lundi 15 avril 2019

أخبار التونسيين











  
       تراجع هذه العروض جملة من المفاهيم الإجرائية والمنهجية التي وظفناها لتركيب مضامين مختلف فصول هذا الكتاب، وهي مفاهيم عاينت في غضون العشريات الأخيرة تحوّلات فارقة، ساهمت ولا جدال في تطوير نظرتنا إلى العلوم الإنسانية والاجتماعية بوجه عام، كما دفعت بنا إلى إعادة النظر في مهنة المؤرخ تخصيصا.
وليس بعيدا أن يكون لطبيعة المدونة المصدرية التي عوّلنا عليها في بناء لحمة هذا الأثر ونسج سداه، اصرة وثيقة بما نحن بصدده من مراجعات منهجية تحيل على أبستمولوجيا المعرفة التاريخية وفلسفتها. فقد انصبّ تركيزنا ضمن هذه المغامرة على مقاربة مدونات مخصوصة لم توضع آثارها بغرض التأريخ، بقدر ما حُبرت بغاية الحفاظ على مخزون تراثي غير مادي تضمّن مرويات أو حكايات خرافية منقولة عن صدور التونسيات والتونسيين، كما دوّنت مجامع أمثالٍ وعِبرٍ وخواطر أفاضت عن عميق حكمة الأسلاف والأجداد.
ولم تقف المتون التي عولنا عليها في تركيب عروضنا التأليفية عند هذا الحدّ، بل أدرجنا ضمن اهتماماتها أيضا مؤلفات تبيّن لنا حال الاطلاع على مضامينها إسهامها نقلا ونشرا في توسيع أفق تمثّل المتعلمين من التونسيين لمدلولي الزمان والمكان، وتوضيح المشترك في تواريخهم، بردّه إلى روابط غُيبت أو أُقصيت عن مجال ذاكرتهم الجماعيةـ وحُجبت عن الأساطير المؤسسة لانتمائهم الجمعي، ومظان غير مقصودة بات لحضورها دور محوري في بناء شخصية التونسيين وربط أيامهم وأعمالهم بفضول الـمُقبلين على الحياة والعاملين على تبديل الواقع سعة بعد عوز، ورخاء بعد شدة وعزة بعد مهانة.
كما تعقب بحثنا أيضا مضمون عينات من المقابسات أو المقاربات الموضوعة بغرض مراجعة عادات التونسيين وتقاليدهم أو التعمّق في خصوصيات شخصيتهم، وذلك وفق تصوّرات بدت لنا متأثرة بتوجهات استشراقية غير خافية أو منخرطة بقدر غير قليل من السذاجة في الاعلاء من قيمة المنجز الاستعماري، اتصل الهدف من استحضارها بالقراءة في سلوكيات التونسيين ورصد ما يحيل على أقوالهم وأفعالهم وآدابهم وتصرفاتهم، تحديدا للثابت والمتحوّل في شخصيتهم.
انطوت المرويات الخرافية على جنس أدبي تفرّع إلى جملة من الأنماط ربط بينها اتكاء جميعها على الخارق والعجائبي في بناء السرد، حيث دارت معظم الوقائع المشكّلة للحكايات التي اشتغلنا عليها حول تصوّر تم تركيبه بشديد الدهاء والمخاتلة، بحيث لم ينشغل القصّ بتوصيف ما هو حاصل في الواقع المعيش، بقدر ما انشد، إذا ما تدبّرنا علّة وجوده، إلى اقتراح توصيف لواقع مُواز تحوّل إلى نوع من الاستعارة ناضد بين عالمين، يشغل ضمنهما المتخيل عنصر تفسير وإيضاح لما يحيل عليه عالم الشهادة والناس أو العالم الواقعي المعيش.
ضمن هذا الإطار تحديدا نستطيع أن ندرج جميع الخرافات التي عمدت إلى رد أحداث الماضي إلى عوالم روائية أو خيالية لا تضيق بخرق العادة، على غرار الخرافات والمرويات والحكايات المنشدّة إلى الغريب والعجيب، حتى وإن ركّزت المقاربات التحليلية للأدب الروائي في تصوّر العارفين بتقنيات السرد الأدبي على قدرة العجائبي على خلق عالم منفتح على خرق العادة، في حين بقيت مختلف الأجناس الأدبية المتفرّعة عن ذلك غير قابلة لمثل ذلك الفصل بين العادي والخارق، بين المنتظر وغير المنتظر، بين الـمُمكن والمستحيل[1].
ومهما تزايدت غرابة تلك الوقائع وبدت منشدة إلى الاغراق في التخيّل، فإن العوالم التي عمدت إلى نسجها روائيا قد بقيت خاضعة، في آخر التحليل، إلى المنطق الناظم للتصرّفات المدركة للبشر. ويعود السبب في ذلك إلى عدم القدرة على استنباط مناخات مفارقة تحيل على عوالم غريبة عن العوالم التي اعتاد المتلقي على العيش داخلها. إذ تحيل جميع تلك العوالم في عميق مضامينها على الطبيعة البشرية.
كما أن ما عرضته من حكايات لا يعدو أن يكون سوى نوع من الاستعارة لتصرفات لها علاقة وطيدة بـمُدرك سلوك التونسيين العادي. لذلك لعبت الاستعارة دورا أدبيا أو بلاغيا سمح توظيفه ببناء عوالم متخيَّلة أحالت في حقيقتها عمّا سواها، وذلك تفاديا لصعوبة تمثّلنا لما ينطوي عليه الواقع من تشعّب وعدم قدرتنا على التعبير عن ذلك أو توصيفه بطريقة عادية[2].
يشكل هذا الأسلوب الأدبي والجمالي وفقا لنفس المباحث "استعارة مُرَشحة" أو "منسوجة" (Prolongée ou filée)، سرعان ما تأخذ شكل "الأليغوريا المبتكرة" (Allégorie - invention) كلما تحوّلت إلى مروية مكتملة. وهو واقع معظم الحكايات الخرافية التي اخترنا تفكيك البعض من مُضمرات خطابها في سياق العروض التي خصّصناها للفصل الأول من هذا الكتاب، وذلك بطريقة تسمح للمتلقي بفهم ما انطوى عليه السرد الروائي في الخرافات الشعبية التونسية من تقنيات تشبيه واستعارة أنطقت الحيوانات (برّيّة كانت أو أليفة) واستحضرت الأغوال، والجنيات، والأنبياء، وملائكة السماء، وشياطين الإنس والجنّ، تعبيرا عن تهيّبِها من مفارقة المعلوم إلى ما سواه، وتعويدا للمتلقي على التواصل مع الوجود واكتناه ما بعده، بتوظيف بلاغة الخاطرة ضمن الأمثال الـمُندسّة بتدبير وحكمة في تجاويف لغة التخاطب أو لهجة التونسيين، بُغية تبليغ المقاصد التي تحتاجها عملية الانتقال من لهو الطفولة وسعة خيالها إلى ما يفرضه العيش المشترك من تنازلات، وما يتضمّنه الواقع من إكراهات نحتاج في مجابهتها إلى استعمال ملكة العقل والتدبير حفاظا على النفس والنفيس[3].
فمجرد تجاوز ما اختصت به الخرافات من حضور مكثّف للأغوال والجنيات وغيرها من المخلوقات الغريبة، فإن المعاني التي ينطوي عليها السرد تنفتح على حزمة من القيم السامية تم التعويل في استجلابها على تشغيل آليات التسلية واللهو أو تزجية الوقت، وذلك بغرض توفير شكل مخصوص في نقد الواقع المجتمعي وتقريب العديد من التصوّرات والمفاهيم الأخلاقية العويصة من ذهن الـمُتلقي. وهو ما أثنت عليه العروض المدرجة ضمن العديد من كتب النقد الأدبي، تلك التي عمدت إلى توضيح مختلف التقنيات المتصلة بالأدب الروائي باعتبار اتساع القصّ لجملة من التصورات يعسُر إثارتها بالتعويل على أليف التصرّفات التي تُؤثث حياتنا العادية.
فقد ارتبط تركيب الأخبار التاريخية منذ البدايات بفن البلاغة والقصّ[4]، حيث وضعت العروض التي خلفها المؤرخ الروماني "شيشرون Cicéron" في غضون القرن الأول قبل الميلاد ضمن أثره الموسوم بالخطابة De Oratore[5]، مسافة أمان بينها وبين مختلف أشكال الكتابة التاريخية التي سبقتها، وهي كتابة انشدت إلى تصوّرات حوليّة مغرقة في العرض الخطّي، ومكتفية باستحضار الأحداث السياسية التي لا يرتقي أسلوبها التقريري إلى مستوى القصّ الروائي، باعتبار غياب التضاريس والنتوءات، وحاجتها من وجهة نظر جمالية إلى خطاب روائي مُغرٍ أخّاذ. فالمؤرخ الحقيقي في تصوّر "شيشرون" دائما، هو من تضمّنت أخباره توجّها بلاغيا مقصودا وخطابا يتوفر على البعدين الخبري والسردي أو القصصي في آن.
وغني عن الإشارة ارتباط مثل هذا التصوّر للكتابة التاريخية بالسياقات التي عاشتها الإمبراطورية الرومانية في مرحلة انتقالها من أزمة النظام الجمهوري إلى زمن الإمبراطورية، ذلك الذي اتسم بالتشديد على ضرورة احترام الضابط الأخلاقي ضمن الممارسة السياسية واستئصال دواعي وقوعها في شرك الخديعة والمكائد. فانتقلت الكتابة التاريخية بمقتضى ذلك إلى أداة لتحقيق الاستقامة ومصدرا مُلهما لبيداغوجية الكتابة الأدبية. وهو ما تفطن له الأديب الفرنسي "راسين Racine 1639 – 1699"، الذي اعتبر "شيشرون" "رساما للعهود القديمة"[6]. في حين قدر المؤرخ الروماني "تاسيت Tacite" (58 – 120م) من ناحيته أن للبلاغة في كتابة التاريخ موقعا يضاهي في قيمته وفاء واضعه لما جدّ من وقائع، مع شدّة الحذر من الانزلاق في دواعي التضليل والانحياز.
والحاصل بعد هذا أن القرون الوسطى قد عاينت شرقا وغربا تطوّرا لصناعة الأخبار التاريخية تجسّم بالأساس في انتشار التواريخ السُلالية التي أشادت بطريقة روائية غير خافية بمآثر النبلاء والسلالات الحاكمة، وهو ما استحضرته أخبار المؤرخ الفرنسي "فرواسار" (Froissart) (1337 - 1410)، مثلما تعقّبته "عبر..." مؤرخ المغرب والمشرق ابن خلدون (1337 - 1406) في حدود موفى القرن الرابع عشر.
في حين انطوت المرحلة الرومانسية في كتابة التاريخ والتي يعود انطلاقها إلى حلول القرن التاسع عشر على نُقلة جديدة في بناء الرواية التاريخية، تم التعويل ضمنها على العروض المعرفية العلمية المتبحرّة وضبط المعطيات الأرشيفية وتنظيمها وفقا للسياقات الزمنية التي انتجتها، مع عدم الاعراض في جميع ذلك على إدراج تلك المعطيات ضمن معقولية تاريخية مستندة إلى تشغيل ملكتي التحليل والتأويل. وهو ما ترتب عليه نوع من التجاذب القوي بين الرغبة في ربط العروض بمضامين معرفية دقيقة من ناحية، وتقصّي خصوصيات الانتماء أو الانتساب من ناحية ثانية. لذلك اعتبرت العروض الـمُشبعة بالحس الوطني مَوْضِعا لاشتغال هذين التصورين والتكّشف تبعا لذلك على الحقيقة التاريخية الواقعة بين العروض الحسيّة أو الذاتية من جانب، والتصوّرات العقلانية الجامعة الـمَبْنِيَّة على سرد الأخبار والبحث عمّا يحدّد معقوليتها على الحقيقة. وهذا ما أدى وبالتدريج إلى انبثاق توجّه مُـحدث للكتابة التاريخية ارتكز على رصد المسافة الزمنية وتحديد المفاصل الفارقة أو "القطائع الثورية" والتعبير عن مسار جديد مقصده البحث عمّا يشكل ما تم وسمه بـ"روح الأمة" المنخرطة في التاريخ الكوني والمتمايزة معه في آن.
وعموما لم تكتف مثل هذه الجمالية ذات النفس الرومانسي المعلن بالتأثير في الكتابة التاريخية بل اتسع تأثيرها لتُشكّل تيارا في التعبير الفني سيطر على جميع صنوف الابداع أوروبيا طوال القرن التاسع عشر، وانشغل تاريخيا بإنتاج مؤلفات راوحت بين الحاجة إلى التبحّر والامساك بتقنيات القصّ الروائي، على النمط الذي أحدثته رواية "إفانوي" التاريخية لـ "والتر سكوت" Walter Scott (1771 - 1832) على سبيل المثال لا الحصر.
فقد تم القطع مع التقليد السائد في الفصل بين الخبر والرواية، بإدماج المعطيات الوثائقية أو المصدرية والتحاليل المتّصلة بها في ثنايا السرد الروائي، التي اتسمت بتشعّبها مع قدرة على احتضان مختلف العناصر المتدخّلة في فعل الكتابة، فلم يعد من المنطقي في شيء أن يقوم المؤرخ بتفضيل الرواية على رسم الوقائع أو الاعتبار بعكس ذلك. فتوفّر التواريخ على ما يشكّل صورتها الحقيقية مشروط بعدم الوقوع في عزل الوقائع عن السرد، وهو ما يُكسب الوقائع أو الأحداث زخما مخصوصا.      
وليس هناك من تجربة في كتابة التاريخ تحيل على شدة التأثر بمثل هذا التصوّر الجمالي في نسج الاخبار التاريخية، أكثر تمثيلا من تلك التي خاضها المؤرخ الفرنسي "جيل ميشلي" (Jules Michelet) (1798 - 1874). فقد ظل على اقتناع تام بضرورة استنباط مجموعة من الاستعارات الأدبية القادرة على السمو بماضي الأمة الفرنسية وسرد ما مرّت به من محن وما قاسته من آلام، معتبرا أن نجاحها في تخطّي مختلف المصاعب التي واجهتها، هو ما شكّل حجر الزاوية في نسج سردية تاريخها المجيد على الحقيقة. لذلك انبرى "ميشلي" لإعلاء مكانة الاساطير المؤسسة لوطن الفرنسيين، وهي أساطير انبثقت في تصوّره على إثر نجاحهم في تحقيق وحدتهم الترابية، وتهيئة الظروف الملائمة لحصول الثورة ضد كل قديم وبالٍ[7].
اختار مؤرخ الثورة الفرنسية قصد التنويه بعظمة تلك الأحداث الفارقة، أن يربط كتلة الأخبار الـمُستجلبة استعاريا بمعجزة تجسّد الروح القُدس في تصرّفات الابن المسيح، موفّرا بتلك الطريقة لأحداث الثورة طقوسا شابهت عشاء المسيح الأخير مع حوارييه، وجميع ما ترتب على ذلك الحدث الفارق من دموع ودماء وإخلاص للدعوة وشغف بها، مُقْلِعًا نهائيا عن التعويل على التواريخ السلالية القاصرة - ومن وجهة نظره دائما - عن إدراك تطوّر الأحداث أو الوقائع في شموليتها، وهي أحداث ووقائع لا يمكن الاقتصار عليها كلما رُمنا تحقيق ما أصرّ مؤرخنا على نعته بــ "الانبعاث الجديد لماضي فرنسا التليد"[8].
ولئن لم يدخل في تصوّر محمد البشير صفر (1865 - 1917) مطلقا الاعتماد على ذات الخطة التي انتهجها المؤرخ الفرنسي "ميشلي" في تركيبه لسردية ماضي الفرنسيين واستعراض تواريخهم، فإن العروض التي شكّلت منجزه البيداغوجي ضمن مؤلف "مفتاح التاريخ"، قد بدت لنا مع ذلك منشدّة لتقنيات تأليف روائي عمدت إلى إعادة صياغة انتماءات التونسيين وتوثيق صلاتهم بجملة من الغيريات راوحت بين توسيع أفاقهم الزمانية عبر التذكير بمختلف الحضارات الكبرى التي طبعت تاريخ التونسيين القديم، وفتح أعينهم على تعدّد انتماءاتهم المكانية من خلال ربطها بقديم تاريخ العرب والمسلمين وسيطه، حديثه ومعاصره، مع الحرص في جميع ذلك على اطلاعهم على حقيقة اتصال ماضيهم كما حاضرهم بالبحيرة المتوسطية، والتشديد  على ما لتاريخ أمم أوروبا من اصرة وثيقة بتاريخ ساكنة إفريقية وتونس وحضاراتهم.
تحيل إشكالية زمن الخبر في صناعة التاريخ[9] على أولوية الاعتبار بالسياقات الاجتماعية التي ساهمت في بنائه، فضلا عن تثمين جهود أجيال من المؤرخين بفعل التراكم المعرفي. ويتسم تمثّلنا للزمن التاريخي بالتقلّب بين الإحساس بتسارع الأحداث أو بركودها، وهو في جميع ذلك مشابه لما يحصل ضمن الواقع اليومي المعيش. لذلك يعمد المؤرخ إلى قيس الزمان بالأيام والأشهر والسنوات أو بما هو أكثر امتدادا من ذلك أو أقل، مما يُضفى على الزمن التاريخي صِبغة اجتماعية تجعله قابلا للتقييم بشكل موضوعي.
غير أن جميع المجتمعات لم تتوفر على نفس منظومات قيس الزمن، حتى وإن درجنا حاضرا على الاعتبار بالطبيعة المنظمة للزمن وتوفّره على نقطة بداية، مع الاعتبار بحضور اتجاه تصاعدي متسق لتطوّر الوقائع. إلا أن مثل هذا التصوّر المخصوص ينخرط في الحقيقة ضمن صيرورة طويلة ساهمت في توحيد الأزمنة وربطها حال اكتمالها بطريقة في التقويم اتصلت نقطة بدايتها بميلاد المسيح. وهو ما عاينته بدايةً ممالك الغرب المسيحي في غضون القرن الحادي عشر تقريبا، ثم ما لبث أن امتد ليشمل بقية أرجاء المعمورة تزامنا مع انتشار الاستعمار في القرن التاسع عشر.
ساهم تعميم استعمال الزمن الخطّي أو زمن الرزنامة دون غيره بلا جدال في التخلّي تدريجيا عن جميع الأزمنة الدائرية أو الزراعية أو الطقسية والدينية التي سبقته. وهو ما ترتب عليه اتساع الوعي بوحدة المصير البشري أو الإنساني، وهي فكرة جديدة عمل المؤرخون والإخباريون بشكل لافت على تقريبها من الأذهان من خلال شدّها إلى قوائم تحويل أو مقابلة قرّبت بين التقويمين الشمسي المسيحي والقمري اليهودي، بحيث شكّلت جهودهم لبنة أساسية على طريق إكساب الزمن التاريخي طابعا منفصلا عن التصوّرات الدينية أو التعبّدية.
فقد خضعت جميع الأزمنة التي سبقت ذلك للمشيئة الدينية في اعتبارها للذات الإلهية مُنطلقا للزمان، بينما اعتُبرت نهاية الكون نقطة انقضائه. لذلك اقتصر السرد على تجميع أخبار السلالات الحاكمة والاعتبار بسير الملوك ومآثر الصلحاء أو القدّسين وأهل الفضل من العارفين بالدين، مع التعتيم على الفوارق بين الأمس واليوم والنظر إلى الغد بوصفه نسخة مُعادة لليوم الذي سبقه.
وبالمقابل ابتعد التصوّر الـمُحدث للزمن عن جميع ما سواه، منتهيا إلى ربط ما حصل بعدُ بما هو سابق بطريقة منطقية وعقلانية، الأمر الذي أورث الإنسانية ثورة ذهنية انجرّ عنها مع حلول القرن السادس عشر اعتقاد راسخ في فكرة حصول التقدّم وانخراط للنُخب الجديدة في تصوّر أصرّ على أن "الزمن لا يعيد نفسه إلا على شكل مهزلة"، وأنه مدعو إلى التقدم والكشف عن واقع مفارق جديد، وهو ما وضع حدّا لتناظر الماضي مع الحاضر، واستحالة "السباحة في نفس النهر مرتين "، فانفتحت التجارب التي تمت مراكمتها على أفق للانتظار توفّر على إمكانيات موضوعية للتطوّر.
هذا التمثل للزمن هو ما سانده فكر الأنوار صراحة، حيث بشّرت الثورة الفرنسية بانطواء مقتبل الأيام على وعد بالتغيير نحو الأفضل، مع انتهاء البشرية إلى إرساء زمنية جديدة أعلت من قيمة النمو الـمُطرد للإنسانية وازدهارها، معتبرة التخلي عن الإيمان بالقيم الحداثية المرتكزة على مواجهة المصير والإيمان بتطوّر أوضاع البشرية وانعتاقها وتبنّي منظومة حقوق الإنسان ودعم مكتسبات المعرفة والعلوم مضنّة للوقوع في التقهقر والعودة إلى الظلمات.
ولئن شهد القرن العشرين وكذا العشريتين المنقضيتين من القرن الذي يليه نوعا من الشكّ في اتساق مدلول التقدم البشري، واتسم التعامل مع الزمن بمواصلة الاعتقاد في تقدّم البشرية مع خشية من المخاطر التي تهدّد مستقبلها، فإن التمثّل الإيجابي للزمن لم تبله وطأة الانقطاع إلى حاضر وماض غير قابلين للمُضي في حال سبيلهما، فضلا عن عُقم المستقبل عن تجسيم نُقلة فارقة تسمح بتحقيق الخلاص للبشرية جمعاء.
هذه الصيرورة، تحديدا هي التي حاولنا التثبّت من حقيقة انبثاثها في ثنايا العروض التي تضمنتها "الرزنامة التونسية" وضمن القراءة التي وافانا بها زين العابدين السنوسي ضمن بعض "حلقات" مشروع "موسوعته" حول تاريخ الأدب التونسي في القرن الرابع عشر الهجري/ الموافق للقرن العشرين بالتقويم الميلادي. فقد مثلت الروزنامة التونسية تجربة طريفة في ضربها خاضها الجنرال مْحمد بن الخوجة (1869 - 1943) في بداية القرن الماضي لتنقطع بمجرد إعفائه من إدارة المطبعة الرسمية سنة 1916. وتعرضت مختلف المنشورات السنوية للرزنامة بشكل مفارق جديد إلى مسائل حرّكت فضول المتعلمين من التونسيين وكذا جميع الحاصلين على ملكات من بينهم، لم يكن بوسعها التداول بتلك الكيفية قبل بروز تلك التجربة وتجذّرها ضمن المشهد الثقافي التونسي زمن الاستعمار. فقد توسّع الاهتمام بالمعارف الفلكية والجغرافية والتاريخية والأدبية والإدارية والسياسية والجمالية والفنية وغيرها من المواضيع التي استظرفتها النخب الجديدة واندرجت ضمن التقاليد الوليدة للتونسي. وهو نفس ما تبين لنا حال الاطلاع على مضمون القسم المطبوع من "موسوعة" تاريخ الأدب التونسي لزين العابدين السنوسي، وهو مشروع خلُص للدفاع على نفس التوجهات التي وظفت الانقلاب الحاصل على المعالجة الأدبية التونسية شكلا ومحتوى قصد إثبات حقيقة النقلة الفكرية التي عاشتها نخب الأدب والفن، وذلك من خلال تركيزها على شواغل مُحدثة، أخذ ضمنها الإحساس بالانتماء الوطني والرغبة في التحرّر والانعتاق ومقاومة الظواهر الاجتماعية والثقافية البالية المفرطة في الحسيّة، موقع الصدارة ضمن جميع ما تمكن ممثلوها من نظمه أو نثره طوال النصف الأول من القرن العشرين.
على أن نعمل وفي جانب موازي على استدعاء عينات اتسم خطابها بكثير من الطرافة من بين زخم البحوث والمراجعات التي خطّها المنقطعون لدراسة خصوصيات الشخصية التونسية ميدانيا والعاملين على التعريف بسكان البلاد عرقا ولغة وتراثا وسلوكا وأعمالا وأياما. وهي عينات ممثِلة أثّث مضمونها الاثنو-تراثي مؤلَف محمد بن عثمان الحشايشي "الهدية أو الفوائد العلمية في العادات والتقاليد التونسية"، بينما تعرّضت لما شدّه إلى جذوره العربية الإسلامية وماضي التونسيين اللاتيني الروماني وفق قراءة مشوبة بنَفَسٍ استشراقي، العديد من الأبحاث والاستطلاعات التي خلّفها الأب الكاثوليكي "أندري ديميرسمن" (André Demersseman ).
وهكذا يتبين لنا أن تحرير مختلف الفصول المكونة لهذا الكتاب قد تم بطريقة متساندة، اتصل غرضها بمحاولة استرجاع ذاكرة ضائع الأزمنة وبالتعويل على تغيير زوايا الإضاءة أو مقاييس المقاربة في مراوحة بين "زمن الحكاية" المستندة على الأساطير المؤسسة المدرجة ضمن مدونة الخرافات الشعبية، و"زمن المجال" من خلال البتّ في كيفية توسيع أبعاد الانتماء أو الانتساب بربط تاريخ التونسيين وأخبارهم بتواريخ مجالات ثبت تأثير تاريخها في صناعة مختلف انتماءاتهم. في حين حاول ما نعتناه بـ "زمن الرزنامة" البتّ في انقلاب النظرة إلى الخبر تونسيا عبر ربطه بفضول الشعوب الراغبة في اللحاق بركب الانعتاق والتقدّم، وذلك قبل التفرغ في الأخير إلى استقراء أزمنة "الذات أو الوجدان" من خلال مراجعة عينات مختارة من العروض التي بتّت فيما ميّز شخصية التونسيين وحدّدت تطور مدلول الانتماء والإقبال على معايير وقِيَمٍ بشّرت بها حداثة الغرب المهيمنة بعد تطعيمها بما تمت مراكمته أصالة من ممارسات وعادات مألوفة شكّلت عصارة ثقافة التونسيين وحدّدت طبيعة شخصيتهم الجامعة على الحقيقة.                 



[1]    تودوروف (تزفيطان)، مفاهيم سردية، ترجمة عبد الرحمان مزيان، منشورات الاختلاف، الجزائر 2005.
[2]   ليكوف (جورج)، النظرية المعاصرة للاستعارة، (مختارات 1)، ترجمة طارق النعمان، مكتبة الإسكندرية 2014.  
[3] الخميري (الطاهر)، منتخبات من الأمثال العاميّة التونسية، الدار التونسية للنشر، تونس 1981.
بلحاج عيسى (قاسم)، الأمثال الشعبية في تونس، دار بوسلامة للطباعة والنشر والتوزيع، تونس 1977.
[4]    Delaroix (C), Dosse (F), Garcia (P), Offenstadt (N), Historiographie, II, Concepts et débats, Paris, Folio histoire, Gallimard 2010, Récit, p. 862 – 876.
[5]   Cicéron, De Oratore, Paris, Les Belles Lettres 1921.
[6]       Goyet (Francis), « Racine et le mystère de la bonne rhétorique : repérage de discours dans La ThébaïdeBritannicus et Mithridate », dans Exercice de Rhétorique, [En ligne], 1 | 2013, mis en ligne le 12 novembre 2013, consulté le 25 août 2018. URL : http://journals.openedition.org/rhetorique/98   

[7]     Michelet (Jules), Histoire de France, choix de Textes présentés par Paule Petitier, Paris, Champs classique 2013.
[8]  White (H), Metahistory: The historical imagination in nineteenth-century Europe, Baltimore and London, The Johns Hopkins University Press 1973.
[9]    Historiographies II…, option citée, p. 903 – 911.   

mercredi 20 février 2019

"كثير هذا القليل الذي نمتلك"[i]

















           أن ينخرط التونسيون بما في ذلك القائمين على شأنهم العام بشكل حاسم في انجاز "حلم في المتناول" لا ينتظر سوى اعتباره أفقا لمستقبل قابل للمثول مع حلول العقد الرابع من القرن الواحد والعشرين، ذلك هو الهدف الذي أجهد الهادي بن عباس ومحمد التومي مؤلفا كتاب "تونس في أفق سنة 2040: حلم في المناول"[ii] نفسهما لإقناع المطلعين على ما أوجزاه بقابلية تحقيقه في المستقبل المنظور. فقد تأولت عروضهما تفاصيل خطة محكمة هدفها تحقيق نماء عميم بمواصفات تونسية صرفة.
اعتبر مؤلفا هذا الأثر بحاجة التونسيين الملحّة إلى تطوير سرديتهم الجماعية، وذلك من خلال تصويب النظر نحو حاضر أيامهم وأعمالهم ومستقبلها، معتقدين أن السبيل لتحقيق الرفاه هو الانقطاع نهائيا عن تشغيل آليات الاصطفاف الايديولوجي والدخول في مرحلة جديدة تتسم بالتنافس من أجل تطوير التصوّرات الفكرية والأخلاقية المشجّعة على مواجهة مخلفات الماضي بغرض التحرّر من مساوئه. وهو مجال خصب ينبغي على جميع الفاعلين السياسيين أن يعتبروا بأهميته متنافسين بحماس في اقتراح توجّهات سياسية مجدّدة تسمح بالإقلاع نهائيا عن المناكفة الأزلية والتسويّة إلى أسفل ورفض مبارحة منطق الانحياز لأخف الضررين، والحال أن تضافر الجهود من أجل صياغة ما أسمياه بـ "ديناميكية التميّز" لدى جميع المعتبرين بقيم الجمهورية كما النجاح في تخطي التدبير الخاضع كليّا للحتمية، بوسعهما أن يمكّنا التونسيين من الانخراط بثبات فيما وسماه بـ"عصر السرديات الإيجابية".

توصيف نقدي لأبرز مضامين الكتاب

تم تقسيم مضامين الكتاب منهجيا إلى محورين كبيرين: خُصص أولاهما وقد حمل عنوان "ما الصورة التي يتعين أن تكون عليها تونس في أفق سنة 2040؟" للوقوف عند مؤهلات البلاد وكيفيّة تحويلها تدرّجا إلى قطب انصهار ثقافي متعدّد الدلالات قابل للإدماج والتفتح، وباعتبارها أيضا "فردوسا" للطاقات المتجددة والنظيفة وللمنتجات البيولوجية ولسياحة الرفاه الخضراء، وجميعها أهداف تقتضي الإقدام على إعادة صياغة شاملة لمسألة تدبير الشأن المجالي بالحرص على مزيد عقلنته حضريا وجهويا والعمل على بعث أقطاب تخصّصية كبرى والتدرّج في الانتقال من مركزة الأنشطة الحيوية حول الشاغل التنموي الثقافي إلى محورتها حول القطاعات الاقتصادية، والنجاح تبعا لذلك في بعث عصب للتنمية المتضامنة يربط بفاعلية وذكاء بين شمال البلاد وجنوبها، وبين شرقها وغربها.
اقتضى التبسّط في مثل هذه الصيرورة تحديد كيفية انقلاب سُلم أولويات الفاعلين وتوضيح الأدوار الجديدة للدولة المبنية على التحكيم، والتوجيه، والقيادة السياسية، والتشريع، وللشركاء الاجتماعيين من باعثين، ومُشغلِين، ومُستهلِكين، وموظَفين، وللمجتمع المدني، وللمواطنين وللمحيط الدولي كذلك. في حين احتاج الخوض في توضيح ديناميكية الانتقال إلى تحديد طبيعة محرِّكها والحامل عليها والدافع للدخول فيها. كما شمل الاشارة إلى الطاقات المولِدة لها وقدرة تلك الطاقات على تغطية كامل المدة الزمنية التي من المنتظر أن تستغرقها مرحلة الانسلاخ أو التحوّل، فضلا عن الحاجة إلى تحلّي جميع الفاعلين بالقدرة على التآزر قصد بلوغ الأهداف المرسومة مع مزيد عقلنة الجهود المبذولة وتقسيمها إلى جملة من المحطّات تذليلا للمصاعب، وتوفّر قيادة حكيمة تتسم مختلف مبادراتها أو تصرّفاتها بالدراية المطلوبة. كما تحتاج تلك الديناميكية إلى رسم استراتيجيات تتضمن محاور مُهيكِلة ومُدمِجة قادرة على التعبئة والتقييم الجيّد للنتائج الجزئية التي من المؤمّل تحقيقها، وقراءة الواقع بشكل دقيق قصد الاستباق وتعديل المسارات تفاديا للكبوات وتطويرا للمكتسبات.
تم افراد المحور الثاني من الكتاب الذي حمل عنوان: "كيف يتعين أن يكون التونسي في أفق سنة 2040"، لاستجلاء أهمية التحوّلات المؤدية إلى الرفع من مستوى التنمية البشرية والارتقاء بسجل القيم الأخلاقية حتى تنسجم مع الحاجيات الجديدة للديمقراطية الناشئة المُعتبِرة بنهاية عصور الأيديولوجيات. ومن بين تلك الشروط التي أصر المؤلِفان على إثارتها تمّ التركيز بالخصوص على السيّر في الطريق الصعبة لبناء مصالحة حقيقية للتونسيين مع مؤسسات الدولة والبرهنة على أهليتهم للانقلاب إلى كمال المواطنة بما يتضمنه ذلك من حقوق ويقتضيه من واجبات.  كما شملت تلك الشروط تكريس مفهوم الديمقراطية التشاركية بالاحتكام إلى الشفافية والتعويل على الاستشارة والدفع باتجاه لامركزية القرار وترشيد الحوكمة والقبول بالمساءلة وتحمّل المسؤولية. في حين تم وصل تحقيق كرامة التونسيين بالتدرّج على درب الحصول على حقوقهم الأساسية في التعليم، والثقافة، والوصول إلى المعلومة، والصحة، والطاقة، والماء، والتنقل، والاتصال.
يتبيّن لنا من خلال استعراض المحاور الكبرى لهذا المؤلَف أن الهدف المعلن منه يبقى موصولا بالتفكير في أمثل السبل التي تمكن من إخراج البلاد من المنطقة الرمادية التي تردّت فيها حاضرا، ودفعها إلى الانخراط بثقة ضمن ديناميكية نماء جديدة تنسجم مع أفق سنة 2040. ويمر ذلك ضرورة بالعمل على بناء سردية إيجابية تستند إلى نمذجة استباقية تساعد القارئ على مغالبة جميع دواعي الهروب إلى الأمام أو السقوط في التغريب، وتدفعه بالتعويل على التخيّل الخلاق إلى الاعتبار بأن اختيارات الحاضر هي التي سيبني ما نتطلع إلى عيشه مستقبلا. لذلك يعتقد المؤلفان بأن أمر أي انتقال منظور موصول كأوثق ما يكون بعملية إعادة تفكير شاملة في اختياراتنا الثقافية والنأي نهائيا عن مواصلة الجدل العقيم والهابط الذي تتسم به ساحة الفعل السياسي تونسيا.
وحدها المقاربة الشاملة والمجدّدة للمسألة الثقافية على الشاكلة التي ارتضتها عبقرية مؤسس الدولة الوطنية تونسيا، بمقدورها أن تشكّل رافعة تنمويّة لجميع القطاعات، سياسية كانت أو اقتصادية واجتماعية، توافقا مع ما اقرّه "أندري مالرو" من أن "الثقافة لا تورّث بل تُكتسب".  فالمطلوب هو صياغة مشروع إصلاحي عميق للفرد من خلال تغيير شامل للواقع الذي يعيشه، والاعتبار بما يقتضيه ذلك التحدّي من كفاءة ومسؤولية. وهكذا فإن طرافة مشروع "التونسة" على حد تعبير المؤلفين تكمن في القبول بالانفتاح الداعم للاندماج والرافض لدواعي الاقصاء بالشكل الذي يحوّل تلك الحقيقة الماثلة إلى مكوّن أساسي في موروث التونسيين الثقافي أو في جيناتهم الثقافية. لذلك فإن مستقبل تونس لن يكون إلا في صفّ التعدّدية والادماج والتنوّع الثقافي مع استعصائه على الدغمائية والأحادية. فهذا البلد الصغير بوسعه تشرّب ثقافات الكون قاطبة دون أن يتخلّي عن جيناته الثقافية. لذلك فإن قوته الحقيقة تكمن في طاقته على الادماج وتطوّر تصوّرات نخبه واعتمال أفكارها التحرّرية، مع الاعتبار دائما بسِنة التحوّل.
لذلك فإن التساؤل الحقيقي الذي حاول المؤلفان اقتراح بعض العناصر الكفيلة بالإجابة عنه قد تمثل في أن الاعتراف بحصول ثورة حقيقة تونسيا مرتهن كأوثق ما يكون بقدرة التونسيين على مأسسة التنوّع وتسليط أضواء جديدة على ميراثهم الثقافي المترجم لجماليات عيشهم المشترك؟ أما آية ذلك فتكمن في مدى نجاحهم في تحويل بلادهم إلى أرض لقاء وحور وإدماج ثقافي وفردوسا أخضرا ومركزا لنشر قيم السلم والتدبير العقلاني للمجال، وانتقالها بالتدرج إلى محور اقتصادي وجيو-استراتيجي موجَّه بالكامل لخدمة التنمية المتضامنة.

ملاحظات برقية للإثراء والمساجلة الفكرية

لا مراء في أن مختلف الأفكار المعروضة ضمن هذه العجالة مهمّة ومثيرة للانتباه بل ودافعة إلى الجدل المخصّب للتصوّرات أيضا، فقيمتها الحقيقة موصولة فيما نعتقد في انخراطها التام في تركيب رواية تحمل أفقا حقيقيا للخلاص تخيّر لها المؤلفان تسميته "السردية التونسية الإيجابية". غير أن استحضار ذلك والعمل على بلورته بيانيا ضمن مختلف فصول الكتاب وجداوله التوضيحية، لا يجب أن يُلهينا عن حقيقة الواقع المتشعب الذي نحياه راهنا، سواء على الصعيد الكوني بعد أن تمكّن اقتصاد السوق المعولم الخاضع لنوازع رأسمالية متوحّشة من شطب صورة الدولة الكافلة لمواطنيها والقادرة على الحفاظ على سيادتها، وذلك لفائدة هيكل مفترس تحوّل وفي أقل عن عشرية من الزمن إلى دولة لّوبيات مالية مورّطة في دعم شبكات غامضة لا ترى أي غضاضة في التعامل مع المهربين ومحركي العصابات "المافيوزية". علما أن التحولات التي طالت العديد من الدول مع نهاية القرن العشرين وحال انهيار الاتحاد السوفيتي وسقوط جدار برلين قد أفضت إلى ضرب جميع آليات العودة إلى المؤسسات في العمق، مستعيضة عن جميع ذلك تدريجيا بإخضاع مختلف المعاملات إلى منظومات زبونية على الشاكلة التي تحيل عليها نماذج التنمية المشبوهة التي أفرزتها العديد من الأنظمة المرتهنة لسيطرة الشركات العابرة للقارات، سواء بالمجال المتوسطي والشرق أوسطي، أو بالكيانات الناشئة عن انهيار الأنظمة الشيوعية والاشتراكية بأوروبا الشرقية وبجنوب القارة الأمريكية.
فجميع تلك الكيانات الحادثة كونيا تعيش اليوم واقع متشعّبا يتسم بشدة التعقيد مع تراجع ملحوظ للأدوار الاستراتيجية التي تولتها المؤسسات العمومية القائمة على الخدمات القضائية والإعلامية والتأهيلية أو التكوينية وصناديق التأمين على المرض والمعاشات، تلك التي لم يعد بوسع جميعها مجابهة احتياجاتها أو نفقاتها بالقدر المطلوب من الفاعلية والجوّدة الضامنة لمدلول كرامة البشر. وهو ما ضخّم من شعور المنظورين وفقا لما عايناه تونسيا بعد أحداث بداية سنة 2011 بالمرارة والحرمان وتعاظم خيبة الأمل مقارنة بحجم الوعود والأوهام الأحلام التي راودت التونسيين حال حصول ذلك الحدث الفارق. فقد تم تجاهل شعارات الثورة وتراجعت سلطة الدولة وانحسر مدلول السيادة وضاق أفق الفاعلين السياسيين الذين اكتفى أغلبهم بالركون للمعالجة السطحية للمشاكل الهيكلية المتراكمة. واستشرت سيطرة الفئات العابثة بالقانون التي كادت تجهز على ما بقي من مقدرات الدولة وقُدراتها. وساهم مثل هذا المناخ الموبوء في عودة التصوّرات البدوية المزرية بجميع القوانين وبروز النعرات القبلية والجهوية والمِهنية الضيقة والتمسّك بتدين شعيرة شرّع جميع أشكال التجهيل والانتهازية.
على أن المعضلة الكبرى لا تتمثل على الحقيقة في غياب الأفكار المجدّدة التي يسمح تطبيقها بالدفع نحو تفادي الوقوع في المجهول على غرار الرفع من مستويات الادماج جهويا وتقليص مستويات التهميش وتطوير الاقتصاد التضامني والحدّ من هيمنة القطاعات التجارية الريعية وإحداث أقطاب تنمية أو قاطرات جهوية للنماء وإعادة النظر في تدبير الشأن الترابي وتلافي أزمة المالية العمومية بالانخراط في تصوّر شجاع وإرساء مسطرة جبائية عادلة ومتضامنة تحقّق قولا وفعلا الإدماج الضريبي مع إعلان قانون للطوارئ الاقتصادية يحمي مسار التنمية ويعبئ التمويلات العمومية الذاتية من أجل تطوير تجهيزات البنية فحسب، بل في القدرة على الاقناع بضرورة وضع حدّ لجميع أشكال المداورة والتحيّل والانتظام داخل شبكات غامضة وتفريخ أشكال جديدة من الزبونية غير الممركزة تلك التي قوّت إحساس أغلب الفاعلين الاجتماعيين والاقتصاديين بتفشي الفساد في مفاصل الإدارة وتشظي السلطة وانعدام حضور طرف قادر على حل المشاكل البسيطة قبل المستعصية.
لذلك فإن تدبّر مختلف مكونات "ورقة الطريق" التي اقترحها علينا مؤلفا "تونس في أفق سنة 2040: حلم في المتناول"، مُعتبرٌ من حيث علاقته بالثورة المنظورة في تفكير التونسيين أكثر من اتصاله بالبت في عدم قدرتهم على تجاوز إكراهات ما بعد الهزة العنيفة التي أخرجتهم من حالة الخوف والذهول تلك التي استسلموا لها صاغرين لعشريات متتالية./.

صدرت هذه القراءة النقدية في صحيفة المغرب التونسية بتاريخ 20 فيفري 2019. 



[i]  تضمين مستعار عن ديوان الشاعر التونسي مْحمد الغزي "كثير هذا القليل الذي أخذت".
[ii]  Ben Abbes (Hédi) et Toumi (Mohamed), Tunisie 2040 un rêve accessible. Apollonia Editions, Tunis 2019. 173 pages. 

في مدلول الادماج الاقتصادي من منظور الراضي المؤدب












  
 "ما من سعادة تضاهي العثور على  العبارة"
محمد الظريف (شاعر وأديب صوفي تونسي عاش خلال القرن الرابع عشر)

     
      

        ضمن مؤلف جامع احتوى على 567 صفحة تخيّر راضي المؤدب، وهو خبير اقتصادي ومالي تونسي مرموق وصاحب مكتب دراسات مشهود له بالتميز، علّمت مواقفه وآراؤه الساحة العامة التونسية والأجنبية، ما لا يقل عن 137 مقالا أو رد فعل نشر أغلبها في اللغة الفرنسية وعلى مدى سبع سنوات متتالية بين 19 جانفي 2011 و14 جانفي 2018، وذلك ضمن دوريات مختصة وثقافية وجامعة وعلى مواقع التواصل الاجتماعي والصحف التونسية والأجنبية الورقية والرقمية، أرفق جميعها بتصدير من وضع المؤلف وتقديم حمل عنوان "رسالة فارسية جديدة موجهة لصديق تونسي"، قام جامع تلك المختارات وعلى غرار فيلسوف الأنوار "مونسكيو" برده إلى "يعقوب بورجل الفارسي"، مُفضّلا غلق مؤلَفه بـخاتمة وُسمت بـ "على سبيل فاتحة متجدّدة"، أدرج ضمنها مقالين ختاميين نشرا بتاريخ  الـ 14 من شهر جانفي 2018، بكل من صحيفة "لابراس" التونسية "سبع سنوات بعد"، و"لوموند الاقتصادي": "تونس أزمة اقتصادية واجتماعية تصرّ على التفاقم والاستمرار".
قام ناشر هذه المقترحات (الذي لم يوافينا المؤلف بجهته) بتقسيم عروضه أو مختاراته إلى خمسة أغراض متفاوتة حجما، أضخمها تلك التي اتصلت بمتابعة حقيقة الأوضاع الاقتصادية بتونس (62 مقالا صحفيا و204 من الصفحات)، تلتها مقالات تحيل على الأوضاع السياسية (45 مقالا و240 من الصفحات)، فمختارات ذات صلة بعلاقات تونس الدولية (21 مقالا جمعت في 69 صفحة)، وكذا منظومتها الضريبية (مقالان في أقل من 10 صفحات) وواقعها الاجتماعي (5 مقالات في 18 صفحة). ولعل في هذا التدرّج البياني لعروض الكتاب ما يشي بحضور تفاوت بين الأقسام، مع الدفع باتجاه التبويب الغرضي دون تقصّ واضح لشاغل التوازن، حتى وإن شكل التدرّج الزمني للعروض المستجلبة واندراج الشواغل السياسية والديبلوماسية والضريبية والاجتماعية ضمن تحوّلات الواقع  الاقتصادي لمرحلة ما بعد 2011، الخيط الهادي لهذا التأليف على الحقيقة.
تميزت العروض المستجلبة ضمن هذا الأثر إذن باتصال واضعها وباعتباره خبير مرموق بالواقع الاقتصادي الدولي، وعدم اقتصاره على التصوّرات النظرية التي ليس بوسعها تخطي حيز الانطباع الفكري المفصول عن الواقع، مع قدرة جليّة على تجاوز الجوانب الفنية البحتة وسهولة في رسم معالم سياسة جديدة للإصلاح ذات نفسي بيداغوجي يعزّ حضوره لدى سواه من المهتمين بالشأن الاقتصادي أو من المحسوبين على "الطبقة" السياسية". فقد بدت لنا التصوّرات التي صاغها الراضي المؤدب منفتحة بشكل واضح على الدرس الاجتماعي، خاصة حال حديثه عن التحوّلات التي طالت الفئات الاجتماعية الوسطى وتركيزه على التناضد بين ما وسمه بـ "الكسرين الاجتماعي والاقتصادي"، مع الوفاء دائما لتوجهات تجريبية تقتفي النفع دون الانحياز إلى أي من التصوّرين الليبرالي المستند إلى حرية السوق أو الدولاني المتعصب لأولوية تدخل الدولة لتعديل الواقع الاقتصادي، بحيث بدت عروضه منخرطة وإذا ما تملينا العرض النقدي الذي خصها به أستاذ الاقتصاد "بكار غريب" في تصورات لا تبتعد من حيث توجهاتها الكبرى عن تلك التي بشرت بها الهيئات المالية والاقتصادية الدولية.
فالمنظومة الاقتصادية التونسية تحتاج من منظور راضي المؤدب إلى أنموذج تصرف ليبرالي معدّل يعيد هيكلة مرتكزاتها، مع تمسّك معلن بالمكاسب الاجتماعية التي تحيل سياسيا على توجهات وسط اليسار. لذلك فإن أهم المعاني التي قامت عليها مختلف المقالات التي تخيّرتها الرؤية الناظمة لمؤلِف الراضي المؤدب، هي بلا جدال دفاعه المستميت على ضرورة نجاح الاقتصاد التونسي في تكريس "الادماج الاقتصادي والمالي"، مع التركيز في توضيح هذا التمشي وبشكل لا يحتمل أدنى تردّد على الأسباب الاقتصادية التي علَّمت سياقات ما جدّ مع حلول سنة 2011 تونسيا، حتى وإن طوّحت الطبقة السياسية الناسلة عن تلك السياقات بعيدا عنها، بل وعمدت في أحيان كثيرة إلى اقصائها عن الصعوبات الحقيقية التي ما انفكت تقضّ مضاجع التونسيين وساستهم حاضرا.
فالمشاكل الحقيقة تكمن في تفاقم معدلات البطالة لدى الفئات الشابة وانعدم التنمية المتوازنة بين الجهات، وهي مشاكل عويصة لا يمكن في تصوّر المؤلف حلّها خارج سياسة اقتصادية تحول نهائيا دون العوائق التي كبلت لعشريات متتالية المبادرة الفردية لباعثي المؤسسات الاقتصادية الخاصة، والاعتراض مبدئيا وبشكل لا يتضمن أي مهادنة على التصورات الارجائية التي تعمد إلى تقسيم زمن الاصلاح إلى مراحل سياسية وأخرى اجتماعية ثم اقتصادية منفصلة عن بعضها البعض.
توفر مؤلف هذه العروض على قدرة كبيرة على المباشرة وبسط الحقيقة مع دقة تبليغ تتحاشى كل سقوط في الانشاء أو الخطابة، وهو أمر ردّه "بكار غريب" دائما إلى متانة تكوين المؤلف الذي حظي بتأطير كبار العارفين بالعلوم السياسية والاقتصادية على غرار استاذ الاقتصاد السياسي والتحاليل الاقتصادية الماركسية بجامعة سترازبورغ الفرنسية "جيرار دي بارنيس". لذلك لا تخلو معظم التحاليل المقترحة من توطين تاريخي مفيد، مع حضور لافت للصوّر الدالة أو الاستعارات، على شاكلة تشبيه البلاد التونسية بــ"الكائن الرخوي المنزاح باتجاه الساحل"، والحال أنه قد بات من الضروري تحويل البلاد إلى "كائن يمتلك فقريات تسعفه في تجاوز حالة انعدام التوازن الجهوي والافتقار المستديم إلى العدالة الترابية".
تحضر نفس تلك التشابيه حال الحديث عن نسب النمو المسجلة خلال سنوات ما قبل 2011 وذلك عبر نعتها وبشكل بليغ بـ "السقف الزجاجي" الذي ليس بوسع المنظومة الاقتصادية التونسية تخطيه. أو توصيف الاقتصاد التونسي بـ"سفينة تمخر عباب البحر، لذلك يتعين الاتصاف بتوفر الكفاءة العالية في القيادة إذا ما عنّ لنا تحويل وجهتها بطريقة تضمن سلامة ما تحمله من مقدرات، وإلا فإن مصيرها لن يكون إلا الغرق المحتوم".
وهكذا فقد توصّل المؤلف وببراعة كبيرة إلى تخطي موقع باعث المشاريع ورجل الأعمال الناجح، وكذا المهندس المختصّ، ليأخذ موقع السياسي المحنّك بل وحتى المثقف أو المفكّر بالمعنى الراقي للكلمة. ففي معرض تعليقه على ما تعاينه الساحة السياسية التونسية حاضرا من إعادة ترتيب شدّد الراضي المؤدب على أن "إعادة التوازنات الحيوية للبلاد لا يمكن أن يحصل بمجرد المصادقة على جملة من التفاهمات بخصوص نقاط موضوعة بشكل مسبق ضمن ما اتفق على تسميته بـ"وثيقة قرطاج الثانية"، بل يحتاج إلى رؤية شاملة ومشروع مجتمعي متكامل، لأن الإصلاح ليس بالأمر المحايد على الإطلاق بل هو توجه يضع نفسه في خدمة مشروع له طبيعة سياسية بالضرورة."
لذلك يتراءى لنا أن ليس للمختارات الواردة ضمن هذا الأثر الموسوم بـ"خيبة الياسمين" من دور غير الاعتبار بمحورية تجاوز القراءات التشخصية وعرض أفكار أو مقترحات عملية وتحاليل ضافية تكفل لصانعي القرار امكانيات الخروج من حالة الانتظار الدرامية التي تردوا فيها، مع إيمان عميق بالتوفر موضوعيا على إمكانية حقيقية لخروج هذا البلد الصغير المتوفّر على مقدرات كيفيّة مهمة من أزمته الخانقة، بشرط عودة جميع قواه الحيّة إلى موفور الكدّ وخالص العمل.
والمحيّر حقيقة في تشخيص الراضي المؤدب وتوصيفه لنجاعة البدائل المقترحة، أن لا رغبة لديه (استنادا لما شدّد عليه تصريحا وأومأت له سميائيا صورته الذاوية إراديا على غلاف الكتاب) في مباشرة  صنع القرار أو الاسهام المباشر في تنفيذه، وهو موقف حيادي ليس لنا غير احترامه، مع التأكيد على حدوده الاجرائية ومن منظورنا الخاص، إن على صعيد الفعل السياسي أو فيما يتصل بالنضال المدني أيضا.   
في مدلول العروض التشخصية
حاول المؤلف رد واقع ما بعد 2011 إلى العديد من المظاهر التي أخذت تتفاقم طيلة السنوات السبع المنقضية، ومن أهم تلك المظاهر المزرية أو السلبية: تجاهل الشعارات الأصلية التي قامت عليها التحركات الاجتماعية، وتراجع سلطة الدولة، فضلا عن الأفق الضيق للطبقة السياسية التي لم تتجاوز مقترحاتها منطق المعالجة السطحية، الأمر الذي زاد في ارتهان مؤسسات الدولة وهياكلها لسطوة الفئات الاجتماعية المتنمرة العابثة بجميع القوانين. لذلك يعتقد الراضي المؤدب - وهو على تمام صواب - أن مختلف الفاعلين السياسيين قد أجهزوا على ما تبقى من مدخرات الدولة ومقدراتها.
فقد وضع المؤلف الأصبع منذ المقالات التي نشرها سنة 2011 على الأخطار الكبرى التي حفت ولا تزال بمؤسسات الدولة وبالتوازنات الحيوية للمجتمع التونسي ومن أوكدها: العودة المرعبة للتمثلات البدوية وتفاقم النعرات الجهوية واتساع تدين الواجهة أو الشعيرة وانحلال الروابط الاجتماعية بمفعول الامعان في الانكفاء حول المصالح الفئوية أو المهنية الضيقة. على أن تراجع سلطة الدولة قد أحدث امتدادا غير مسبوق للمحسوبية، مؤديا إلى انفجار نسق الانشطة الموازية ضمن القطاعات الاقتصادية غير المنظمة، مع تورط كافة الفاعلين في إعلاء منسوب الخُطب الشعبوية الفاقدة لإنتاج المعنى أو الدلالة. لذلك فإن كل المحاولات الرامية إلى اعتماد إصلاحات عملية قد أُفرغت من كل مضمون، اعتبارا لطبيعة الترضيات القطاعية والايديولوجية التي تورطت مؤسسات الدولة مُكرهة في منحها بسخاء وضعف تقدير أيضا لمختلف الأطراف نظير القبول بإجراءاتها المبتورة.
فقد بدت جميع هياكل الدولة التونسية واهنة وبشكل مخجل أحيانا، بحث شكل تعبير بعض الفئات الضيقة عن احتجاجها، سببا كافيا لإرجاء حزم الاصلاحات الضرورية، وفشلت جميع الحكومات المتعاقبة في اعتماد برنامج إصلاحي واضح المعالم. كما بيّنت التجارب التي خاضتها تلك الحكومات صعوبات السياقات التي حفت بعملها، مع انعدام نجابة حقيقية في معالجة الملفات الاقتصادية الصعبة والاكتفاء بتشغيل السجالات الإيديولوجية واعتماد أساليب بدت للمؤلف أقرب إلى الفجاجة والصراخ منها إلى حضور أفكار اقتصادية لافتة ومجدّدة تُنبئ بتوفر القائمين عليها على ثقافة سياسية واقتصادية عميقة. فقد افتقدت جل الأحزاب السياسية بما في ذلك الجماهرية منها، لأي برنامج اقتصادي واجتماعي واضح. كما أن توسيع دائرة المشاركة في تصريف الشأن العام قد ساهم من جانبه في انتفاء كل خصوصية والقضاء على كل رؤية أو منهجية دقيقة حال مباشرة الفعل السياسي. فقد انزلقت جميع السياسات من دون تمييز في تشجيع الاستهلاك على حساب الاستثمار والتداين على حساب الادخار، وفض المشاكل الاجتماعية المتفاقمة على معالجة الأوضاع الاقتصادية المتردّية، والاغضاء تبعا لذلك عن الهفوات وعدم القدرة على محاسبة مقترفيها، ودعوة الكافة إلى مزيد من العمل وبذل الجهد. فمختلف الحكومات التي تعاقبت على تصريف شؤون البلاد لم يزد جهدها في الأخير على التهيّب من فتح الملفات الصعبة وتفضيل ترحيل النظر فيها إلى الحكومات التي عقبتها.
ولأن مسألة الاصلاح لابد أن تتضمن رؤية سياسية، فقد حاول المؤلف موافاتنا بتصوراته الشخصية بهذا الخصوص، مشدّدا على ضرورة تغيير أساليب الانتاج وأشكال توزيع الثروة أيضا. غير أن مثل تلك التصوّرات على قيمتها التي لا تناقش قد لاقت مناهضة شديدة من قبل الفئات المتهيّبة من الشروع في تكريسها تضييقا على مصالحها الحيوية، في حين أن بقية الفئات الاجتماعية الوسطى المفقّرة وجحافل العاطلين وساكنة الجهات المحرومة من التنمية، لم يبد جميعها اكتراثا كبيرا بالأمر ولم يُسهم تبعا لذلك في التعبئة من أجل تطبيق تلك الاصلاحات الضرورية. ويعود ذلك في تصور الراضي المؤدب دائما إلى انعدام توفر الفاعلين السياسيين والمدنيين كما النخب المثقفة إلى مقترحات بيداغوجية المضمون، تسمح بتوضيح الخطط التنموية وتسعف في شحن العزائم وطمأنة الكافة بخصوص المستقبل مع الالمعية السياسية في صياغة ما يسمه المؤلف بـ"الحلم الجماعي" لدى طبقة سياسية عرجاء بدت له غير معنية تماما ببناء مستقبل البلاد والدفع باتجاه الايمان العميق بجدوى تحويل ذلك الحلم العزيز من مجال القوة إلى مظان الفعل والمراكمة.
فسحة للمقترحات:
يعتبر مؤلف "خيبة الياسمين" أن معظم المشاكل الاقتصادية التي تجابهها البلاد ذات أصرة وثيقة بمنوال التنمية الذي ذهب فصله بالكامل بعد مرور قرابة النصف قرن عن وضعه موضع التنفيذ، وهو منوال ركّز بالأساس على قطاعات المناولة وعلى امتيازات الاستثمار التي وفّرتها البلاد مقارنة بأجوارها الأوروبيين وخاصة فيما يتعلق بالكُلفة المالية وتدني أجور اليد العاملة. هذا المنوال التنموي أصبح اليوم غير قابل للانتعاش في المستقبل المنظور، باعتبار طبيعته التي ساهمت في تفاقم عدد العاطلين مع الكفّ تماما عن خلق مواطن شغل جديدة لحاملي شهادات جامعية عالية تتعارض تطلعاتهم المهنية مع طبيعته القطاعات المرتكزة بشكل شبه مطلق على رخيص المناولة. فحتى إن كان بوسع هذا المنوال مواصلة الرفع من نسب النمو، فإنه قد أضحى غير قابل لتحقيق التنمية، لأنه طبيعته غير عادلة ولا تضمن حد معقولا من التكافؤ على الصعيد المجالي والاجتماعي.
وعموما فأن اتفاق مختلف العائلات السياسية أو الحزبية في تونس بخصوص ضرورة تغيير هذا المنوال التنموي، لم يبرح مستوى الخطاب اللفظي، حيث لم تتضمن مشاريعها أو مقترحاتها السياسية تصوّرات واضحة دقيقة وبدائل تنموية حقيقية. لذلك فإن تجاوز مثل هذا الواقع الارجائي وهذه السلبية المملة لا يمكن أن يمر إلا من بوابة الدفع باتجاه إقرار مقاربة اقتصادية وتنموية تشجّع على الادماج الاقتصادي وتعمل على تطوير قدرات القطاعات الاقتصادية التضامنية التي بينت تجارب العديد من الدول المتقدمة أن بوسعها إحداث مواطن شغل جديدة لأكثر من عشرة بالمائة من السكان الناشطين، مع تطوير نسق التصنيع، خاصة وأن العديد من المجموعات الصناعية الكبرى التي تم انشاؤها بتونس قد اتجهت بعدُ نحو تحويل أنشطتها باتجاه القطاعات الأكثر ربحية على غرار التجارة والتوريد أو تمثيل العلامات التجارية المشهورة دوليا، وهو وضع يذكّر في تصور "بكار غريب" بالخطاب الاقتصادي لعشرية ستينات القرن العشرين، لما كان القائمون على مؤسسات الدولة يحثون الباعثين التونسيين على الاستثمار في التصنيع وعدم الاكتفاء بالقطاعات الريعية التي لا يتوفر على قيمة اقتصادية مضافة.
ليس هناك من شكّ في أن هذا الانتظار المكلف اقتصاديا والتراجع الملحوظ للنسيج الصناعي يعود بالأساس وفي تصور مؤلف هذه المقالات إلى ضعف الاستثمارات وصعوبة نقل التكنولوجيا وإعادة التموقع الاستراتيجي إقليميا وقاريا ودوليا، مع التشديد على ضرورة الدفع باتجاه الترقّي وتحسين جودة المنتوج، بغية تطوير ربحية القطاعات الاقتصادية وقدرتها الحقيقية على المنافسة أيضا.
ومهما يكن من واقعية أزمة منوال التنمية تونسيا، فإن حقيقة الأوضاع قد دفعت باتجاه الانتقال من تواضع إجرائية المنوال التنموي إلى حضور أزمة خانقة للمالية العمومية، عرض المؤدب بشأنها حزمة من الإصلاحات تمثّلت بالأساس في تطوير المداخيل تجاوزا للاكتفاء بتشخيص تفاقم مصاريف الدولة، حيث اعتبر المؤلِف أن البحث عن تطوير المداخيل العمومية متصل كأوثق ما يكون بتحديد موارد جديدة للجباية العادلة المتضامنة تتجاوز القطاعات الاقتصادية المنظمة وتتقصى الادماج الضريبي الذي بدا له قادرا حال النجاح في توسيع قاعدته ليشمل فئات جديدة قابلة إراديا ومصلحيا بالالتزام بالانتظام على شرط  العمل بجدية على الحد من ارتفاع قيمة الضرائب، وهو تصرّف لا يمكن إلا أن يستفيد منه الكافة، مع العمل بواقعية على إنهاء العمل بأنظمة الأداء التقديرية أو الاجمالية (Régimes forfaitaires).
أما بخصوص المصاريف العمومية فالمنتظر إعادة هيكلة أنظمة التعويض على استهلاك المواد الأساسية والاستراتيجية، مع الحذر من مغبة الارتفاع المشطّ لنسب التضخم نتيجة للترفيع في أسعار المحروقات بعد تحريرها التدريجي. وعموما توفرت مقترحات المؤلف على توجه يرمي إلى ضرورة إصلاح صندوق التعويض، وهو ما يتقاطع مع ما أقره البنك الدولي باعتبار طبيعة ذلك الصندوق التي انزاحت بالكامل على أهدافها الأصلية وأضحت لا تخدم سواء الشرائح المرفهة عاملة بشكل عبثي على ارتهان الشرائح الفقيرة التي من المفروض أخلاقيا أن تكون المستفيدة الوحيدة من وجود مثل هذا النظام. أما بالنسبة للصناديق الاجتماعية فلئن بدت طبيعة الإصلاحات المقترحة موجعة، فإن ضرورة القيام بها لا يتعين أن تحيل على نوع من تنصل المجتمع من مسؤولياته الوجوبية تجاه من تعهدوا بتنميته على مدى عشريات من الزمن. على أن الشروع في اصلاح المالية العمومية مرتهن سياقيا بواقع وجودها بين فكي كمشة تفاقم الطلبات وانحسار المداخيل أو الامكانيات المرصودة لإحداث التنمية، لذلك فإن احدى الحلول المقترحة من قبل الراضي المؤدب يمكن أن تُحيل على تشجيع الشراكة بين القطاعين العمومي والخاص، بعد أن بات من أوكد الضرورات حاضرا إصلاح المالية العمومية والحدّ من المشاكل العويصة المترتبة عن تفاقم المديونية التي تدفع بالبلاد قُدما نحو مزيد من التبعية والتفقير.
تقف مقترحات مؤلف "خيبة الياسمين" أيضا عند معضلة التنمية الجهوية، إذ يعتبر واضع هذه المقالات أن المغالاة في تطبق النموذج الاقتصادي الليبرالي قد تسبب بلا ريب في تفقير الجهات الداخلية، مع التركيز على سراب مقترحات الحلول التي تبدو صائبة في ظاهرها، حتى وإن انطوى وضعها موضع التطبيق على أرض الواقع على نتائج جد كارثية، من ذلك مثلا أن فك الانكفاء عبر تطوير تجهيزات البنية بشق الطرقات بوسعه أن يؤدي موضوعيا وفي غياب تثبيت السكان على أراضيهم ومنحهم فرص شغل حقيقية ومتوازنة إلى تسريع نسق الطرد باتجاه الجهات الساحلية، دون قدرة حقيقية على عكس التيار جَلْبًا، وهو واقع ماثل حضرا إذا ما نحن تملّينا بشكل عميق عروض "محمود بن رمضان" بخصوص واقع النزوح من الجهات الداخلية الوسطى (سيدي بوزيد والقصرين) باتجاه الجهات الساحلية الشرقية، فدور القطاع الزراعي لا يقف عند الزيادة في المردودية وتطوير الإنتاج، بل يتضمن أبعاد محايثة تكتسي من منظور الراضي المؤدب أهمية بالغة على غرار تهيئة المجال والمحافظة على النسيج الاجتماعي. على أنه بالوسع إدراج الأنشطة الاستخراجية مثل مناجم الفسفاط الذي شبهها المؤلف وفي استعارة بليغة بـ "الدجاجة ذات البيض الذهبي"، بحيث يُخشى أن تكون نهايتها مأسوية على شاكلة ما آل إليه أمر تلك "الدجاجة" المسكينة.
ما من حل أمام الاقتصاد التونسي غير الدفع قدما باتجاه تطوير المبادرة وإنشاء المؤسسات الاقتصادية الخاصة، حتى وإن بيّن واقع الحال أن ما أُحدث من مؤسسات عمومية بالجهات على ندرته، لا يكف على تقديم ترضيات عالية لناشطين لا يتحلّون بالقدر المأمول من الكفاءة والمسؤولية التي تحتاجها كل محاولة لتشجيع إحداث مؤسسات اقتصادية خاصة تكون في مستوى المنافسة وتضمن قدرا من الربحية المُجزية، وهو ما قد يشكّل مستقبلا عنصر إضافيا للطرد أو العزوف لدى معظم المستثمرين.
وفي المحصلة فقد عمل المؤلف ومنذ سنة 2012 أي منذ بواكير المخاطر التي بدأت تهدد فعليّا الاقتصاد التونسي على الكشف عن أسبابها العميقة المتمثلة في مغادرة النخب الفاعلة للبلاد وترهل الاقتصاد الذي سيطرت على مفاصله بَعدُ "لوبيات" الفساد، مع تعاظم الانغلاق الاقتصادي والتبئير المرضي حول المعالجات المتمسكة بسراب الهوية وتشغيل المنطق العكر للحليّة والتحريم.
على أن ما انتهت إليه الأوضاع بعد انتخابات 2014 قد دفع بالمؤلف إلى الاعتقاد بأن البلاد محتاجة إلى عشرية تنمية مستدامة، لكي تتمكن موضوعيا من تحسين أوضاعها وتجاوز أزمتها، وهو واقع لم يعرف وحتى اللحظة التي نعيش أي مؤشرات دالة تنبئ بتعافي حقيقي لاقتصاد للبلاد.
ولئن تضمنت العروض المقترحة تصوّرات متوازنة تبرهن على حضور خطة اقتصادية واجتماعية ومشروع متكامل يضمن رؤية تُسعف في اخراج اقتصاد البلاد من أزمته الخانقة، فإن المؤلف وعلى رأي "بكار غريب" دائما لم يحدد بشكل واضح ما هي القوة الاجتماعية التي يمكن أن يستند عليها مشروعه الاصلاحي، والحال أن وسط اليسار الذي يمكن أن يُحسَب عليه خبيرنا مشدود إلى تصورات سياسيا انقسامية تزيد في تآكله الملحوظ يوما بعد يوم، منبئة بعودتها إلى موقع "جامعة الصفر فاصل"، وأن الاجابة الحقيقة على المطالب الاجتماعية لما بعد 2011 تحتاج إلى كثير من الشجاعة السياسية مع ضرورة وضع حدّ لسطوة الأناوات المتضخمة والأنانيات الجارفة وردود الفعل الحرفية أو القطاعية الضيقة والتمسّك بالامتيازات غير المشروعة. وحتى وإن حافظ المؤلف على تفاؤله الحذر بخصوص الإمكانيات العمليّة لتجاوز الأزمة على شاكلة ما توصّل التونسيون إلى القيام به خلال ستينات وعند ثمانينات القرن العشرين، فإن واقع الحال بجميع تعقيداته لا ينطوي على الجرعة المطلوبة من التفاؤل حيال الغياب التام لأي مشروع يمكن النجاح في التعبئة الشعبية حوله. ومع كل ذلك يصرّ الراضي المؤدب على الاعتقاد بأن "التشاؤم مسألة انطباعية بحتة، وأن التفاؤل موصول بالتطوّع"، ودعوة الكافة إلى الدفع باتجاه حشد الهمم والاعلاء من قيم البذل وخدمة المصلحة العامة والاعتبار بأولية الادماج الاقتصادي ضمن كل السياسات العامة الموضوعة من أجل تجاوز مخلفات أزمة ما بعد أحداث 2011 الفارقة تونسيا.
قد يكون ما حبره المؤلِف نوعا من السجل الشخصي الذي تقاسم من خلاله رفقة متابعي مقالاته الكثر مشاغل العارف بعالم المال والأعمال، ومخاوف المناضل المدني والمتابع القريب للشأن العام تونسيا ودوليا، وتأملات رجل الخبرة الذي يستعد في سكينة مُغرية لمغادرة مجال الحياة العملية وتقديم المشعل للأجيال الجديدة، غير أن حضوره اللافت على ساحة السجال الفكري تونسيا يشي بغير ما يصرّ على ترديده في جميع المناسبات، جاعلا منه - وضد مشيئته في أحيان كثيرة - صانع حلول طريفة، وموجّها لافت للراي العام التونسي نخبويا كان أم شعبيا. لذلك فإن رصيده المعرفي والمهني وخبرته الميدانية يتعيّن أن تجد لها موقعا ضمن نُخب الفكر والفن، وذلك عبر دعوته رسميا إلى الانضمام إلى النادي الضيق للأكاديمية التونسية، مع ضرورة اقناعه بترأس هيئة عليا للتفكير والقيادة ومتابعة الأوضاع الاقتصادية والمالية الحساسة للبلاد.     
صدرت هذه القراءة النقدية في صحيفة المغرب التونسية بتاريخ 8 أوت 2018.