jeudi 15 juin 2017

"الحب موت صغير "


















 "الكون كله شبهة فأنت لا تعرف منه إلا أنت...
 فمقدار كل امرئ حديث قلبه"
       



        ترانيم في مقام نشيج نجدي هو كتاب موت صغير لمحمد حسن علوان. اقتنيته بالصدفة، كان يكفي أن اتفطن إلى وجوده بين المؤلفات المصفوفة بعناية على واجهة محل بيع للكتب حتى يحرك فضولي حصول مؤلفه على جائزة البوكر العربي لهذه السنة، وهي التي انشغلت عن متابعتها والتعرّف على مضامين عناوين القائمة القصيرة لمتوجيها.
ما إن قلبت صفحة الظهر من الغلاف حتى أدركت أن سيرة متخيلة لشيخ متصوّفة المغرب والأندلس محيي الدين بن عربي قدّت في ستمائة صفحة ومائة فصل، هي ما يغري بالقراءة ويشحذ الفكر على المتابعة. الخط الروائي ضمن مقترح محمد حسن علوان يلاحق تنقلات ابن عربي بين حواضر الإسلام من الأندلس إلى القاهرة ومكة والشام وبغداد، كل ذلك في إطار سياحة تأمل طويلة يبحث من خلالها المريد عن أوتاده الأربعة، متدبرا بعمق كرامة معلمته الأولى في الطريق فاطمة القرطبية، تلك التي أعلمته أن تثبيت ذاته لن يستقيم إلا من بوابة تطهير قلبه بعد التأدب على يد أوتاده الأربعة.
وفّرت حجة الضرب في الأرض سببا دراميا كافيا لرحلة طويلة صحبة الإمام الأكبر بين البلدان في نوسان شديد دسّ مؤلف الرواية في ثناياه توصيفا للواقعَ السياسي لإمبراطورية المسلمين العالم، منشغلا بقضايا الحكم وصراع الممالك حال روايته بمنطق العارفين وتدبير من عايش حكم المرابطين فالموحدين فالأيوبيين فالعباسيين فالسلاجقة وكان شاهد عيان على نزاعاتهم وحروبهم ضد البرتغاليين والإفرنج وثورات الممانعين ضد سلطتهم على غرار مشاحنات الموحدين ضد بني غانية ولاة المرابطين على الأندلس.
أحداث علّم وقعها المأسوي مسار حياة محيي الدين وخلّفت خطا دراميا قويا استغله المؤلف لنسج حكاية ملهمة أخاذة. وحتى وإن تعزز الخط الدرامي بوقائع موازية تعقبت ضمن 12 فصلا كتب جميعها بخط داكن حركة مخطوط سيرة ابن عربي، متعرضا إلى انتقاله من يد إلى يد ومن زمن إلى زمن، كي يعاين زوال الأيوبيين، وتدمير هولاكو لحلب، وصراعات مماليك مصر والشام من البحريين إلى البرجيين، وانتصارات العثمانيين عليهم، واحتلال الفرنسيين لبلاد الشام، وإفلات سيرة ابن عربي من التلف حال تدمير حماة في بدايات ثمانيات القرن الماضي ومضاعفات الحرب بعد الاجهاز على "ربيع السوريين الجنيني" في بداية العشرية الثانية من القرن الذي نعيش واحتفظان خزائن المخطوطات بباريس لتلك السيرة بعد أن أقنعت باحثة فرنسية آخر مالكيها بالتفريط فيها نظير زهيد المكافئة، فإن تلك العروض المستلهمة من تقليعة تلبست بالعديد من الأعمال الروائية والسينمائية المشهورة لم يتجاوز حضورها التشويش على عرض أدبي وسيري لم تكن به أية حاجة إلى مثل تلك الاستطرادات المملّة.      
اقترنت في موت محمد حسن علوان الصغير السيرة بالتاريخ في عرض شيق يمسك بقارئه ويشده للحكاية شدا. فقد تميزت أعمال مؤلفها الأدبية بجودة الصياغة منذ بواكير أعماله في "سقف الكفاية" الصادرة عن دار الساقي سنة 2002، تلك التي اعتبرها النقاد "ديوان شعر نثري" ورواية "القندس" المنشورة سنة 2011، تلك التي اقتلعت موقعا متقدما ضمن القائمة القصيرة للبوكر العربي خلال سنة 2013. سار الشاعر والأديب السعودي في نفس النهج بإصرار قلّ ما نعثر عليه لدى غيره من الكتاب. فهو لا ينقل حكاية يتخيّر أحداثها بدهاء محترفي الأدب الروائي فحسب، بل يبث نشيجا صامتا متدبّر المعاني لعذابات أرواح صدرت عن إيمان مربك عميق. لكأنه يكتب حتى يدفع القارئ إلى شاركته صلاته من أجل خلاص إنساني وشيك.
يتوافق أسلوب علوان الشفاف في الكتابة وفي جوانب عديدة منه مع ما حملته أعمال الكاتب الفرنسي "كريستيان بوبان Christian Bobin"، تلك التي صدرت تباعا منذ بداية تسعينات القرن الماضي، حيث اختار لصياغة تأملاته العميقة حول مدلول الحب شخصية قديس بلدة "أسيز" الإيطالية "سان فرانسوى Saint François d'Assise" (ت 1223م)، تلك الشخصية التي تعالقت سيرتها بشكل مربك مع ما آثر محمد حسن علوان أن يرويه لنا في موته الصغير. فلئن سيطر التفكير بشؤون السماء على معظم أخبار قديس أسيز فإن مدبر تلك السيرة قد وظف ذلك الشاغل للتعبير عن قدرة لا تضارع في سرد مختلف الشواغل التي أثثت مسارات كائنات تقاسمت قدر العيش على نفس الرقعة وخلال نفس الفترة الزمنية.
فكتاب "الوطيء Le très-Bas" نصّ فارق صدر ضمن سلسلة "الأنا والآخر" الغليمارية منذ سنة 1992 ولم يكن في تصوّر أحد عندها أنه سيلقى حال نشره ذلك الإقبال الملفت، ليتحول بالتقادم إلى "كتاب شباك Best-seller. فقد شكل الحدث انقلابا جذريا في موقع مؤلّف منكفئ على نفسه، غير أن حياة الشهرة لم تجعل "بوبان" يتخطى معتكفه العائلي، متمسّكا بتصوّر خاص لفعل الكتابة لا يقصر كنهه في المدلول الضيق للنشاط الأدبي، بل ينفتح على زاوية نظر أرحب تحيل على اللذة التي نجنيها ككائنات مفكرة حال عبور جسر الحياة.
ولأننا لن نستطيع تعليب جرعات تلك اللذة في بضاعة نبتاعها على غرار ما نقتنيه لإشباع بطوننا، فإن مؤلفي سيرة قديس أسيز وسيرة دفين دمشق وسليل مرسية الأندلسية، قد شكّلا سياق روايتهما بشكل يشبه في فجاءته حالات العشق العارم التي تخترق حياة الشخص، فتتغلغل في تجاويفها آسرة بالرمة جسده آخذة بجميع كيانه.
عشق لحظة الحضور مع الآخرين هو المدلول العميق لتلك السير المعبأة وتعقّلهما لمسار الترجمة في فرادتها وغيرتها المختلفة عنّا، العاكسة لذواتنا في آن. ما حصل هو أن واضعا ذانك الأثرين قد دخلا في علاقة أصبحت فيها كل كلمة يكتبانها أو يتفوهان بها تُلتقط بمنتهى السهولة وكذا الأمر بالنسبة لحالات صمتهما في مصادفتها لنفس الآذان الصاغية. لم يكن ذلك التلقي من قبيل حالات الإحساس بالانصهار التي يشعر بها المحب في بداياته، فقد كان هناك ترنيم صادق معافى من كل نشاز. لا نعقل ونحن ننشج مع مؤلفيه أننا بصدد نشر أجنحتنا الشفافة لتحلّق صحبتهما مثل اليعاسيب في استقبالها للضوء أو فنائها في لهيب النار. فالحبّ معجزة تجعل صمتك كلاما مسموعا وتهبك قدرة على الانصات برهافة حسّ إلى ما ليس للآخرين حاجة للتلفظ به. إنه الحياة بأعلى درجات الصفاء رهيفة كالهواء، حتى وإن "تعين أن تقتلع منّا القلوب حتى نسميها بذلك الاسم".
جاء علوان للأدب من عالم المحاسبة وتصريف الأعمال، تماما مثل صنوه الفرنسي الذي انتقل من مجال الفلسفة ليكتب آثاره الملهمة وينتقي ألفاظا وتركيب وومضات مكثفة تعكس وقائع بعينها أو حيز زمني يمكن نسبه بسهولة إلى مجال الرواية أو وربطه بالمذكرات الحميمة التي ضارعت في أسلوبها أجمل القصائد النثرية، فنحن إزاء إبداع لا يصغي إلا للمفردات البسيطة التي تحيل على مألوف الأشياء مع إيمان عميق بالحب الذي يلقي بضلاله بأحرف بارزة على الأشياء في تناسب تام مع الجلال الذي يحيط به. وحتى وإن أفرطت الكتابة في الاحتفاء بالتفاصيل معوّلة على أدوات الصناعة الروائية، فإنها قد نجحت في تجنّب القوالب النظرية الجاهزة، مثبتة هوس مجترحيها ببسيط الأشياء وتعففهما عن ادعاء امتلاك أي قدرة في الإصغاء بذلك التركيز لما يدور حولهما، تماما مثل صبي تخيّر زاوية في باحة مدرسة لمتابعة ما يقوم به الأخرين، دون رغبة في مشاركتهم ما يأتونه من خالص المتعة.
يتحدث متين الدين الاصفهاني والد حبيبة ابن عربي نظام في موت علون الصغير عن فلسفة الرضا فيربطها بحديقة منزله التي ما إن يتفيأ ظلالها حتى تأوي إليه كل زهرة ويدنو منه كل غصن مصرّحا  بـ"رائحة الريح وطعم اللقاح وأسرار الليل وحفيف الأوراق ورقص السناجب". فيشعر برضا الله يحيط بقلبه دثارا دافئا في ليلية برد أو وميضٌ من ضوء... أو ملاك يتسلل إلى الروح ويحضنك مثل صديق قديم". (346 - 347)
يشير الشيخ الأكبر وهو يحتضن حبيبته ووتده الثالث نظام أنه يـشرب من "لماها شعرا وبيانا ولغات لم ينطق بها من قبل وأنها تركت على لسانها كتابا من العشق لم يكتبه بعد" (352)، مضيفا وفي موضع آخر من سيرته أنه "كان لا بد له من مكة ولا بد لمكة منه. فكل شيء يمر به الإنسان في حياته لابد منه... كل أمر يمر به من فرح أو حزن، من سلم أو حرب، من حب أو كره، هو نفس من أنفاسه لو لم يمرّ به لاختنق وعاد إلى العدم" (366) "... يريد الله أن يبتلي السالك حتى يرى طريقه والعارف حتى يذوق إيمانه. .. يقلّبنا... بين أصابعه في المكان والزمان حتى نعرف قدر أنفسنا فلا نعدوا عنها." (410). ألم يجلو البسطامي نفس تلك المعاني الذوقية لما صرّح مكاشفة: "ما زلت أسوق نفسي إلى الله وهي تبكي...حتى سقتها إليه وهي تضحك." (456). فـ"الطريق إلى الحقيقة تتعدد بتعدد السالكين" (561) و"... الكون كله شبهة فأنت لا تعرف منه إلا أنت.. حتى العلم نفسه، ذاك الذي يطرد الجهل غير معنيّ بجلب السعادة." (562)
يبدع علوان في إسباغ شحنة وجدانية وانفعال عاطفي عميق على الموجودات. وينخرط مثل مؤلف سيرة قديس أسيز تماما في حديث مكتهل سرمدي النضارة، شهي كقرص خبز خرج لتوه من التنور.         
"جميلة هي، لا بل أكثر، هي الحياة ذاتها في رقة الفجر الساطع ... جلائها بديهي، بداهة حسنها والضوء المنبعث من بين كتفيها في حنوها على المهد مُصغية لأنفاس رضيع لم يزل كتلة لحم وردية مُتخلّقة، إنسان صغير أقل حولا من صغار القطط ومستنبت الشجيرات. جميلة هي من أجل هذا الحب الذي تنـزعه لتدثّر عراء وليدها. جميلة هي بقدر تجمّلها في تلبية نداء صغيرها
جميع الأمّهات يمتلكن هذا الجمال، كلهن يقوين على السمو لبلوغ حقيقة محفوفة بألطاف خفيّة. جميعهن يمتلك ذلك اللطف المنساب المستفز لغيرة الخالق، لطف مجلّل بدثار الحب، واحدا أحدا مضلل بشجرة الأبد... يذهب الآباء إلى الحروب، أو يُفْضُون إلى أشغالهم يُـمضون العقود، يتصنعون في جلد تحمل مسؤولية الاجتماع البشري وأرزائه، ذلك هو قدرهم وتلك أعمالهم الجليلة المُذهبة لأعمارهم ... وتحمل الأمّهات وزر العناية الإلهية، لأنه عشقهن ... ومَضْيعتهن وصولجان ملكهن... أن نكون أمهات ... فذلك هو الشيء الغامض الذي لا يشبه في الخلق شيئا... الأمهات مُحاطات في المشيئة بألطاف السكينة مكلّلات بالرّضا. ليس هناك من لطف أعم من لطفهن ... يمتلك الرجال العالم ويبقى للنساء امتلاك الخلود المحتضن للعالم والرجال... أمومة تحتضن الكائنات ومطلق الكون... أمومة تتخطّى فرط التعب وتبتلع الموت مُشرعة أبواب البهجة... يسافر الرجال... بعيدا، يغتربون عن بلدانهم عن طفولتهم ليصادفوا أنصاف أجسادهم المكمّلة لأرواحهم. لو لم يتزوجوا غير جارتهم، فإن ما يبحثون عنه يقبع في أحلك زوايا أعماقهم. المرأة هي أبعد ما يوجد في العالم بالنسبة للرجل، وهي القادرة بجميل لطفها أن تنـزّل في غفوة من تُحب ملائكة تخترع له ولها عشقا لم يتلألأ نوره على العالم بعد، فيذرف دمعا جميلا يستعيض بهشاشة الوجد المُعنّى عن كبريائه منافسا غيره في مطلق الجمال لا في قوة البطش... باللقب العائلي يلتحق الطفل بعالم الأموات خلفا عن سلف، وباسمه يتصل بعالم الأحياء ومجال المُمكن، فينشدّ مطلق الحب مُبشرا وقديسا، أو يحتضن هشاشة الحياة شاعرا ومغنيا، وقد يصيب ثنتيهما بلطف خفيّ، مبشّرا من فرط الوجد مٌغنّيا، أو حواريا أصابه العشق في مقتل."         
رواية محمد حسن لسيرة محي الدين بن عربي عمل متخيل وفق حياكة ماهرة، ركز مؤلفه على الأحداث التي شكّلت سيرة ابن عربي وفكره، متعمدا نزع الهالة الكرامية والسحرية عنها، مهتما بالصبيّ، والفتى العاشق، واقفا عند تقاطيع شخصية الإنسان وتحولاتها فيه، حتى تنساب التفاصيل طيّعة عن حياته مولدا ونشأة، يوميات وقلقا، خوفا وانحرافا، حبا وغراما.
زواجه الأول وابنته زينب التي ترك موتها في قلبه جرحا عميقا، عشقه لنظام ابنة متين الدين الاصفهاني التي حالت بينه وبينها حبكة الاوتاد في الرواية، فأثمرت ديوان "ترجمان الاشواق". بحثه وعلمه واشراقاته، وخلافاته، وعلاقته بملوك وحكام ومتصوّفة وفلاسفة عصره ومقت رجال الدين لتأملاته البكر، ثم شيخوخته وانتهاء حبل حياته.
"طهر قلبك"، هو منطلق الرحلة الجوانية في أعماق محيي الدين، وبحثه الذي لا يفت طيلة مشوار حياته عن اوتاده تثبيتا لقلبه المُعنّى. لو جمعنا تلك الاوتاد لكوّنا حياة ليست على نهج الفضيلة بالضرورة غير أنها راسخة وطهارة ومتوّجة بالحب المتضمن لعميق معنى الخلاص.
لو كان لرواية محمد حسن علوان الأخيرة الموجّهة للسعوديين من قراءه قبل غيرهم، أولئك الذين لم يظهر المؤتمنون منهم على الثقافة الرسمية احتفاء خاصا بأعماله، وتوجسوا من نضارة تعابيرها المنقلبة على ردأة زمانهم المعمّمة من فضل، لكانت خطّاف ربيعهم المُعرّي لحقيقة تحنط تمثلاتهم، الملطّف لقيض حماقاتهم بعد أن أوشكت على طيّ حضارة المسلمين وردها إلى ازمنة خوالي./.  




    

vendredi 31 mars 2017

صناعة الخبر الرواية واستعاراتها












        ليس من السهل توضيح طبيعة العلاقات المعقّدة التي تربط ولا تزال ما يوسم بالرواية الوطنية الرسمية وتشكل حاضنة لمختلف توجهاتها، وبين التحفظات التي طالت تلك الحكاية الجماعية. فتطوّر الفكر التونسي لم ينتج عن نضج سياسي جماعي بقدر ما عبّر عن تصوّرات نُخبه، لذلك أخفى مشروع الاستقلال فجوة عميقة بين الدولة التي قامت ببنائها تلك النُخب السياسية المتشيّعة لقيم الحداثة الغربية، والمجتمع الذي افتقر أفراده إلى نفس تلك الدرجة من النضج. لذلك كانت الدولة ولا تزال موضع صراع رغم تعدّد إخفاقاتها، بحيث يتيه المتأمل في مثل هذه المسألة في مفارقات غريبة نظرا للعلاقة المقلوبة التي حكمت نتاجنا المتصل بالفكر السياسي، فضلا عن هاجس التلفيق الذي طبع التوجهات الثقافية للدولة الوطنية بوصفها مشروعا حاول المزج بين التقليد والتحديث معوّلا في جميع ذلك على الحيل السياسية. 
اصطبغ تركيب القراءة التاريخية الرسمية بالتشديد على التوجهات الإصلاحية، وهو ما يستوجب توضيح ما سبق وأن سمته بعض الأبحاث بـ"استعمالات مفهوم الإصلاح تونسيا"[i]، سواء حال حصول البلاد على استقلالها أو خلال فترة ما بعد إبعاد باني الدولة الوطنية الحبيب بورقيبة بما في ذلك الواقع الجدّ متقلّب للسنوات التي علّمت مسار مرحلة "الانتقال الديمقراطي"، وذلك من خلال التوقّف عند كيفية انزلاق مدلول الإصلاح من الدفع باتجاه تصويب التاريخ الوطني والتصالح مع الحداثة، إلى مجرد توظيف سياسي غرضه البقاء في السلطة.
اختراع الرواية الإصلاحية:   
لئن شكلت تونس همزة الوصل بين الشرق والغرب واتّسم مسارها التاريخي بالانفتاح، فإن الدعوة إلى الاجتهاد قد تم توجيهها نحو ملائمة الاحكام الشرعية مع مقتضيات الحداثة، حتى وإن انشغل خطاب الدولة الوطنية على الحقيقة بتوجهات عقلانية غربية لا تخطئها كل عين بصيرة. كما عملت المقالات المنشورة بالصحف على إدراج مسار باني الدولة الوطنية ضمن التوجهات الإصلاحية وعدم التهيب من اعتباره مصلح فذّا بل وواحدا من بين أعظم ما عرف التاريخ المعاصر من المصلحين. وبالتدرّج تحوّل التبئير حول مضمون الإصلاح إلى خطاب مشترك بين مختلف الحركات السياسية للمجتمع التونسي، فحتى أولئك الذين اشتهروا بمناوئتهم الصريحة لسياسة بورقيبة قد اعترفوا له بالدور الإصلاحي الكبير الذي لعبه في التأسيس للدولة التونسية العصرية، مُتبنين معجمه الإصلاحي بعد تعديل مضمونه أو محتواه حتى يواءم قيم الإسلام وتوجهاته، سواء تم ذلك باسم التصوّرات "التقليدية الدستورية والديمقراطية" أو بالتعويل على الشعارات الوحدوية العربية أو/ وبالتعويل على مقصد "الأخوّة في الإسلام" أيضا.
يستقي الفكر الإصلاحي التونسي أصوله من الموروثين العثماني والاستعماري الفرنسي، مازجا بين توجّهات إصلاحية مترابطة التقت نتائجها على أكثر من صعيد. فقد شغل التركيز على ضرورة إصلاح مؤسسات الدولة واحد من أكثر عناصر الترابط بين التقليدين. حيث اعتبر حكام دولة الاستقلال أن تطوير تلك المؤسسة من أعز الغايات وأوثقها صلة بعقلنة الممارسة السياسية وتجسيم مختلف الإصلاحات القادرة على النهوض بجميع شرائح المجتمع، حيث شكّل تطوير مؤسسات الدولة أصدق تعبير عن الانتساب إلى الحداثة.
والمربك أن مختلف القيم والشعارات السامية المتّصلة بمسار الإصلاح لم تقف عند حدود المدلول اللفظي، فقد سعت دولة الاستقلال إلى تملّك مختلف التشريعات الاستعمارية المتأثرة بمنظومة القوانين الوضعية التي تحيل على النظام الجمهوري الفرنسي، سواء على صعيد إنتاج الضوابط أو فيما يتصل بتنظيم تدخّل الفاعلين، معتبرة نفسها وريثة شرعية لتوجّهات مصلحي القرن التاسع عشر وخاصة مواثيق عهد الأمان ودستور 1861.
بين التوظيف السياسي و"التلفيق" الروائي:   
إن افتراض نزوع الدولة باتجاه توظيف مبادئ الإيديولوجية أو "التقليد الإصلاحي" مسألة ليس من المجدي في شيء إنكارها. فقد عكست الإحالة على مدلول الإصلاح كثيرا من الغموض، الشيء الذي مكّن من استنباط صلة وثيقة ومباشرة بين الإرث الإصلاحي للقرن التاسع عشر والتوجّهات التي دافعت عنها دولة الاستقلال، وذلك بغية استنباط ما تم التواضع على تسميته بـ"التقليد الإصلاحي التونسي"، حيث خضعت الرواية الإصلاحية للتبسيط واختصار مضمون الوقائع التاريخية والخلط بين المنجز وأشكال التعبير عنه، أو بين التمثلات والوقائع، مع ذهول تام عن السياقات التاريخية والصراعات التي جدّت بين الفئات الاجتماعية ذات المصالح المتباينة، فضلا عن حضور نوازع توظيف وتعبئة مفضوحة. وهو ما يدعو إلى الاعتبار بإخضاع تلك الرواية إلى التعتيم المقصود على السياقات التاريخية المميّزة لمختلف الحركات الإصلاحية التي عرفها تاريخ التونسيين المعاصر.
وتضمّن هذا الترميق الأدبي bricolage littéraire للرواية الإصلاحية التونسية أو "تلفيقها" ثلاث مراحل مترابطة يمكن اختزالها في:  
-       ادعاء توفّر تجربة الإصلاح التونسية على نفس تحرّري ديمقراطي وفصّلها عن جذورها التوفيقية العروبية والإسلامية وإخراجها عن توجهاتها الوطنية الثورية وتكييفها بغرض خدمة مصالح الزعيم والحزب. فقد عكس الخطاب المعادي للحضور الاستعماري الفرنسي سواء لدى الداعين إلى سن القوانين التشاركية أو إلى الرابطة الإسلامية، لدى الوطنيين الشبان كما لدى المصلحين التقليدين، نفسا سياسيا إصلاحيا تواضع على اعتبار حركة الإصلاح التي عاينها النصف الثاني من القرن التاسع عشر تونسيا تقدّما في اتجاه تكريس الديمقراطية، والحال أن تنظيم الدولة وأساليب اشتغالها لم يتم توجيهها مطلقا وجهة سياسية ديمقراطية، لأن التمثيلية لم يكن من الممكن تصوّرها لغير المحسوبين على نخب السلطة. ويتصل ذلك التلفيق أيضا بالتأكيد على أن تونس قد عاينت أول دستور ليبرالي في العالم العربي وهو توجه انطلق منذ أواسط عشرينات القرن الماضي وتلازم مع الحاجيات الاستراتيجية والتكتيكية لحزب الدستور (بشقيه القديم والجديد)، ذاك الذي عتّم عمدا على حقيقة تنوّع التجارب الإصلاحية وتعدّد التيارات الفكرية وصراع التوجهات السياسية بين مختلف مصلحي القرن التاسع عشر، فضلا عن الاعتراف بحقيقة التأثير الذي سلطته الدولة العثمانية وحضور ضغوط أجنبية أوروبية أجبرت حكّام "إيالة تونس" على تحرير بنود عهد الأمان.
-       توظيف الرواية الإصلاحية زمن الاستقلال والتعتيم على البعد الديني للحركة الإصلاحية التونسية، بالاستناد على استراتيجية فسخت حضور اختلافات أو تناقضات بين ممثلي تلك التصوّرات فكرا وممارسة، بحيث اتسمت تصرفات الزعيم بورقيبة تجاه منافسيه السياسيين بالقسوة وعدم التسامح. كما تم الحرص على إعادة كتابة السياق التاريخي للمواجهة الحاصلة تاريخيا بين الدستوريين الجدد والدستوريين القدامى، واعتبار البورقيبيين الأجدر بالانتساب إلى الحداثة مع تجريد التيارين اليوسفي والعروبي من كل شرعية نضالية وطنية خدمة للتوجهات الاصلاحية للدولة الناشئة.
-       ومع حلول سبعينات القرن الماضي تم تكييف الرواية التاريخية الإصلاحية تزامنا مع أفول المشاعر القومية وتراجع الأيديولوجية الوطنية. فقد حلّت التمثّلات المتخيّلة للإصلاح محل تلك المتّصلة بالقراءة الوطنية، ورُدّ الاعتبار لعدد من الأبعاد التي حاولت الدولة الوطنية تفادي الخوض فيها أو إرجائه، على غرار الاعتراف بالمشاعر الدينية. وتلازم ذلك مع انقطاع الفكر التحرري الثوري المتكئ على مبادئ الفكر الغربي والمنفتح على أبواب المستقبل والذي اعتقد أن التقدّم والنماء أمران ممكنان يندسّان بقوة ضمن الممارسات السياسية ويعتملان في فكر القائمين على السلطة والممانعين ضدها أيضا. لكن عوامل التهرئة الناتجة عن التحوّلات السياسية التي طالت المجتمع التونسي هي ما دفع على الحقيقة باتجاه إعادة الاعتبار للبعد الديني ضمن معجم الخطاب السياسي، وذلك بصرف النظر عن مضمون التحوّلات الفارقة التي عرفتها الساحة الدولية أيضا.
وتفاقم التوظيف السياسي على أيام حكم الرئيس الثاني للدولة الوطنية زين العابدين بن علي حيث تم التعويل على مروية "التقليد الإصلاحي" تجاوزا لضعف شرعيته التاريخية، لذلك لم يبق سوى الانخراط في قراءة تاريخية توسّلت بالأمد الطويل لكي تمنح سياسة الحاكم الجديد حدّا من الشرعية من خلال نسبها للتوجهات التي قادت مختلف زعماء الإصلاح تونسيا.
والبيّن بعد جميع هذا أن حدث الثورة قد انفتح خلال سنوات الانتقال الديمقراطي الست على حقيقة تنوّع القراءات بل وتضاربها المحيّر، لذلك فإن الاشتغال بهدوء على مسألة "التقليد الإصلاحي التونسي" والاعتراف بتباعد التصوّرات حولها دون السقوط في تحريف الاستعارة الجمعية المتصلة بحكاية التونسيين الجماعية، يشكّل مرحلة ضروريّة في مسار فهمنا لماضينا القريب، كي يذهب في حال سبيله ولا يواصل اندساسه المرضي في حاضرنا المعقّد./.                



[i]        Hibou (Béatrice), « Le réformisme, grand récit politique de la Tunisie contemporaine », dans Revue d’histoire moderne et contemporaine, 5/2009 (n° 56-4bis), p. 14-39.








dimanche 19 mars 2017

La figure de la Vierge Marie dans la liturgie populaire tunisienne






         Les propos rassemblés dans ce texte représentent un clin d’œil dédié à l’auteur d’un chant tunisien célèbre qui constitue une liturgie soufie évoquant la naissance miraculeuse de Jésus fils de Marie. Ce chant fut écrit et chanté par Abdelmajid Ben Saad (1924 - 1972) chanteur soufi et fin connaisseur du chant soulami amputé à la confrérie soulamiya fondée par Abd Asalem Lasmar (m1573).
Disposant d’une voix exceptionnellement belle Ben Saad originaire du kairouanais, nous a légué une interprétation fort en couleur des représentations musulmanes de la conception immaculée du christ, en la rattachant à la naissance et aux péripéties de sa trajectoire de vie, tirées tout à la fois de la littérature savantes (exégèse coranique et tradition prophétique) et de la vulgate populaire racontée à l’image d’une parabole dont certains propos se trouvent en partie aussi bien dans la Bible que dans le Coran.
La Vierge Marie occupe une place centrale dans l’imaginaire musulman tout d’abord en tant que mère de Jésus, prophète reconnu par l’islam, par le miracle de sa maternité et du fait de sa foi inébranlable en Dieu. Elle fait partie des quatre femmes considérées comme "parfaites" par la tradition islamique, aux côtés de Fatima, fille du prophète, Khadija, sa première femme et Âsiya, mère adoptive de Moïse.
Dans la tradition, elle est destinée à être la première à entrer au paradis. Elle est la seule femme à être mentionnée par son nom dans le Coran et saluée par les anges en tant qu’"élue par la volonté divine". Elle est aussi mentionnée dans de nombreux récits de la tradition musulmane, qui insistent sur sa nature pure et exempte de tout péché. 
Elle est évoquée près de 34 fois dans le Coran, principalement dans la sourate 3 "La famille de ’Imrân" (Al-’Imrân) et la sourate 19 "Maryam", ainsi que dans les sourates "Les Croyants" (Al-Mu’minun), "L’interdiction" (Al-Tahrim), ou "Le Fer" (Al-Hadid).
Marie est considérée, avec Jésus, comme un seul et même "signe" âya envoyé par Dieu à l’ensemble de l’humanité. Le mot "âya" revêt plusieurs significations dont « miracle » ou « merveille créée par Dieu », devant inviter tout croyant à réfléchir sur le sens ultime de la création. Marie constitue le "signe" et l’exemple par excellence, pour avoir à la fois avoir été exempte de tout pêché - sa virginité corporelle n’étant que le reflet de celle de son âme-, et de s’être soumise au décret divin, et avoir fait confiance à Dieu en toutes circonstances. Elle symbolise le dévouement absolu. Le sens même du récit de la vie de Marie dans le Coran pourrait d’ailleurs être résumé par le mot "âya" : elle n’est pas évoquée dans un but narratif ou biographique mais en tant que "signe" de la volonté de Dieu faisant partie intégrante de l’histoire des manifestations divines qui fournissent autant de prétextes à la réflexion et à l’affermissement de la foi.
Le Coran invite à plusieurs reprises à se "souvenir" d’elle et la lie indéfectiblement à son fils, "Jésus, fils de Marie ’Issâ ibnu Maryam, soulignant par là même le seul lien de parenté terrestre du Christ et sa conception miraculeuse. Marie incarne donc dans l’islam la croyante monothéiste parfaite, indéfectiblement liée à son fils, qui n’est jamais évoqué sans référence à sa mère. De par son humilité, sa piété et sa confiance absolue, elle y incarne un modèle de foi pour tous les croyants.
Le chant soufi que nous allons solliciter est intitulé : « Paie de Dieu sur le fils de Marie سلام الله على بني مريم». Chargé d’une grande émotion, il renferme des idées non dénuées de théosophie, Il raconte en quatre temps distincts la venue au monde de Jésus Christ. 
Le premier temps expose l’idée de l’immaculé conception. Jésus fils de Marie n’avait nullement besoin de géniteur mâle terrestre. Dieu l’a conçu à son image et l’a mis dans le ventre de Marie, témoignant de la sorte de sa grande puissance. 
Le deuxième moment décrit avec force détails les douleurs de l’enfantement et de la délivrance. Marie est ainsi obligée de s’éloigner des siens pour donner, dans une grande souffrance, naissance au Christ, qui aussitôt venue au monde rassure sa génitrice sur l’issue de sa mésaventure décrite comme un miracle transcendant la vraisemblance.
Vient ensuite un troisième moment traduisant le déchirement familial causé par cet enfantement peu commun et suscitant à la fois l’étonnement, la honte et le courroux du clan familial à l’encontre de Marie et de son nouveau-né. C’est au fait, l’épisode le plus important comportant un long échange haut en couleur entre le nouveau-né et son auditoire. La posture de Jésus défendant sa mère et s’adressant directement à ceux qui l’écoutent, explique que Marie n’a point dérogé à la norme sociale et que son abstention de parler, ouvre la voie au Verbe devin articulé à travers la plaidoirie du nouveau-né encore incapable de part son âge de prononcer mot. Dans sa plaidoirie, Jésus parait persuader que le salut des âmes réside dans la croyance et non dans la conscience. Tout prophète qu’il est, il se devait de suivre son unique génitrice terrestre dans ses pérégrinations prouvant par l’exemple non la confrontation violente, son essence pure et ouverte à la volonté divine.
Dans le dernier volet, ce chant soufi, composé en l'honneur de de Marie et de son fils, nous apprenons que la vierge ayant peur pour la vie de son fils va décider de partir vivre sous d’autres cieux. Confiant son fils à un grand savant pour l’instruire, l’enfant finit par prendre la place de son maître pour lui apprendre les règles de bienséance. Épaté le maître s’adresse à Marie pour trouver réponse. Et lui apprend que « Dieu le protège des agissements des méchants, et lui fait apprendre les règles de la politesse ». Jésus sera placé en suite chez un artisan teinturier pour apprendre le mélange des couleurs, il en vient à expérimenter des couleurs qui ne peuvent d’ordinaire se mélanger ensemble. Fâcher le teinturier met fin à son apprentissage en le qualifiant de maléfique magicien. Se défendant d’un tel affront Jésus lui répond que c'est lui qui est dénué de toute sensibilité, ne maîtrisant pas les rudiments du goût et de la bienséance. Il lui indique en outre que : « le teinturier de naguère est mieux outillé que celui d’antan et qu’il va assurément regretter de l’avoir congédier injustement de la sorte ».  
Vient enfin un dernier épisode qui nous apprend que Marie et son rejeton sont allés vivre dans un autre village et que Jésus va faire fortuitement la rencontre d’un veille homme éprouvé par la misère et la maladie de son enfant. Il essaye de le calmer et lui promis d’intercéder auprès de Dieu pour sa guérison. Passant sa main sur le souffrant, celui-ci guérit aussitôt de tous ses maux. Un tel miracle prouve que Dieu dans sa grande sagesse accorde sa puissance au plus humble de ses créatures.             
Compte tenu de la façon dont sont agencés les quatre moments racontés par ce chant soufi, nous constatons que la figure de la vierge requière une importance capitale. Elle fait allusion, au-delà de sa dimension physique, à la purification de l’âme prélude à tout cheminement spirituel. Elle symbolise aussi l’âme silencieuse, s’abstenant de toute parole, même pour prendre sa propre défense. Le détachement par rapport au monde et la "mort à soi-même" constitue un préalable nécessaire à tout engagement dans une voie spirituelle. 
Marie incarne également la maternité, la "naissance" qui doit, au terme de ce détachement, s’effectuer dans l’âme, et qui est celle de la dimension spirituelle de l’être et du Verbe divin ne pouvant s’accomplir que dans une âme pure et transparente.
L’Orient" que l’ange Gabriel choisit pour lui révéler sa destinée a également constitué le sujet de nombreux traités mystiques. Cette direction symbolise, en effet, pour certains théosophes, dont Shahâb al-Dîn Sohrawardi, le lieu du lever du soleil, berceau de la lumière et aube d’une nouvelle naissance.
La symbolique du palmier, saisit par les mains de la Vierge, souffrante et endurant les douleurs de l’enfantement, se couvrant subitement de dattes fraîches, fait également partie des thèmes évoqués. Il rappelle le motif de la douleur comme prélude à toute nouvelle naissance.  Évoquée par Jalal Eddine ar-Rûmi dans Fihi ma fih  traduit en français sous le titre « le livre du dedans », la douleur guide l’homme dans toutes choses. Tant que la douleur et la passion ne surgissent pas dans le cœur du soufi, jamais il ne tendra vers elle, et ne lui sera jamais possible de réaliser ses désirs. Tant que Marie n’a pas ressenti les douleurs de l’enfantement, elle n’aurait jamais pu se diriger vers l’arbre du bonheur. Si nous éprouvons en nous cette douleur, notre Jésus à nous naîtra aussi.
Ainsi Marie est le "signe" du rappel des origines de l’homme et par là même, de son destin spirituel. Le désert est le lieu de l’épreuve et de l’errance, théâtre par excellence du désespoir et de la solitude, où est éprouvée la foi des prophètes. La source jaillissant aux pieds de Marie souligne que toute connaissance réelle implique une humilité et un dépouillement de l’égo. Le jeûne de la parole qui lui est ordonné après la naissance de Jésus va dans le même sens, et permet au Verbe de témoigner lui-même du miracle de sa naissance. La voie de la vierge symbolise sommes toutes, pour le soufisme musulman la direction de la sagesse par excellence, ainsi qu’une invitation à réaliser la naissance du Verbe divin à l’intérieur de l’âme,  naissance qui ne pourra avoir lieu que dans un cœur pur et humble.
Dans de nombreux traités mystiques, le cœur du contemplatif et du soufi est souvent comparé à Marie : "Lorsque la parole de Dieu pénètre dans le cœur d'une personne et que l’inspiration divine emplit son cœur et son âme, sa nature est telle qu’alors est produit en lui un enfant spirituel ayant le souffle de Jésus qui ressuscite les morts. 
Dans son ouvrage consacré aux évangiles racontés par les musulmans « The muslim Jesus : Sayings and Stories in Islamic Literature », livre traduit dans la langue arabe et publié en 2015 sous le même titre, l’angliciste d’origine palestinienne Tarif Khalidi compare le Christ à un guide des ascètes et à un prophète du cœur. Nous pouvons ainsi dire que la Vierge et son fils Jésus "personnifient l’essence informelle de tous les messages, et incarnent la sagesse originelle et universelle.   

النص العربي الكامل للمديح السلامي الصوفي "سلام الله على بني مريم" الذي وضعه المنشد عبد المجيد بن سعد

سلام الله على بني مريم
عيسى روح الله به اعلم
سبحان الي صوّره وانشاه
في بَطن امّه بنت بكر فتاه
لا يعلم حدّ اين هو بَباه
كان الله الواحدِ الدايم
***********
يا لخوان حين إظهر وإشتد
وتحرّك في بطنها و إرشد
قالت يا مولاي منك الجُهد
يا خالقي فوّضت ليك الحكم
حين برز السيد المولود
و إنزاد بإذن الدايم المعبود
سبحان العاطي محل الجود
نطق لامّه بالحقّ وإتكلّم
قال لها لا تحزني باحزان
يحق الحق ويبطل البهتان
هزّي النخلة واطلبي الرحمان
يسقطلِك منها رُطْب نعَم
هزّت ذاك الجذع هزات
بحول الله سقطولها رطبات
كلاتهم وتحمّدت ومشـــــات
وهي بالمولــود تـــتـــــنـعّم
*******************
نطقت عمّتها مع النسوان
حلّفتها بجملة الايمــــــــــان
يا مريم مــا أنت من عمران
ولا انت يا مريـــــــــم من آدم
قالت لها يا مريـــــــــم ردّ نباك
عيد لنا القصة على مرضـــــاك
دنسّتي عرضك مع بابـــــــــاك
خوك وجميع قبـــــــيلتك بالــــــــــلّم
قالت لهم يا ناس اســــــــألوه
يقول لكم ها الطفل من هو بوه
قالو صغيركيف نخاطبوه
قال انا صغير و نتكــــلّـــــم
قالوا له يا طفل عيد أخبار
قول لنا بوك في ذا النهار
قال انا من روح الجبّار 
انا عيسى للي بغا يسلم
قالو له يا طفل تسحرنا
و بكلامك هذا تفتننا
ما تمشي حتّى تجادلنا
تشركّنا في ديننا بالوهم
قال لهم ما علي في حدّ
ولا نيشي جباّر ولا محسد
عيسى من روح الي ما نِجحِد
رازقني ربّي الكريم الفدّ
*********************
هربت بيه امه لبلاد اخرى
على عيسى خافت من الكَفرة
حطته عند الفقيه يَقرا
صار يعلِّم في الفقيه العِلم
قال لها من علّمه و قَرّاه
قالت له ربّي الكريم أعطاه
علّمه العلم ونجّاه
فوّض عنه من بحور العلم
عيسى اداته امّه للصبّاغ
يصبغ في النيلة وكل دباغ
أخضر و أحمر و كل ما يصباغ
و إجمعهم في خابية باللّم
قالو له آش الذي تفعل
يا ولدي فسدت لينا الشغل
من سحرك ما عادشي نقبل
روّح لامك ما بقيتش تخدم
قال له يا جاهل بلا حسّ
لا عندك أدب ولا اسس
صباغ اليوم خير من صباغ امس
و اذا نمشي عليك راك تندم
رسله ربّي في ذاك الحال
لمدينة سكانها جهال
يلقى عجوز في نكد واهوال
تبكي تجرع في دموع الدم
قال لها يا عجوز راك
بالله امسح دمعتك وبكاك
قال له ولدي مريض حذاك
إبريه يا عيسى وانا نسلم
تقدّم عيسى مسح على المولود
وبرا بإذن الدائم المعبود
سبحانه العاطي محل الجود
عطاه الله من فضله الدايم


Traduction française de la liturgie populaire soufie écrite et chantée par Abdelmajid Ben Saad
 "Paie de Dieu sur le fils de Marie" 
La Paie de Dieu sur le fils de Marie. Jésus est une âme que seul Dieu peut expliquer la conception.  Dieu l’a crié à son image, dans le ventre de sa mère toute vierge, l’avait-il conçu. Personne ne connait d’où vient son père. C’est un miracle accompli par l’unique et l’éternel créateur.  
**********************
O, mes frères, lorsque approche sa naissance et il commence à bouger dans le ventre de sa mère. Marie demanda alors l’aide au créateur à qui elle n’a cessé d’obéir fermement. Dès sa sortie au monde et obéissant à l’ordre de son créateur, un miracle survient : Il s’adresse ainsi à sa mère:  N’est pas peur mère, la vérité finira toujours par vaincre le mensonge. Secoue le palmier et invoque l’aide de Dieu, des dattes mûres tomberont sous tes pieds. De sitôt, elle secoue le tronc, des dates tombèrent tout près de ses pieds, se rassasiant de sa faim, elle rond hommage à son créateur et part apaisée en tenant gentiment le nouveau-né dans ses bras.
**********************
Dès sa réapparition sa tante et toutes les femmes de son clan lui tenir des propos blessants, condamnant ses agissements inconcevables et lui rappelant ses origines prestigieuses de fille de prophètes bibliques ! Elle l’incitèrent vaillamment à rendre compte de son comportement inqualifiable et de leurs expliquer, comment elle a pu descendre aussi bas, traînant de la sorte, son honneur et celui de son père et de ses frères dans la boue ?   Sereinement, elle leur indique de posez leurs questions au nouveau-né, qui leur dira qui est son géniteur ! Allons-donc Marie ! tu n’es point séreuse, disent ses interlocutrices ! comment est-il concevable qu’un nouveau-né puisse nos édifier sur une telle intrigue !? Et au bébé de rétorquer : Ne me sous estimez pas, je suis en mesure de vous donner les explications que vous voulez savoir ! Elles lui disent, mais par Dieu, fiston dit nous qui est donc ton père ? Il leur répond :  Je ne suis qu’un signe provenant directement de l’âme du tout puissant. Je suis le doux Jésus pour ceux qui veulent suivre le droit chemin, parce que c’est dans l’islam que réside notre salut à tous. Elles lui disent arrête fiston de nous séduire avec tes paroles, et ne t’avise surtout pas de partir avant de nous éclairer sur ta vérité. Tu risques ainsi de nous éloigner de nos croyances, et de nous faire tomber dans tes pièges monstrueux!   Il leur répond, je n’ai point de compte à vous rendre, je ne suis ni un ambitieux ni un envieux, je suis Jésus le bon esprit que la miséricorde devine a toujours protégé.
**********************    
Ayant peur pour son fils des mécréants, Marie partit vivre dans un autre pays, elle amène son fils chez un brillant savant pour l’instruire, mais il finit par faire de son maître son propre adepte en lui apprenant les règles de bienséance. Épaté le maître demanda à Marie qui l’a instruit ? Elle l’informa que Dieu dans sa générosité l’a gratifié, en le protégeant des agissements des méchants et en lui faisant apprendre les bonnes règles de la politesse.   
Marie emmena Jésus au teinturier pour apprendre à maîtriser l’art des couleurs, il en vient à rassembler dans un seul récipient le vert, le rouge et toutes les autres couleurs.  Fâcher son maître l’arrête de sitôt, et le qualifie de maléfique magicien et le somme de quitter son atelier. Jésus lui rétorqua qu’il est dénué de toute esthétique, ne maîtrisant ni les rudiments du goût et ni les règles de politesse. Il lui indique en passant que le teinturier d’aujourd’hui et meilleur que celui d’antan et qu’il finira surement par regretter de l’avoir congédier de la sorte.  
Dieu l’a envoyé après vivre dans une ville peuplée de simples d’esprit, il fait fortuitement la rencontre d’un veille homme, vivant dans une insupportable misère et pleurant son fils gravement malade. Jésus dans sa douce bonté essaie de le calmer, en lui assurant de prier pour la guérison son rejeton. En faisant passer sa main sur l’enfant, celui-ci guérit de sitôt de son mal. Dieu soit béni dans sa sagesse qui accorde généreusement sa puissance au plus humble de ses créatures.   






lundi 30 janvier 2017

"السمو فوق الخزي" الضحية والبطل وواجب الذاكرة
















ليس هناك من مهمّة أعقد أمام المؤرخ حاضرا من التدقيق في التحولات التي طالت أشكال تمثل الموقع الذي يصدر عنه الضحايا في المجتمعات الحديثة. ففتح هذا الملف يحيل بالضرورة على الرهانات الرمزية والاجتماعية المتصلة بثقافة الاعتراف أو ما تم وسمه بـ"السمو فوق الخزي"، تحسّسا لما تم إقصاؤه عن دائرة المفكر فيه وفتح باب الشهادة بخصوص ما تم اقترافه مع عدم التهيّب من إدراجه ضمن المروية الجماعية لبني البشر.
فقد شكل الاستماع لشهادات ضحايا القهر والاستبداد منذ ستينات القرن الماضي انقلابا حقيقيا هزّ جميع الأطر الرمزية الناظمة لمدلول البطولة والمعنى العميق للتضحية أيضا. فقد عاينت الإنسانية تحوّلا فارقا في الاشتغال على التاريخ وعلى الذاكرة الجماعية، وتم إبداء نجابة غير مسبوقة في إلحاق ضحايا الماضي بالتاريخ مع حصولهم أخيرا على موقع يضاهي جميع الذوات التي ضربت مواعيد حقيقة مع التاريخ. فقد اندس في ثنايا شهاداتهم عن تجاربهم الفارقة تعقّل جديد للسياقات التي حفّت بها، فأضحت تُطلب لإكساب الصدمات التي أرزت بكرامتهم البشرية وعمّقت من عذاباتهم مدلولا حوّل مسارتهم الشخصيّة إلى رصيد متقاسم يتّضح وجهه المُشرق حال التوقّف عند تفاصيل الوضعيات اللا إنسانية التي قدر لهم أن يعشوها. وهو ما حوّلهم إلى فاعلين اجتماعين من الدرجة الأولى، طفت على سطح خطابتهم شخصياتهم القوية التي قبلت بالمنازلة مع من تورطوا في قهرهم. الشيء الذي وضع تحت أنظارنا وتصرفنا أيضا، تجارب كشفت عن مآسي الحياة البشرية، ورفعت الحُجب عن كمال من عاشوها، وعن سقطاتهم أيضا.
هذا ما تتشوف مبدئيا الهياكل المكلّفة بالكشف عن حقيقة ولوغ دولة الاستبداد تونسيا في تعذيب الممانعين ضد سياساتها ومساعدة الضحايا على استرجاع جانب من كرامتهم المهدورة، إلى إنجازه ضمن سياق ما اصطلح على تسميته بـ"التحول الديمقراطي". غير أن محصلة ما تم الإنصات إليه من شهادات بخصوص الممارسات الوحشية لـ"زبانية التعذيب"، لا تبدو كافية لتحقيق حدّ من التطهير الجماعي والإنصاف، استعدادا لطي صفحة الماضي الأليم وتحقيق المصالحة المنشودة، ما لم يعبّر المنخرطون في العسف والتعدي عن شعور صادق بالندم، ويتم التثبّت من حقيقة عودة وعيهم بفداحة ما تورطوا في اقترافه من تصرفات وحشيّة أمعنت في التعدي على حرمة الذات البشرية. 
على أن ضبابية الإستراتجيات المعلنة من قبل مختلف الأطراف المشكّلة للساحة العامة تونسيا، لا تبدي من ناحيتها حدا كافيا من الانسجام بخصوص الأساليب المعتمدة والأهداف المرجوة من إتمام هذه الخطوة الفارقة في مسار الانتقال السياسي تونسيا. فالواضح أن شروخ الماضي لم تكف عن النزيف، وأن توظيفها سياسيا هو الشاغل المحوري، قياسا لما يفترض انتظاره واقعيا من انجاز هذه المرحلة الصعبة.     
عموما لا ينبئ تمثل الضحية كونيا عن حضور فهم سويّ لموقعها، فغالبا ما تضمنت الصورة المنقولة قدرا غير قليلا من الالتباس جعلها تتأرجح بين الدعوة إلى ضرورة نسيان ما تم اقترافه بوصفه ممارسة غير إنسانية تنحدر بالذات إلى ما دون إنسانيتها، وتعظيم بطولة الضحيّة بعد تحويلها وعلى صعيد الذاكرة الجماعية إلى واحد من أسمى معاني الفضيلة أو الكمال البشري. ويتراءى لنا حال التوقف عند هذين المفهومين الرمزين أن تبادل المواقع بين الضحية والجلاد قد ارتهن بمدى تشريع ممارسة العنف وحدود حرية الحكّام في اللجوء إلى ذلك أيضا. فقبول الضحايا بقسوة التعذيب بمنتهى السلبية يفقدهم جانبا من بشريتهم، في حين لم تخل تصرفات من قدر لهم احتلال موقع الجلادين من شبهة الإفراط في اللجوء إلى العنف، حتى وإن تواروا خلف ستار أخلاقي سميك يسحب على تصرفاتهم مدلولا إيديولوجيا متعاليا.
إن الدفع باتجاه تجاهل الضحيّة عبر التمثّل غير الواعي لانحدار قيمتها البشرية والتعبير عن ذلك بصوّر وتصرفات وأصوات مبهمة وذكريات ملغزة، ينبئ عن حضور حاجز نفسي يقصُر التفكير بخصوصها في مدلول حياتها التي لا تستحق أن تُحي، توافقا مع ما توسّع في تقريبه إلى أذهاننا الفيلسوف الإيطالي "جورجيو أغانبين Giorgio Agamben" حال تشديده على حقيقة الإقصاء المزدوج للضحية (Homo Sacer) عن كلا الخطابين الدنيوي والمقدس. 
لكن ألا يحيل نسيان الضحية على تجاهل بشرية الإنسان المنهزم وشعوره بالمهانة ونقصان ملكة الإباء، والتعامل بكثير من السلبيّة حال التخلي قهريا عن الفضائل المتّصلة بالكرامة البشرية؟ 
ينبغي الاعتراف بأنه ليس بوسع النسيان أن يتأسس من خارج حصول تعارض بينه وبين الذاكرة. فما دامت ذاكرة الجلادين (أي الماسكين بالشرعية السياسية بالمدلول التاريخي ) قادرة على تبرير تصرفاتهم المهينة لكرامة البشر بكل سهولة، فإن ذاكرة ضحاياهم ليس بمقدورها التعبير عن ذاتها وتأثيم ولوغ المنتصرين في اللجوء إلى العنف بوصفه الشكل الأوحد لوضع حد للمناكفة أو الصراع. لذلك يبدو من الصعب إزاء وضع كهذا تعبير الضحيّة عن شروخها دون تهيّبها من الاستهانة بعذاباتها أو الطعن في براءتها مما أُلصِق بها، والقبول الواعي بأن "عُريها" الرمزي قد شكل على الحقيقة تجربة حدود ضمن الوجود البشري.
تحيل شهادات الضحايا بهذا الشكل على ذاكرة أصحابها وعلى نثار من سياقات الواقع المدمّر الذي قدر لهم أن يعيشوه. كما تُنبئ عن جوانب من ذاكرة أولئك الذين لم يسعفهم الحظّ في الإدلاء بشهاداتهم حول ما قاسوه. فالإقدام على وضع كلمات على فضيع الإهانات التي سُلطت على المستهدفين يثبت شجاعة هؤلاء في الكشف عن وجوههم دون فقدان مائها، ويحوّلهم إلى أبطال يشكّل تسليط الضوء على ما تلمضوه من مرارات أحد المواضيع المعلِّمة لفكر الحداثة راهنا. في حين يحوّل الشعور بالهوان المتقاسم بين المخاطب وسامعه مواقعهما حال الإنصات لتفاصيل ما أُكرِه الضحايا على مقاساته من عذابات، مُعلنا بطريقته الخاصة عن بروز الفرد الاجتماعي المُنْشَّدِ إلى تصوّر جديد يأخذ بعين الاعتبار سياسيا وقانونيا وأخلاقيا حقيقة اتسام مختلف تصرفات بني البشر بالهشاشة، وسهولة انزلاق جميعهم في اقتراف المحظور أيضا./.  

شكلت هذه العروض افتتاحية العدد الأخير من مجلة "الفكر الجديد"

samedi 5 novembre 2016

معالجات تأثيلية لمعاني لغة الذكر الحكيم












         تسببت دراسة تأثيلية حول المدلول التاريخي للغة القرآن نشرت في حدود سنة 2000 تحت عنوان "قراءة سريانية أرمية للقرآن: مساهمة في فك شفرة لغة القرآن  Lecture syro-araméenne du Coran : une 
 contribution pour décoder la langue du Coran   نشرها الأماني كريستوف لوكسنبرغ  Christoph Luxenberg وهو الاسم المستعار لعالم لغات شرقية قديمة من ذوي أصول لبنانية رجحت عدة مؤشرات أنه يشغل خطة أستاذ باحث بإحدى الجامعات الألمانية، ألف دراسة في اللغة الألمانية أحدثت جدلا حاميا مرفوقا بضجة ولغط كبيرين .
فقد كشفت المقارنات التي أنجزها على أصول بعض الألفاظ الواردة ضمن آيات القرآن آصرتها مع اللغة السريانية الأرمية القديمة، موضحة عدة جوانب خفيّة عن حقيقة المدلول الأصلي لبعض المفردات الواردة ضمن آيات القرآن وسوره.
فقد زعم لوكسنبرغ أن خُمس أو ربع المفردات الواردة ضمن النص القرآني تتسم بالغموض أو بصعوبة التوضيح، لذلك فأن العودة بتلك الألفاظ إلى اللغات الشرقية القديمة مثل السريانية والأرمية بوسعه أن يحُد من ذلك الغموض. فقد شكّلت السريانية الأرمية اللغة الأكثر انتشار بالمجال الشمالي من بلاد العرب قبل القرن الثالث الميلادي. فالمسيح كان يتكلم اللغة الأرمية التي نعثر على ناطقيها حاضرا ضمن الأقليات المسيحية المستوطنة بعدد من القرى السورية مثلا. كما انتشرت على أيام النبي محمد نفس تلك اللغة بمجال جزيرة العرب وافدة من مدن بلاد الشام وقراها، وتم التوسّع في استعمالها تداولا وكتابة بين سكان تلك المناطق، في حين لم تشقّ عندها اللغة العربية المكتوبة طريقها إلى الانتشار وبقي استعمالها محصورا بين المتعلمين.
نعثر على نقائش تتضمن نصوص قصيرة مكتوبة باللغة العربية، إلا أن القرآن هو أول كتاب وضع في تلك اللغة. ولابد أن ندرك هنا أن حقيقة تواشج اللغات واختلاطها مسألة لا تخص هذه المنطقة من العالم وحدها، فالناطق باللغة الانجليزية حاضرا مدعوّ إلى العودة إلى ما قبل ألف سنة لتصوُّر المزارع الأنجليزي وهو يخاطب سيده النورمندي بلغة فرنسية امتزجت ضمنها ألفاظ أنجلو سكسونية لن يتوصّل أي منّا إلى فكّ شفرتها إلا حال ردها إلى اللغتين معا.
ومن جهة أخرى يعترف الضالعون في علوم القرآن من مسلمي القرن العاشر مثل أبي جرير الطبري أن النص القرآني قد تضمن ألفاظا غير عربية تحيل على اللغات العبرية واللاتينية واليونانية والفارسية والحبشية والسريانية. في حين يزعم كريستوف لوكسنبرغ أن لتلك الالفاظ دلالات لم يتم التفطن لها قبل صدور مؤلفه نظرا لتعقبه للدور الذي لعبه القاموس الاصطلاحي الأرامي في تمسيح مجال شبه الجزيرة العربية. وهو توجه سبقه إليه منذ سنة 1927 "ألفونس منغانا Alphonse Mingana " وذلك ضمن مقال صدر له في العدد 11 من دورية مكتبة جون ريلندس، حمل عنوان: "تأثير السريانية في أسلوب القرآن" Mingana (Alphonse) « Syriac influence on the style of Kur’an », dans 11 e Bulletin of the John Rylands Library 1927  وهو تقليد لغوي تأثيلي استشراقي ألماني يحيلنا على بحوث تيودور نولدكه Theodor Nöldeke  ضمن مؤلفه "تاريخ القرآن" الصادر سنة 1860 وعلى أبحاث أدولف فان هارناك Adolphe von Harnack ، تلك التي شدّدت جميعها على نسول معاني النص القرآني عن أصول لغوية يهودية مسيحية. 
ولكن كيف لعالم ألماني، حتى وإن تحدّر عن أصول عربية، أن يناقش ما يعتقد في صحته أكثر من مليار من ساكن العالم؟ وما الأسس والمناهج التي استند عليها في صياغة تأويله لتلك المعاني أو لتلك الدلالات؟
يعتبر لوكسنبرغ أن ما قام به لفك شفرة العديد من الألفاظ الغامضة الواردة ضمن النص القرآني هو البحث بداية عن الشروح النادرة أو الغريبة غير المقصودة من قبل العارفين بتلك اللغة ضمن المعاجم القديمة، ورصد ما لم يُعره اللغويون ما يكفي من الاهمية. غير أن عدم الخروج من ذلك بأي طائل هو الذي حثه على العودة إلى أصول الألفاظ لتأثيليها أو ردها لأصولها التاريخية، عبر مقارنة مدلولها في اللغات القديمة وعلى رأسها اللغة السريانية وهي الأكثر انتشارا مشرقا منذ القرن الثاني والثالث الميلاديين، مع عدم الذهول عن إمكانية حضور قراءة منفلتة أو مخطئة بمستطاعها قلب المعنى أو المدلول الأصلي للّفظ إثر الوقوع في خطأ في تنقيط النسخ القرآنية الأصلية. على أنه بالوسع افراض تسرّب حروفا سريانية وادراجها خطأ ضمن النص العربي.
وهكذا فقد تمكّن لوكسنبرغ وعبر التعويل على هذا المنهج من فك شفرة العديد من الألفاظ الغامضة ضمن لغة القرآن. فبعد أن وضعت مريم العذراء وليدها المسيح خاطبتها العناية الالهية في النص القرآني: "فنادها من تحتها أن لا تحزني قد جعل ربك تحتك سريّا" (سورة مريم الآية عدد 24)، إلا أن لوكسموبرغ يقترح أن يُقرأ مضمون نفس الآية أو دلاتها كالتالي: " فنادها من تحتها أن لا تحزني فقد جعل ربك تحتك [أي ما خرج من صلبك ابنا] شرعيا". وتتعدد الأمثلة محيلة على مواضع اختلافات مربكة مثل دعوة الله المنافقين في سورة عبس (الآيات 24 - 32 ): "فَلْيَنظُرِ الْإِنسَانُ إِلَى طَعَامِهِ. أَنَّا صَبَبْنَا الْمَاء صَبًّا. ثُمَّ شَقَقْنَا الْأَرْضَ شَقًّا. فَأَنبَتْنَا فِيهَا حَبًّا. وَعِنَبًا وَقَضْبًا. وَزَيْتُونًا وَنَخْلًا. وَحَدَائِقَ غُلْبًا. وَفَاكِهَةً وَأَبًّا. مَّتَاعًا لَّكُمْ وَلِأَنْعَامِكُمْ". أو الاشارة إلى تسيير الأرض حال حصول القيامة والنشر في سورة الكهف الآية 47: "ويوم نسيّر الجبال وترى الأرض بارزة وحشرناهم فلم نغادر منهم أحدا"، بينما يحيل المعنى في اللغة السريانية الأرمية القديمة إلى انشقاها أو انفتاحها. وهو مدلول متماسك أيضا يمكن أن يُحمل على التصديق.
ولكن ألا تؤدي مثل هذه الزحزحة اللفظية أو التحويرات إلى تغيير في مدول بعض معاني القرآن؟ يشدّد لوكسمبورغ على أن جميع تأويلاته لا تتصل بالمعاني الأساسية الواردة ضمن نص القرآن مثل الإيمان بوجود الله أو بحقيقة وجود حياة بعد الموت، ولكن الأمر متصل بجوانب سلوكية أو بعادات لها علاقة وثيقة بحياة المسلمين اليومية، على غرار ضرورة ارتداء الحجاب من عدمه في الآية القرآنية (سورة النور الآية 31) التي تحيل على ضرورة ضرب النساء بخمورهن على جيوبهن. حيث يبدو المدلول غامضا، لأننا عندما نشاهد حجاب النساء نتجه إلى إقرار التأويل السائد بخصوص ضرورة تغطية الرأس والصدر، لكن ما كشفت عنه أصول الألفاظ القرآنية بالعودة إلى اللغة الأرمية السريانية القديمة لا يعدو أن يحيل على دعوة النساء إلى ربط أوساطهن بأحزمتهن باعتبار التزنر ترميزا على استبقاء العفاف لاتصال ذلك بالرهبنة المسيحية التي تضفي على مظهر النساء مسحة من الحرمة والقداسة.
غير أن ما يثير حفيظة المسلمين بل ويشكّل مصدر إزعاج لهم هو تأويل لوكسمبورغ لمدلول الجنة. فقد عاينت مدينة اصفهان الفارسية في غضون القرن السابع عشر تشييد رياض ملكية حملت تسمية "باب الجنة"، مجسّمة تمثلات أهل الصحراء للماء والخضرة والحياة الوديعة بين الماء والخضرة ووجوه الحوريات الحسان تلك التي وعد بها الله الأخيار من عباده. وقد جاوز الشراح هذا المدلول من خلال ضبط عدد الحوريات الذي لا يقل عن 72 حورية تخصص لكل ذكر صالح من أهل الجنة استشهد دفاع عن الدين وذبّا عنه ضد المشركين. إلا أن ذلك لا يتفق مع الآيات السبعة الواردة في القرآن والتي تعد أولئك بالحياة الأبدية في جنان الخلد مع من يحبون "هم وأزواجهم في ظلال". ويعتقد لوكسمبورغ أن بالوسع تصورّ حلّ للمسألة من خلال ردها إلى انزياح لفظي غيّر في دلالة الآية القرآنية الواردة بالآية 54 من سورة الدخان: "كذلك وزوجناهم بحور عين"، مكتفيا بتغيير موضع التنقيط في لفظة زوجناهم كي تصبح "روحناهم" ويتحول المعنى عندها إلى الرواح والاستجمام في روضة كرومها محمّلة بعنب أبيض شفاف. لذلك فإن ما ينتظر أخيار المسلمين لا يتعدى الرواح بمنظر العنب الأبيض المتدلي من كروم الجنان.
كما أنه من اللافت العثور ضمن المجسمات المسيحية القبطية القديمة بخصوص أيقونات الملائكة وهي تستقبل أرواح الخيّرين الطاهرة، حضور عناقيد العنب بأحد أياديها بينما تضم الأخرى أجساد أولئك الموعودين بجنة النعيم. كما تحمل أواني قداس الكنائس الآرامية مجسمات العناقيد والأعناب وتتضمن وعود المسيح في العشاء الأخير مع حوارييه شرب جميع الخيرين من خمرة زكيّة تقرّبهم منه ومن الروح القدس.   
ويطعن العديد من قراء مؤلف لوكسنبرغ من المسلمين في صحة جميع تأويلاته بهذا الصدد، واسمين توجهاته بالسقوط في نوع من المركزية المسيحية christanocentrisme مع تأثّر واضح بسياق انتاج النص الانجيلي وكتابته، والحال أنه يتعين التميز بين النصين القرآني والإنجيلي وبين سياقات إنتاجهما خاصة. فقد استندت تأويلات لوكسمبورغ بوصفه مختص في نقد اللغات القديمة وتأثيل مدلولها على المخزون الرمزي للنصوص المقدسة المسيحية، وهو ما أثار حنق العديد من المطلعين على أبحاثه، فضلا عن عدم تبرئته من الخلط بين مواقع الأحرف وأشكال رسمها في اللسان العربي.
كما حاولت بعض الشخصيات المختصّة في الدراسات اللسانية والحضارية على غرار "آن ماري ديلكومبر Anne-Marie Delcambre التوسع في هذا التوجه الذي خطه لوكسنبرغ الذي ينكفئ في حياة سرية مغلقة بعد إصدار فتوتين تدعوان إلى قلته، مستندة في توضيح توجهاته على شرح السورة 97 من القرآن ونقصد سورة القدر: "إنا أنزلناه في ليلة القدر وما أدراك ما ليلة القدر ليلة القدر خير من ألف شهر تنزل الملائكة والروح فيها بإذن ربهم من كل أمر، سلام هي حتى مطلع الفجر"، تلك التي تحيل كما هو واضح على تحديد موعد نزول القرآن بحلول "ليلة القدر" أي في الليلة الفاصلة بين السادس والعشرين والسابع والعشرين من شهر رمضان. إلا أن عودة لوكسمبورغ إلى الشراح وفي مقدمتهم شرح الطبري "عن تأويل القرآن" الجزء الثلاثون ص 258 – 261 قد مكّنه من العثور على تأكيد على أن نزول القرآن من السماء قد حصل دفعة في تلك الليلة، الأمر الذي يتعارض مع امتداد سياق النزول على مدى عشرين سنة، حيث يظهر اللَبس في المدلول الدقيق لفعل أنزل في سورة القدر وحقيقة إنزاله التدريجي على مدى مرحلة نبوة محمد بين الأربعين والستين من عمره.
ويقترح لوكسمبورغ تأويلا يسعى إلى توضيح جلية الأمر حال اعتباره لغة القرآن خليطا أو مزيجا بين العربية التي نعرفها والسريانية القديمة، فضمن سورة القدر نفسها هناك كلمة ليس لها من مدلول ضمن سياق النص وهي كلمة "قدر". فهي كما تحيل لغة على ما قدر في الأزل تعني أيضا ميقات الشيء أو مدته أو  المسافة منه . فما الرابط عندها بين تحديد الله لأقدار الخلق وتنزيله للقرآن؟
يشدد لوكسنبرغ الذي يتوفر على معرفة بالسريانية والآرامية والعبرية والحبشية والفارسية والعربية، أن مدلول كلمة القدر في السريانية والأرمية القديمة يحيل على موعد ظهور نجم الميلاد. لأنه بالعودة إلى أنجيل متّى (2 – 2 ) تجابهنا الفقرة التالية المنقولة على لسان منجّمي الشرق Les mages d’Orient: "أين ملك اليهود في مهده فقد شاهدنا نجم ميلاده في الشرق لذلك أتينا للتبرك برؤيته". وهكذا فالظاهر وفقا لما تقدّم أن المقصود بالحديث هو المسيح وأن منجمي الشرق قد علموا بموعد وضعه فجاؤوا للتعرّف عليه، وهو ما يكسب سورة القدر مدلولا أوضح حيث يرصد لوكسنبرغ التقارب بين "ليلة" في اللغة العربية التي تقابلها لفظة "للية" في السريانية. ولفظة "صلاة" التي تقابلها "صلات دي للية" أي صلاة الليل، لذلك يتضح ابتعاد الشرّاح العرب عن المدلول الأصلي لما أحالوا على تساوي ليلة القدر مع ألف شهر، لأن المقصود وفق تأويل لوكسمبورغ دائما ليس كلمة "شهر" بل كلمة "سهر" أي قيام الليل. فربط لفظ ليلة السريانية بالسهر أو السهرة يحيل مقصده على أن قيام ليلة الميلاد أفضل من قيام ألف سهرة. وهو ما نعثر عليه ضمن حديث منقول عن عائشة زوجة النبي تشير فيه إلى أن ليلة القدر قد عاينت على أيامها إكثارا من القيام. حيث يوافق ختم التراويح تلك الليلة باعتبار أن الصلوات الشرعية في الإسلام لا تتضمن تكليفا صريحا بقيام اللّيل، وهو ما تعوّد العرب المسيحيون إقامته تزامنا مع أعياد الميلاد.
كما أن الآية الخامسة من سورة القدر التي تتضمن كلمة سلام تدفع من جانبها إلى العودة إلى نشيد الملائكة الذي أورده إنجيل لوقا في الفقرة 2 - 14 "المجد لله في السماوات والسلام على الأرض" الذي يردده جميع المحسوبين على الديانة المسيحية، مما يحيل على التقاليد السائدة في الكنيسة السريانية التي حدّدت موعد قداس الميلاد لا مع حلول منتصف الليل بل مع ظهور فجر اليوم الجديد، وهو ما قصده النص القرآني في ـ"سلام هي حتى مطلع الفجر"، وما أكده ابن منظور في لسانه أيضا لمّا أشار إلى ليلة التمام وهي أطول ليالي الشتاء المتزامنة مع موعد الميلاد الذي يحتفل بها النصارى ويقيمون فيها الصلوات، لذلك ينتهي لوكسنبرغ إلى الاعتقاد بأن الاحتفال بليلة القدر لدى المسلين لا يشكل غير تواصل وبطرقية مخصوصة مع التقليد المسيحي السرياني في الاحتفال بليلة ميلاد المسيح.
وهكذا يصبح لسورة القدر مدلولا مختلفا لأنه بالوسع يمكن إدراك فحواها على أنه تواصل طقسي لاحتفال الميلاد من خلال رده إلى ليلة السابع والعشرين من شهر الصيام: "إنا أنزلناه (أي الوليد المسيح) في ليلة الميلاد وما أدراك ما ليلة الميلاد وما الذي تعرفه عن ليلة الميلاد، ليلية الاحتفال بقداس فجرها خير من ألف سهر. تنزل الملائكة والروح فيها بإذن ربهم بأناشيد دينية مقدسة، سلام هي حتى مطلع الفجر.
وهكذا يدفع لوكسمبورغ إلى حضور تناص في المدلول بين معنى سورة ليلة القدر والعادات التي تتضمنها الممارسات الدينية المسيحية لدى المجموعات السريانية الأرمية الموجودة على أيام النبي محمد. وهو لا يكتفى بذلك فحسب، بل يلاحظ ضمن سورة المائدة ومدلولها موضع الطعام وضمن الآية عدد 114: "قَالَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ اللَّهُمَّ رَبَّنَا أَنزِلْ عَلَيْنَا مَائِدَةً مِّنَ السَّمَاءِ تَكُونُ لَنَا عِيدًا لِّأَوَّلِنَا وَآخِرِنَا وَآيَةً مِّنكَ وَارْزُقْنَا وَأَنتَ خَيْرُ الرَّازِقِينَ"، أن تلك اللفظة لا تعني أي شيء لو ذهلنا عن ربطها بالتراث المسيحي القديم في علاقته بعشاء المسيح الأخير مع الحواريين المعروف بـLa cène   فلفظة عيد العربية مشتقة من نفس الكلم الأرامي للدلالة على الاحتفال الديني أو القداس. ويكفي أن ندرك ذلك حتى يصبح المعنى كالتالي: "ربنا انزل علينا قداسا من السماء يكون لنا احتفالا دينيا لأولنا وآخرنا وآية منك وارزقنا وأنت خير الرازقين".
ما بنا حاجة إلى التصديق على مجمل التأويلات التي اقترحها مؤلف لوكسنبرغ، فالاحترازات تجاهها كثيرة ومطاعنها متعددة بل لا يسعها حصر. إلا أننا نصر مع ذلك على حق تلك التصورات في التموقع ضمن مشهد المعرفة التأثيلية اللغوية بعيدا عن ما أنتجه المفسرون قدامى ومحدثين. فاستعراض تلك التخريجات وصياغتها في اللغة العربية على فخاخه التي لا تحصى من شأنه أن يدعونا إلى التفكير جديا في إنتاج موسوعة أو قاموس تأثيلي للغة العربية طال انتظاره، مما أشرع الأبواب أما العارفين ومن سواهم كي يُقدموا على ابتسار نظرهم في نص المسلمين المؤسس على الجوانب المُؤصلة لإرثهم اليهودي والإنجيلي المقدس. وهو تصرّف سبق للفيلسوف مارلو- بونتي أن نعته بـ"الكونية الجاثمة من فوق un universalisme de surplomb" تلك التي آن أوان نقضها والتفرّغ المناضل بُغية تشييد كونية أفقية تقبل بتنوع الغيريات على قاعدة العيش بذكاء مع الاعتراف الصريح بالاختلاف الذي لا يفسد للودّ قضية.