mercredi 11 septembre 2013

قواعد العشق الأربعون












شارفت "ألاّ" على سن الأربعين عندما صادفتها حادثة طارئة، بدت عادية في الظاهر حتى وإن تمكّنت من قلب بحيرة حياتها الساكنة التي لم تكن تحمل أية تجاعيد. فقد شكلت حياتها واجهة حقيقة نستطيع أن نتابع من خلالها مسيرة زوجة وربّة بيت وأم مثالية. فهي التي أحاطتها العناية بالسّعة واليسّر والعائلة المتضامنة والحياة الزوجية المستقرة والمكانة الاجتماعية السامقة. لم يكن يتنقّص هذه اللوحة الجميلة أي شيء، سوى عدم الإحساس بالحب العميق ذلك الذي يعطي لجميع ما نمتلكه معنى حقيقيا وقيمة مفارقة.
لم تكن "ألاّ" تعيش تلك الحياة الوديعة الساكنة على الحقيقة، بل كانت تتابعها مثل غيرها من الخارج. قبولها العمل كقارئة لحساب وكالة أدبية بمدينة بوسطن الأمريكية هو ما سيتيح لها كسر المرآة التي وضعتها على مسافة من إيقاع الحياة. فقد تمثّل أول عقودها في تقديم تقرير نقديّ مفصّل حول مخطوطة أودعها روائي مغمور اتصل موضوعها بجانب من سيرة الشاعر الفارسي الكبير جلال الدين الرومي وبعلاقة الصحبة والعشق غير المسبوق الذين ربطاه بالولي المجذوب شمس تبريز. اصطدام "ألاّ" بنص تلك الرواية هو الذي أهّلها لاستكشاف المعنى الحقيقي للحب لتعيش تجربة العشق والانسلاخ الحارقة بشكل ملموس، حيث يُفضي المخاض إلى ولادتها الجديدة بعد مرورها بصعوبات الوضع وآلامه.
ليس لغير العشق أن يدّعي قدرة على قلب وجودنا بالرمّة، فارضا على الشرنقة المندسّة عميقا في داخلنا أن تتحوّل إلى فراشة تحلّق بجناحيها في واسع الفضاء. تلك هي الحكمة التي حاولت أليف شافاق مؤلِفة رواية "قواعد العشق الأربعين" أو "حبيبي الصوفي" أن تتقاسمها معنا من خلال عمق التجربة التي عاشتها بطلة روايتها "ألاّ" تلك التي اندفعت وفي أربعين الحكمة والتعقّل من عمرها إلى إعادة مركزة مسار حياتها وتوجيه إبرة الجاذبية في بوصلة قلبها ناحية العشق.  
قد يحتجّ على واضع هذا العرض بالقول: وأي جديد أحدثته فكرة هذه الرواية تحت شمس الفعل الإبداعي الأدبي؟ اتّصلت خصوصية هذا النص الروائي فيما نقدّر في الأسلوب المفارق لصياغته، حيث تقدَّم لنا الحكاية الواقعية في شكل رواية في حين يُعرض علينا المرويّ منها متلبّسا بالواقع، بحيث يتراءى لنا وفي آن، وكأن العشق بوسعه أن يلغي الحدود بين الحلم والواقع عبر إكساب كلاهما تقاطيع وجه الآخر، وأن رسالته الأساسية تتمثل في إعادة تعريف العشق بعد أن طاله لطف خفي من سكينة التأمل الصوفي. 
نحن نعلم منذ أفلاطون أن الكُتب لا توجه لشخص بعينه، لكنه قد يحصل مع ذلك أن تختارنا كُتب بعينها وتكون رسائلها موجهة إلى أعماق قلوبنا تماما مثل سهام إله العشق عند الإغريق كوبيدون Cupidon .
ذاك ما عاشته "ألاّ" بطلة رواية "قواعد العشق الأربعين"، فبمجرد أن استكملت قراءة تلك الحكاية المقتبسة عن الواقع التاريخي والمندسّة في نص روايتها الشخصية حاملة عنوان "الكفر اللطيف Doux blasphème"، شعرت بأنها هي المعنيّة رأسا بما تضمّنه خطابها.
أثبت أليف شافاق بالتعويل على تخريجها الروائي الطريف أن لا قوة فيما عدى العشق بوسعها أن تخترق سراديب الحكاية والمكان والزمان والخروج في النهاية إلى الضوء بسلام، حيث تكون أرواحنا الصابرة في الانتظار من دون أن يمُسّها الضرّ، مستلهمة وجودا وعلى شاكلة ما عاشته بطلة روايتنا معلّقا ينتظر أن يجرفه تيار العشق بوصفه ماء الحياة على الحقيقة.
على أنه وإذا ما تجاوزنا طرافة المروية الشيّقة في تعريف التصوّف  واستعراض حكمه الأربعين الواردة ضمن رواية "الكفر اللطيف"، فإن الحكاية المندسّة بتقدير ودهاء في رواية موازية لها لا تطوّح بلا دليل أو نهاية في ثنايا القصّ، بقدر ما تتوسل شكلها الأسلوبي عارضة علينا تفاصيل تجربة العشق التي عاشها دفين قونية جلال الذين الرومي حال صحبته في الله، شمس تبريز. وهي حكاية تبرهن على قدرة العشق الخارقة على تحريرنا من قيود الأزمنة والضوابط، مُكتفيا بنفسه عن جميع السياقات والأسباب.
لكن ما الداعي إلى إدغام رواية ضمن حكاية موازية؟ يسير كل شيء وكأن تعريف العشق وتأمّله محتاج إلى حجاب مزدوج قدّت تفاصيل الحكاية منه. فكأنما ليس بمقدور الحكاية الحقيقية أن تنجلي لعيون قرائها إلا بعد أن يكونوا قد اخترقوا عوالم التهويم الروائي.
ولأن العشق أعظم قوة في هذا الكون على الحقيقة، فإن توفّقنا في استكشافه يمر بالضرورة وعلى غرار التطلّع إلى نور الشمس الساطعة من خلال انعكاس وجهها المشعّ على سطح الماء، فإن تأمّل العشق وانفتاح الروح له لا يمكن أن يحصل إلا حال رصد ظله على لجين سطح الرواية. فالحب قبس من نار وماء دافق للحياة يشغل المعشوق روحه المضطرمة في النار.
ليس بوسع من يكتفي بتأمّل العشق أن يدرك مدلوله الخفي، وحده العاشق يخترق الحُجب لكي يحقق معجزة دفع الكون إلى الدوران بشكل مفارق بمجرد أن تسقط النار في عشق الماء.
على هذا النحو تمكنت "أليف شافاق" من اقتراح نصّ روائيّ مبدع، تلخّص فحواه في أن كل عشق خالد يحتاج إلى حضور وسيط فاني، وأن افتتاننا بالمعشوق أو "كفرنا اللطيف" دليل على سرمدية اللطف الإلهي وحقيقة وجودنا الفاني في آن.  

                                    

Aucun commentaire:

Enregistrer un commentaire