وأدمغتنا أيضا.
لقد عثرت "العربة الصغيرة" على المدلول الواقعي لكلمة "الآن maintenant". ما الذي يعنيه هذا اللفظ إن لم يكن "الإمساك باليد"؟ فالعربة الصغيرة تمسك بيدها عبر الهاتف الجوال جميع الناس في هذا العالم، جميع مربيه أو مدرسيه، ومختلف مواضعه التي يسعفنا النظام الكوني للمواقع GPS حاضرا في تحديدها.
لفقد أضحى بوسعنا أن نقول ما لم يكن بوسع غيرنا التجرؤ على إدعائه: "الآن أمسكنا بيدنا العالم". لم يكن ذلك بوسع إمبراطور الرومان أغسطس ولا كبار العلماء والعباقرة أيضا، لكن الـ 3.7 مليار من البشرية الذين يحتكمون على هاتف جوال قابل للربط بالنيت بوسعهم اليوم إدعاء مسألة تتوفر على مثل هذا القدر من الخطورة ! ألا ينطوي وضع كهذا على تصوّر كوني غير مسبوق للديمقراطية؟ إنه لأمر مدهش وجد مثير تبدو جميع أشكال انتظامنا إزائه متخلّفة !
يتعين علينا أن نعيد بناء كل شيء، أن نبني كونية جديدة ومجالس نيابية مختلفة وأشكال تمثيل سياسي جديدة وقوانين مستحدثة تواؤم مقتضياتها الواقع الجديد، ولا تواجه بذلك الفشل الذريع الذي منيت به مؤسسة "السلطة العليا لبث الأعمال الفنية وحماية الحقوق على الأنترنت" (  Hadopi)، فأمر كهذا لا يحتمل أي نوع من أنوع التسويف أو الإرجاء.
يعرض "سير" إلى حكاية معبرة بهدا الصدد، ففي يوم من الأيام وبينما كان بصدد إلقاء محاضرة بمدرج بجامعة ألمانية ضم قرابة ألف مدعو خطر على باله أن يلقي على حميعهم السؤال التالي: لنتصور هل بوسعنا توحيد فرنسا وألمانيا؟ تمحور نقاش المتدخلين حول معضلة الرئاسة، بينما ترائ للمحاضر أن المسألة تتعلق بما يجمع حاضرا  بين الأجيال الجديدة للـ"بروتون" و"الريهنان" و"البيكارديين" و"البروسيين"، ويقصد هويتهم الرقمية على الشبكات الاجتماعية. فهل سيوافق هؤلاء على فكرة توحيد البلدين أم لا ؟ ينبغي أن يلقى السؤل عليهم، ثم يعاد النظر مجددا في الموضوع، وهو ما يقوم حجة على فشل كل توجه يرمي إلى العودة بنا إلى مربع مركزة القرار. فحال اختراع الديمقراطية في أثينا لم تكن المركزة شاغلا محوريا، حيث تم الاتفاق على منح الجميع (دون العبيد والنساء) الحق في الانتخاب. وهكذا فإنه بفضل الثورة الرقمية أضحى بموسعنا الاشتراك في اتخاذ القرار بشكل آني أو فوري، والالتزام بوضعه موضع تنفيذ أيضا.
بلغت "العربة الصغيرة" سنتها الثلاثين وستكون في السلطة بعد عشر سنوات، لتغيّر بالضرورة الواقع الذي نحياه حاضرا. فلنتبصر بما أحدثه الربيع العربي وبالدور الذي عاد للتكنولوجيات الحديثة في حصول ذلك، وكذلك بالدور الذي عاد للمرأة المتعلّمة في هذه البلدان. كل هذه الآليات هي بصدد الاشتغال بعد. يكفي أن نستعيد لبرهة أحداث الماضي الإنساني: فمع ظهور الكتابة في اليونان ظهرت الهندسة والديمقراطية والديانات  التوحيدية والكتب السماوية، ومع ظهور الطباعة برزت التيارات الفكرية الإنسانية ونشطت البنوك وتشكّل الفكر البروتستانتي ونظرية غاليلي والفيزياء الرياضية...ويكفي أن نتفحّص مختلف التحولات الحاصلة إبان المرور من مرحلة الكتابة إلى مرحلة الطباعة حتى ندرك أن ما تحدثه "العربة الصغيرة" من تحولات ليس مجرد اختلاف  في مواقف الأجيال أو حادثة حصلت لبطلة رواية ظهرت إبان العودة الأدبية، إنها ببساطة مسألة تاريخية. فجانب من الأزمة المالية والاقتصادية التي نحياها نابع بالأساس من صعوبة التعايش بين نوعين من الذوات البشرية: "الأصبع الصغيرة" وبقية المنتسبين إلى العالم القديم ممن طوي زمانهم لكي يتركوا المكان لـلــ"يد الماسكة" بالعالم main – tenant le monde.
              
Serres (Michel), Petite Poucette, Éditions Le Pommier, Paris 84 pages.