lundi 30 janvier 2017

"السمو فوق الخزي" الضحية والبطل وواجب الذاكرة
















ليس هناك من مهمّة أعقد أمام المؤرخ حاضرا من التدقيق في التحولات التي طالت أشكال تمثل الموقع الذي يصدر عنه الضحايا في المجتمعات الحديثة. ففتح هذا الملف يحيل بالضرورة على الرهانات الرمزية والاجتماعية المتصلة بثقافة الاعتراف أو ما تم وسمه بـ"السمو فوق الخزي"، تحسّسا لما تم إقصاؤه عن دائرة المفكر فيه وفتح باب الشهادة بخصوص ما تم اقترافه مع عدم التهيّب من إدراجه ضمن المروية الجماعية لبني البشر.
فقد شكل الاستماع لشهادات ضحايا القهر والاستبداد منذ ستينات القرن الماضي انقلابا حقيقيا هزّ جميع الأطر الرمزية الناظمة لمدلول البطولة والمعنى العميق للتضحية أيضا. فقد عاينت الإنسانية تحوّلا فارقا في الاشتغال على التاريخ وعلى الذاكرة الجماعية، وتم إبداء نجابة غير مسبوقة في إلحاق ضحايا الماضي بالتاريخ مع حصولهم أخيرا على موقع يضاهي جميع الذوات التي ضربت مواعيد حقيقة مع التاريخ. فقد اندس في ثنايا شهاداتهم عن تجاربهم الفارقة تعقّل جديد للسياقات التي حفّت بها، فأضحت تُطلب لإكساب الصدمات التي أرزت بكرامتهم البشرية وعمّقت من عذاباتهم مدلولا حوّل مسارتهم الشخصيّة إلى رصيد متقاسم يتّضح وجهه المُشرق حال التوقّف عند تفاصيل الوضعيات اللا إنسانية التي قدر لهم أن يعشوها. وهو ما حوّلهم إلى فاعلين اجتماعين من الدرجة الأولى، طفت على سطح خطابتهم شخصياتهم القوية التي قبلت بالمنازلة مع من تورطوا في قهرهم. الشيء الذي وضع تحت أنظارنا وتصرفنا أيضا، تجارب كشفت عن مآسي الحياة البشرية، ورفعت الحُجب عن كمال من عاشوها، وعن سقطاتهم أيضا.
هذا ما تتشوف مبدئيا الهياكل المكلّفة بالكشف عن حقيقة ولوغ دولة الاستبداد تونسيا في تعذيب الممانعين ضد سياساتها ومساعدة الضحايا على استرجاع جانب من كرامتهم المهدورة، إلى إنجازه ضمن سياق ما اصطلح على تسميته بـ"التحول الديمقراطي". غير أن محصلة ما تم الإنصات إليه من شهادات بخصوص الممارسات الوحشية لـ"زبانية التعذيب"، لا تبدو كافية لتحقيق حدّ من التطهير الجماعي والإنصاف، استعدادا لطي صفحة الماضي الأليم وتحقيق المصالحة المنشودة، ما لم يعبّر المنخرطون في العسف والتعدي عن شعور صادق بالندم، ويتم التثبّت من حقيقة عودة وعيهم بفداحة ما تورطوا في اقترافه من تصرفات وحشيّة أمعنت في التعدي على حرمة الذات البشرية. 
على أن ضبابية الإستراتجيات المعلنة من قبل مختلف الأطراف المشكّلة للساحة العامة تونسيا، لا تبدي من ناحيتها حدا كافيا من الانسجام بخصوص الأساليب المعتمدة والأهداف المرجوة من إتمام هذه الخطوة الفارقة في مسار الانتقال السياسي تونسيا. فالواضح أن شروخ الماضي لم تكف عن النزيف، وأن توظيفها سياسيا هو الشاغل المحوري، قياسا لما يفترض انتظاره واقعيا من انجاز هذه المرحلة الصعبة.     
عموما لا ينبئ تمثل الضحية كونيا عن حضور فهم سويّ لموقعها، فغالبا ما تضمنت الصورة المنقولة قدرا غير قليلا من الالتباس جعلها تتأرجح بين الدعوة إلى ضرورة نسيان ما تم اقترافه بوصفه ممارسة غير إنسانية تنحدر بالذات إلى ما دون إنسانيتها، وتعظيم بطولة الضحيّة بعد تحويلها وعلى صعيد الذاكرة الجماعية إلى واحد من أسمى معاني الفضيلة أو الكمال البشري. ويتراءى لنا حال التوقف عند هذين المفهومين الرمزين أن تبادل المواقع بين الضحية والجلاد قد ارتهن بمدى تشريع ممارسة العنف وحدود حرية الحكّام في اللجوء إلى ذلك أيضا. فقبول الضحايا بقسوة التعذيب بمنتهى السلبية يفقدهم جانبا من بشريتهم، في حين لم تخل تصرفات من قدر لهم احتلال موقع الجلادين من شبهة الإفراط في اللجوء إلى العنف، حتى وإن تواروا خلف ستار أخلاقي سميك يسحب على تصرفاتهم مدلولا إيديولوجيا متعاليا.
إن الدفع باتجاه تجاهل الضحيّة عبر التمثّل غير الواعي لانحدار قيمتها البشرية والتعبير عن ذلك بصوّر وتصرفات وأصوات مبهمة وذكريات ملغزة، ينبئ عن حضور حاجز نفسي يقصُر التفكير بخصوصها في مدلول حياتها التي لا تستحق أن تُحي، توافقا مع ما توسّع في تقريبه إلى أذهاننا الفيلسوف الإيطالي "جورجيو أغانبين Giorgio Agamben" حال تشديده على حقيقة الإقصاء المزدوج للضحية (Homo Sacer) عن كلا الخطابين الدنيوي والمقدس. 
لكن ألا يحيل نسيان الضحية على تجاهل بشرية الإنسان المنهزم وشعوره بالمهانة ونقصان ملكة الإباء، والتعامل بكثير من السلبيّة حال التخلي قهريا عن الفضائل المتّصلة بالكرامة البشرية؟ 
ينبغي الاعتراف بأنه ليس بوسع النسيان أن يتأسس من خارج حصول تعارض بينه وبين الذاكرة. فما دامت ذاكرة الجلادين (أي الماسكين بالشرعية السياسية بالمدلول التاريخي ) قادرة على تبرير تصرفاتهم المهينة لكرامة البشر بكل سهولة، فإن ذاكرة ضحاياهم ليس بمقدورها التعبير عن ذاتها وتأثيم ولوغ المنتصرين في اللجوء إلى العنف بوصفه الشكل الأوحد لوضع حد للمناكفة أو الصراع. لذلك يبدو من الصعب إزاء وضع كهذا تعبير الضحيّة عن شروخها دون تهيّبها من الاستهانة بعذاباتها أو الطعن في براءتها مما أُلصِق بها، والقبول الواعي بأن "عُريها" الرمزي قد شكل على الحقيقة تجربة حدود ضمن الوجود البشري.
تحيل شهادات الضحايا بهذا الشكل على ذاكرة أصحابها وعلى نثار من سياقات الواقع المدمّر الذي قدر لهم أن يعيشوه. كما تُنبئ عن جوانب من ذاكرة أولئك الذين لم يسعفهم الحظّ في الإدلاء بشهاداتهم حول ما قاسوه. فالإقدام على وضع كلمات على فضيع الإهانات التي سُلطت على المستهدفين يثبت شجاعة هؤلاء في الكشف عن وجوههم دون فقدان مائها، ويحوّلهم إلى أبطال يشكّل تسليط الضوء على ما تلمضوه من مرارات أحد المواضيع المعلِّمة لفكر الحداثة راهنا. في حين يحوّل الشعور بالهوان المتقاسم بين المخاطب وسامعه مواقعهما حال الإنصات لتفاصيل ما أُكرِه الضحايا على مقاساته من عذابات، مُعلنا بطريقته الخاصة عن بروز الفرد الاجتماعي المُنْشَّدِ إلى تصوّر جديد يأخذ بعين الاعتبار سياسيا وقانونيا وأخلاقيا حقيقة اتسام مختلف تصرفات بني البشر بالهشاشة، وسهولة انزلاق جميعهم في اقتراف المحظور أيضا./.  

شكلت هذه العروض افتتاحية العدد الأخير من مجلة "الفكر الجديد"

samedi 5 novembre 2016

معالجات تأثيلية لمعاني لغة الذكر الحكيم












         تسببت دراسة تأثيلية حول المدلول التاريخي للغة القرآن نشرت في حدود سنة 2000 تحت عنوان "قراءة سريانية أرمية للقرآن: مساهمة في فك شفرة لغة القرآن  Lecture syro-araméenne du Coran : une 
 contribution pour décoder la langue du Coran   نشرها الأماني كريستوف لوكسنبرغ  Christoph Luxenberg وهو الاسم المستعار لعالم لغات شرقية قديمة من ذوي أصول لبنانية رجحت عدة مؤشرات أنه يشغل خطة أستاذ باحث بإحدى الجامعات الألمانية، ألف دراسة في اللغة الألمانية أحدثت جدلا حاميا مرفوقا بضجة ولغط كبيرين .
فقد كشفت المقارنات التي أنجزها على أصول بعض الألفاظ الواردة ضمن آيات القرآن آصرتها مع اللغة السريانية الأرمية القديمة، موضحة عدة جوانب خفيّة عن حقيقة المدلول الأصلي لبعض المفردات الواردة ضمن آيات القرآن وسوره.
فقد زعم لوكسنبرغ أن خُمس أو ربع المفردات الواردة ضمن النص القرآني تتسم بالغموض أو بصعوبة التوضيح، لذلك فأن العودة بتلك الألفاظ إلى اللغات الشرقية القديمة مثل السريانية والأرمية بوسعه أن يحُد من ذلك الغموض. فقد شكّلت السريانية الأرمية اللغة الأكثر انتشار بالمجال الشمالي من بلاد العرب قبل القرن الثالث الميلادي. فالمسيح كان يتكلم اللغة الأرمية التي نعثر على ناطقيها حاضرا ضمن الأقليات المسيحية المستوطنة بعدد من القرى السورية مثلا. كما انتشرت على أيام النبي محمد نفس تلك اللغة بمجال جزيرة العرب وافدة من مدن بلاد الشام وقراها، وتم التوسّع في استعمالها تداولا وكتابة بين سكان تلك المناطق، في حين لم تشقّ عندها اللغة العربية المكتوبة طريقها إلى الانتشار وبقي استعمالها محصورا بين المتعلمين.
نعثر على نقائش تتضمن نصوص قصيرة مكتوبة باللغة العربية، إلا أن القرآن هو أول كتاب وضع في تلك اللغة. ولابد أن ندرك هنا أن حقيقة تواشج اللغات واختلاطها مسألة لا تخص هذه المنطقة من العالم وحدها، فالناطق باللغة الانجليزية حاضرا مدعوّ إلى العودة إلى ما قبل ألف سنة لتصوُّر المزارع الأنجليزي وهو يخاطب سيده النورمندي بلغة فرنسية امتزجت ضمنها ألفاظ أنجلو سكسونية لن يتوصّل أي منّا إلى فكّ شفرتها إلا حال ردها إلى اللغتين معا.
ومن جهة أخرى يعترف الضالعون في علوم القرآن من مسلمي القرن العاشر مثل أبي جرير الطبري أن النص القرآني قد تضمن ألفاظا غير عربية تحيل على اللغات العبرية واللاتينية واليونانية والفارسية والحبشية والسريانية. في حين يزعم كريستوف لوكسنبرغ أن لتلك الالفاظ دلالات لم يتم التفطن لها قبل صدور مؤلفه نظرا لتعقبه للدور الذي لعبه القاموس الاصطلاحي الأرامي في تمسيح مجال شبه الجزيرة العربية. وهو توجه سبقه إليه منذ سنة 1927 "ألفونس منغانا Alphonse Mingana " وذلك ضمن مقال صدر له في العدد 11 من دورية مكتبة جون ريلندس، حمل عنوان: "تأثير السريانية في أسلوب القرآن" Mingana (Alphonse) « Syriac influence on the style of Kur’an », dans 11 e Bulletin of the John Rylands Library 1927  وهو تقليد لغوي تأثيلي استشراقي ألماني يحيلنا على بحوث تيودور نولدكه Theodor Nöldeke  ضمن مؤلفه "تاريخ القرآن" الصادر سنة 1860 وعلى أبحاث أدولف فان هارناك Adolphe von Harnack ، تلك التي شدّدت جميعها على نسول معاني النص القرآني عن أصول لغوية يهودية مسيحية. 
ولكن كيف لعالم ألماني، حتى وإن تحدّر عن أصول عربية، أن يناقش ما يعتقد في صحته أكثر من مليار من ساكن العالم؟ وما الأسس والمناهج التي استند عليها في صياغة تأويله لتلك المعاني أو لتلك الدلالات؟
يعتبر لوكسنبرغ أن ما قام به لفك شفرة العديد من الألفاظ الغامضة الواردة ضمن النص القرآني هو البحث بداية عن الشروح النادرة أو الغريبة غير المقصودة من قبل العارفين بتلك اللغة ضمن المعاجم القديمة، ورصد ما لم يُعره اللغويون ما يكفي من الاهمية. غير أن عدم الخروج من ذلك بأي طائل هو الذي حثه على العودة إلى أصول الألفاظ لتأثيليها أو ردها لأصولها التاريخية، عبر مقارنة مدلولها في اللغات القديمة وعلى رأسها اللغة السريانية وهي الأكثر انتشارا مشرقا منذ القرن الثاني والثالث الميلاديين، مع عدم الذهول عن إمكانية حضور قراءة منفلتة أو مخطئة بمستطاعها قلب المعنى أو المدلول الأصلي للّفظ إثر الوقوع في خطأ في تنقيط النسخ القرآنية الأصلية. على أنه بالوسع افراض تسرّب حروفا سريانية وادراجها خطأ ضمن النص العربي.
وهكذا فقد تمكّن لوكسنبرغ وعبر التعويل على هذا المنهج من فك شفرة العديد من الألفاظ الغامضة ضمن لغة القرآن. فبعد أن وضعت مريم العذراء وليدها المسيح خاطبتها العناية الالهية في النص القرآني: "فنادها من تحتها أن لا تحزني قد جعل ربك تحتك سريّا" (سورة مريم الآية عدد 24)، إلا أن لوكسموبرغ يقترح أن يُقرأ مضمون نفس الآية أو دلاتها كالتالي: " فنادها من تحتها أن لا تحزني فقد جعل ربك تحتك [أي ما خرج من صلبك ابنا] شرعيا". وتتعدد الأمثلة محيلة على مواضع اختلافات مربكة مثل دعوة الله المنافقين في سورة عبس (الآيات 24 - 32 ): "فَلْيَنظُرِ الْإِنسَانُ إِلَى طَعَامِهِ. أَنَّا صَبَبْنَا الْمَاء صَبًّا. ثُمَّ شَقَقْنَا الْأَرْضَ شَقًّا. فَأَنبَتْنَا فِيهَا حَبًّا. وَعِنَبًا وَقَضْبًا. وَزَيْتُونًا وَنَخْلًا. وَحَدَائِقَ غُلْبًا. وَفَاكِهَةً وَأَبًّا. مَّتَاعًا لَّكُمْ وَلِأَنْعَامِكُمْ". أو الاشارة إلى تسيير الأرض حال حصول القيامة والنشر في سورة الكهف الآية 47: "ويوم نسيّر الجبال وترى الأرض بارزة وحشرناهم فلم نغادر منهم أحدا"، بينما يحيل المعنى في اللغة السريانية الأرمية القديمة إلى انشقاها أو انفتاحها. وهو مدلول متماسك أيضا يمكن أن يُحمل على التصديق.
ولكن ألا تؤدي مثل هذه الزحزحة اللفظية أو التحويرات إلى تغيير في مدول بعض معاني القرآن؟ يشدّد لوكسمبورغ على أن جميع تأويلاته لا تتصل بالمعاني الأساسية الواردة ضمن نص القرآن مثل الإيمان بوجود الله أو بحقيقة وجود حياة بعد الموت، ولكن الأمر متصل بجوانب سلوكية أو بعادات لها علاقة وثيقة بحياة المسلمين اليومية، على غرار ضرورة ارتداء الحجاب من عدمه في الآية القرآنية (سورة النور الآية 31) التي تحيل على ضرورة ضرب النساء بخمورهن على جيوبهن. حيث يبدو المدلول غامضا، لأننا عندما نشاهد حجاب النساء نتجه إلى إقرار التأويل السائد بخصوص ضرورة تغطية الرأس والصدر، لكن ما كشفت عنه أصول الألفاظ القرآنية بالعودة إلى اللغة الأرمية السريانية القديمة لا يعدو أن يحيل على دعوة النساء إلى ربط أوساطهن بأحزمتهن باعتبار التزنر ترميزا على استبقاء العفاف لاتصال ذلك بالرهبنة المسيحية التي تضفي على مظهر النساء مسحة من الحرمة والقداسة.
غير أن ما يثير حفيظة المسلمين بل ويشكّل مصدر إزعاج لهم هو تأويل لوكسمبورغ لمدلول الجنة. فقد عاينت مدينة اصفهان الفارسية في غضون القرن السابع عشر تشييد رياض ملكية حملت تسمية "باب الجنة"، مجسّمة تمثلات أهل الصحراء للماء والخضرة والحياة الوديعة بين الماء والخضرة ووجوه الحوريات الحسان تلك التي وعد بها الله الأخيار من عباده. وقد جاوز الشراح هذا المدلول من خلال ضبط عدد الحوريات الذي لا يقل عن 72 حورية تخصص لكل ذكر صالح من أهل الجنة استشهد دفاع عن الدين وذبّا عنه ضد المشركين. إلا أن ذلك لا يتفق مع الآيات السبعة الواردة في القرآن والتي تعد أولئك بالحياة الأبدية في جنان الخلد مع من يحبون "هم وأزواجهم في ظلال". ويعتقد لوكسمبورغ أن بالوسع تصورّ حلّ للمسألة من خلال ردها إلى انزياح لفظي غيّر في دلالة الآية القرآنية الواردة بالآية 54 من سورة الدخان: "كذلك وزوجناهم بحور عين"، مكتفيا بتغيير موضع التنقيط في لفظة زوجناهم كي تصبح "روحناهم" ويتحول المعنى عندها إلى الرواح والاستجمام في روضة كرومها محمّلة بعنب أبيض شفاف. لذلك فإن ما ينتظر أخيار المسلمين لا يتعدى الرواح بمنظر العنب الأبيض المتدلي من كروم الجنان.
كما أنه من اللافت العثور ضمن المجسمات المسيحية القبطية القديمة بخصوص أيقونات الملائكة وهي تستقبل أرواح الخيّرين الطاهرة، حضور عناقيد العنب بأحد أياديها بينما تضم الأخرى أجساد أولئك الموعودين بجنة النعيم. كما تحمل أواني قداس الكنائس الآرامية مجسمات العناقيد والأعناب وتتضمن وعود المسيح في العشاء الأخير مع حوارييه شرب جميع الخيرين من خمرة زكيّة تقرّبهم منه ومن الروح القدس.   
ويطعن العديد من قراء مؤلف لوكسنبرغ من المسلمين في صحة جميع تأويلاته بهذا الصدد، واسمين توجهاته بالسقوط في نوع من المركزية المسيحية christanocentrisme مع تأثّر واضح بسياق انتاج النص الانجيلي وكتابته، والحال أنه يتعين التميز بين النصين القرآني والإنجيلي وبين سياقات إنتاجهما خاصة. فقد استندت تأويلات لوكسمبورغ بوصفه مختص في نقد اللغات القديمة وتأثيل مدلولها على المخزون الرمزي للنصوص المقدسة المسيحية، وهو ما أثار حنق العديد من المطلعين على أبحاثه، فضلا عن عدم تبرئته من الخلط بين مواقع الأحرف وأشكال رسمها في اللسان العربي.
كما حاولت بعض الشخصيات المختصّة في الدراسات اللسانية والحضارية على غرار "آن ماري ديلكومبر Anne-Marie Delcambre التوسع في هذا التوجه الذي خطه لوكسنبرغ الذي ينكفئ في حياة سرية مغلقة بعد إصدار فتوتين تدعوان إلى قلته، مستندة في توضيح توجهاته على شرح السورة 97 من القرآن ونقصد سورة القدر: "إنا أنزلناه في ليلة القدر وما أدراك ما ليلة القدر ليلة القدر خير من ألف شهر تنزل الملائكة والروح فيها بإذن ربهم من كل أمر، سلام هي حتى مطلع الفجر"، تلك التي تحيل كما هو واضح على تحديد موعد نزول القرآن بحلول "ليلة القدر" أي في الليلة الفاصلة بين السادس والعشرين والسابع والعشرين من شهر رمضان. إلا أن عودة لوكسمبورغ إلى الشراح وفي مقدمتهم شرح الطبري "عن تأويل القرآن" الجزء الثلاثون ص 258 – 261 قد مكّنه من العثور على تأكيد على أن نزول القرآن من السماء قد حصل دفعة في تلك الليلة، الأمر الذي يتعارض مع امتداد سياق النزول على مدى عشرين سنة، حيث يظهر اللَبس في المدلول الدقيق لفعل أنزل في سورة القدر وحقيقة إنزاله التدريجي على مدى مرحلة نبوة محمد بين الأربعين والستين من عمره.
ويقترح لوكسمبورغ تأويلا يسعى إلى توضيح جلية الأمر حال اعتباره لغة القرآن خليطا أو مزيجا بين العربية التي نعرفها والسريانية القديمة، فضمن سورة القدر نفسها هناك كلمة ليس لها من مدلول ضمن سياق النص وهي كلمة "قدر". فهي كما تحيل لغة على ما قدر في الأزل تعني أيضا ميقات الشيء أو مدته أو  المسافة منه . فما الرابط عندها بين تحديد الله لأقدار الخلق وتنزيله للقرآن؟
يشدد لوكسنبرغ الذي يتوفر على معرفة بالسريانية والآرامية والعبرية والحبشية والفارسية والعربية، أن مدلول كلمة القدر في السريانية والأرمية القديمة يحيل على موعد ظهور نجم الميلاد. لأنه بالعودة إلى أنجيل متّى (2 – 2 ) تجابهنا الفقرة التالية المنقولة على لسان منجّمي الشرق Les mages d’Orient: "أين ملك اليهود في مهده فقد شاهدنا نجم ميلاده في الشرق لذلك أتينا للتبرك برؤيته". وهكذا فالظاهر وفقا لما تقدّم أن المقصود بالحديث هو المسيح وأن منجمي الشرق قد علموا بموعد وضعه فجاؤوا للتعرّف عليه، وهو ما يكسب سورة القدر مدلولا أوضح حيث يرصد لوكسنبرغ التقارب بين "ليلة" في اللغة العربية التي تقابلها لفظة "للية" في السريانية. ولفظة "صلاة" التي تقابلها "صلات دي للية" أي صلاة الليل، لذلك يتضح ابتعاد الشرّاح العرب عن المدلول الأصلي لما أحالوا على تساوي ليلة القدر مع ألف شهر، لأن المقصود وفق تأويل لوكسمبورغ دائما ليس كلمة "شهر" بل كلمة "سهر" أي قيام الليل. فربط لفظ ليلة السريانية بالسهر أو السهرة يحيل مقصده على أن قيام ليلة الميلاد أفضل من قيام ألف سهرة. وهو ما نعثر عليه ضمن حديث منقول عن عائشة زوجة النبي تشير فيه إلى أن ليلة القدر قد عاينت على أيامها إكثارا من القيام. حيث يوافق ختم التراويح تلك الليلة باعتبار أن الصلوات الشرعية في الإسلام لا تتضمن تكليفا صريحا بقيام اللّيل، وهو ما تعوّد العرب المسيحيون إقامته تزامنا مع أعياد الميلاد.
كما أن الآية الخامسة من سورة القدر التي تتضمن كلمة سلام تدفع من جانبها إلى العودة إلى نشيد الملائكة الذي أورده إنجيل لوقا في الفقرة 2 - 14 "المجد لله في السماوات والسلام على الأرض" الذي يردده جميع المحسوبين على الديانة المسيحية، مما يحيل على التقاليد السائدة في الكنيسة السريانية التي حدّدت موعد قداس الميلاد لا مع حلول منتصف الليل بل مع ظهور فجر اليوم الجديد، وهو ما قصده النص القرآني في ـ"سلام هي حتى مطلع الفجر"، وما أكده ابن منظور في لسانه أيضا لمّا أشار إلى ليلة التمام وهي أطول ليالي الشتاء المتزامنة مع موعد الميلاد الذي يحتفل بها النصارى ويقيمون فيها الصلوات، لذلك ينتهي لوكسنبرغ إلى الاعتقاد بأن الاحتفال بليلة القدر لدى المسلين لا يشكل غير تواصل وبطرقية مخصوصة مع التقليد المسيحي السرياني في الاحتفال بليلة ميلاد المسيح.
وهكذا يصبح لسورة القدر مدلولا مختلفا لأنه بالوسع يمكن إدراك فحواها على أنه تواصل طقسي لاحتفال الميلاد من خلال رده إلى ليلة السابع والعشرين من شهر الصيام: "إنا أنزلناه (أي الوليد المسيح) في ليلة الميلاد وما أدراك ما ليلة الميلاد وما الذي تعرفه عن ليلة الميلاد، ليلية الاحتفال بقداس فجرها خير من ألف سهر. تنزل الملائكة والروح فيها بإذن ربهم بأناشيد دينية مقدسة، سلام هي حتى مطلع الفجر.
وهكذا يدفع لوكسمبورغ إلى حضور تناص في المدلول بين معنى سورة ليلة القدر والعادات التي تتضمنها الممارسات الدينية المسيحية لدى المجموعات السريانية الأرمية الموجودة على أيام النبي محمد. وهو لا يكتفى بذلك فحسب، بل يلاحظ ضمن سورة المائدة ومدلولها موضع الطعام وضمن الآية عدد 114: "قَالَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ اللَّهُمَّ رَبَّنَا أَنزِلْ عَلَيْنَا مَائِدَةً مِّنَ السَّمَاءِ تَكُونُ لَنَا عِيدًا لِّأَوَّلِنَا وَآخِرِنَا وَآيَةً مِّنكَ وَارْزُقْنَا وَأَنتَ خَيْرُ الرَّازِقِينَ"، أن تلك اللفظة لا تعني أي شيء لو ذهلنا عن ربطها بالتراث المسيحي القديم في علاقته بعشاء المسيح الأخير مع الحواريين المعروف بـLa cène   فلفظة عيد العربية مشتقة من نفس الكلم الأرامي للدلالة على الاحتفال الديني أو القداس. ويكفي أن ندرك ذلك حتى يصبح المعنى كالتالي: "ربنا انزل علينا قداسا من السماء يكون لنا احتفالا دينيا لأولنا وآخرنا وآية منك وارزقنا وأنت خير الرازقين".
ما بنا حاجة إلى التصديق على مجمل التأويلات التي اقترحها مؤلف لوكسنبرغ، فالاحترازات تجاهها كثيرة ومطاعنها متعددة بل لا يسعها حصر. إلا أننا نصر مع ذلك على حق تلك التصورات في التموقع ضمن مشهد المعرفة التأثيلية اللغوية بعيدا عن ما أنتجه المفسرون قدامى ومحدثين. فاستعراض تلك التخريجات وصياغتها في اللغة العربية على فخاخه التي لا تحصى من شأنه أن يدعونا إلى التفكير جديا في إنتاج موسوعة أو قاموس تأثيلي للغة العربية طال انتظاره، مما أشرع الأبواب أما العارفين ومن سواهم كي يُقدموا على ابتسار نظرهم في نص المسلمين المؤسس على الجوانب المُؤصلة لإرثهم اليهودي والإنجيلي المقدس. وهو تصرّف سبق للفيلسوف مارلو- بونتي أن نعته بـ"الكونية الجاثمة من فوق un universalisme de surplomb" تلك التي آن أوان نقضها والتفرّغ المناضل بُغية تشييد كونية أفقية تقبل بتنوع الغيريات على قاعدة العيش بذكاء مع الاعتراف الصريح بالاختلاف الذي لا يفسد للودّ قضية.  


      

mercredi 19 octobre 2016

وحدهم الشعراء...











       في الوقت الذي يجتاح فيه جبروت المال مجال الفعل البشري، معتما عمّا سواه وتزداد حيرة بني البشر بخصوص ما يخبئه المستقبل، يتضاعف البحث عن مسالك لا تمر من بوابة ارتهان الحياة لدافع الاستهلاك دون سواه، سامحة بالعودة صراحة لإنتاج مفور المعنى.
نحن نبحث عن فسحة يملأها عَفِيُّ المدلول كي يتسنى الإصغاء برويّة وتركيز لما يُعرض على مسامعنا وتصطدم بها أنظارنا من مروّع الحدثان. الكل مُتشوّف إلى موثوق الدلالة رافضا تشويهها غلثا وتلفيقا ومغالاة، أو تأويلها تحت طائلة حرية تحليل كاذبة تُضمر وصاية فكرية أو شطط إيديولوجي. الكل يهاب ساحة حرب مفتوحة لا تعلن عن اسمها، حتى وإن تحوّل عن وعي أو من دونه إلى عود حطب لآتون بهتانها وطرفا ضمن حامي مواجهاتها.
سنوات من الحوادث المدوّية لا تزال تعصف بمغارب بلاد العرب ومشارقها، وما من دليل على أن مدها متوقّف عند حد، وأن إعصار الغضب لن يعُم مستقبلا مجالات أوسع من خريطة العالم، تستوي في ذلك بلدان الجنوب الفقيرة مع بلدان الشمال الغارقة في أزمة مالية واقتصادية تؤشر موثوق الدلائل على تفاقم أرزائها بالضعفاء. فبعد أن وقفنا مطولا عند شفى المنحدر، ها نحن نحث الخطى لنسقط في قاعه، وما من دليل على توقف انحدارنا عند حد طالما لم يستعد التاريخ حقوقا ذهب في مطلق ظن جميعنا أن جغرافيا العولمة قد انتزعتها  دون رجعة.
لا تتشابه الثورات حقيقية مع بعضها البعض، فلكل منها بيئتها وتاريخها الخاص وفاعلوها الذين صادفهم التوفيق عند مفصلة زمنية محدّدة في توفير التعاطف مع مشروعهم، غير أن الجميع يتفق حول مدلول ينفي تغييبه القصد من اندلاع تلك الهبات الفارقة، ونقصد الوثوب لسدة الحكم. فمهما تعددت المؤشرات الدالة على حضور التواصل بين ما حصل قبل ذلك الحدث وما جد بعده، فإن مضمون القطيعة كامن لا محالة في بلوغ كتلة اجتماعية جديدة تلك السدة.
انتقال السلطة أو التناوب عليها مربط فرس في خروج الغاضبين أو الثائرين ضد من شرّعوا لأنفسهم ضرب وصاية على مسار حياتهم أو الاستبداد بتصريف شأنهم. وحدهم الشعراء قد استوعبوا سر تحويل عنف لحظة المنازعة ووهج دماء البررة من ضحاياها ملحمة مهيبة أو مرثية مأثورة تستكشف المعنى المنبث في اللفظ لتكسبه عَفِيَّ العبارة الـمُوفية بالغرض الـمُنجّمة على الألسن كفلق الصبح يجلو غبش الظلمة. وذاك لو ندري عين ما قصده شعراء الرومنطيقية على شاكلة "فيكتور هيغو Victor Hugo 1802 - 1885 " و"أرتير رامبو Arthur Rimbaud (1854- 1891) حال تنصّل هذا الأخير من قول ذاته الواعية شعرا، وتعلّله بأن أناه في استلهامها للحكمة قد حوّلت الخشبة كمان، وأبلج النحاس لسماعها مزمارا. فهل يعقل أن نُحمّل مادة وضيعة ورز ما انسلخت إليه، والحال أن ليس لها في انقلابها خلقا جديدا اختيار؟ ذاك بالضبط حال قارض الشعر إزاء انقلاب الواقعة الرتيبة إلى نظم يُوحى في الخلد ويسترق سمع خلجات الروح، ثم لا يلبث أن يشد قوس المعني ليدفع برمية سهم يتحوّل حسن الظن بوقعها وفي غفلة ممن صوبّها إلى سنفونية معافاة تمزّق ترانيمها وحشة الصمت.
لنحاول الاستماع إلى موسيقى الشعر في هذه المقاطع من قصيدة "فكتور هيغو" "الشاعر في خضم الثورات Le poète dans les révolutions " أو قصيدة نثر أرتير رامبو "إضاءات   Illuminations"، علنّا نرصد وخارج حيز العقل القابض على ملكة الرد والقبول، ما الذي يحوّل الاستعارة الشعرية في ما آل إليه حال الخشب مع الكمان أو النحاس مع المزمار، إلى مرقاة تمنح ولو للحظات عابرة متعة التحرّر من أسر الذات الواعية، لتحلّق عاليا في فسيح زمن الدهشة الأولى المستعِيد لمفور غبطة لحظات الإشراق والتجلي.
" ليس بشاعر على وجه الأرض من لم يواس غربة "فولتير"
 مَهِيبٌ هو كلام هيغو عن الثورات فقد جال في الطبيعة مستعيرا لنصه الحِواريّ، بين مُتوثب لتغيير ما بنفسه وقانع باجترار سلفه، لحظات غضبها كما أوقات صفائها. فالريح تُذهب عن فسيح البراري حطبا يسقط من خُضر الأغصان. والعاصفة تعبث بأضخم الأشرعة وتودي بصواريها. تلبد السماء مُنذر بسوء الـمُنقلب، شجر البلوط يهوى من أعالي الجبال ومراكب السفر تحطّمها زمجرة الأمواج في عميق البحار.
أقدار تُفرَض على ضعاف النفوس ومصائر ينحتها توهج مزاج من أمعنوا الطرق مصرّين على الوصول إلى مراقي المجد. فإما أن ترضى لنفسك بمعرّة الرضوخ، أو أن يكابر عشقك الفناء فيندفع على شاكلة "أورفي Orphée" وسط سعير الغاضبين في شموخ. وليعلم كل من تهيّب من التضحية مُتنعّما بالراحة دون شرف الخلود، أن عظام النفوس لا تبغي غير المجد مثوى. فبسيط المرجان عند زمجرة البحار يخشى أن تزعزع عاتي الأمواج لطيف منامه والضجعة، بينما لا تُلفي أشبال النسور طريقها إلى النور إلا بعد أن يخترق الأعاصير من بينها كل محلّق جسور.
ليس في حـــــياة الحــــواضر من ثراء:
 طريف هو التعريف الوارد في"القاموس الكوني الكبير Le Grand Larousse Universel" لمدينة باريس: 
"في السطح هي مدينة باذخة تضِجّ بأصوات الفنون والمتع واللامبالاة، وفي العمق ساحة صراع أزلي بين من يناضلون من أجل الرُقيّ والحرية، تعضُدهم حرارة التعاطف الذي يبديه نحوهم جميع من يعنيه انتصار تصريف أمور المجتمع بشكل يحترم إنسانية البشر."
يبدو قصيد "متروبولتان Métropolitain" في مجموعة "اضاءات" لأرتير رامبو، وفيّا بالغرض كلما تعلق الأمر بالوقوف عمّا يجعل "المدينة" مرآة تنعكس على سطحها جميع مظاهر الحداثة المتلازمة مع ثورة صناعية لم يقف تغوّلها عند حدّ. فقد عرّف هذا القصيد النثري في خمس فقرات متشابهة شكلا تنتهي باسم لاحق للتعريف يختزل مضمونه ما سبق، عارضا حكاية برقيّة تروي مشهدا يتحرك بنسق سريع، يَرُمُ الاسم منه فوصى المعنى في تعبير الشاعر والدلالة. ينقلب فعل الكتابة عند رامبو على جميع القواعد الأدبية فتأبى عناصر الفقرة أن تنتظم وفقا ترتيب منطقي يمنح معنى محددا لفعل ما أو لمشهد دقيق، وتبدو الكلمات عندها وكأن لا علاقة تربط بينها في الأصل. فالكلمة الواحدة مشهد مستقل بذاته، والقصيد خليط من مشاهد تُجاوز الحصر. واعجاز ذلك بقاء دلالات القصيد في متناول فكر من يُقبل على مواءمة منهج القراءة ونسقها مع تكثيف النسج عند مُنشئ العبارة.
في قصيد "المدينة الحاضرة Métropolitain" تتحوّل القراءة إلى تفحّص في العمق لكل مفردة وعملُ تخيّلٍ خلاق يجعل من الانكباب على تجميع عناصر الدلالة مغامرة فاتنة ومقاربة جمالية تُسعف في فك طلاسم الرموز الواحد تلو الآخر. فيها يكتشّف قارئ ما وراء السطور أن عبارة "شوارع بلور الكرستال des boulevards de cristal" في قصيد النثر عند رامبو، توصيف مُحجَّى لأنهج مدينة اصطفت على أرصفتها متاجر تعرض واجهاتها نفيس البضائع، وتعكس عبارة "بحور الأوسيان mers d’Ossian" تعبيرا مفارقا يدل عمّا يحيط بالجزر البريطانية من مياه. كلمة الختم في لفظ "مدينة" ليست سوى تلخيصا بارعا للفقرة التي تنتهي الدلالة عند ذكرها، فتسمية "المدينة الحاضرة Métropolitain" توصيف للمشهد الناشئ عن أسلوب عيش سكان المدن وتصرّفات أهل الحواضر ونسق حياتهم الجنوني في آن.
يُنشئ المقطع الأول من القصيد تقديما للمدينة على خلفية اللقاء الأول، نصف للدهشة وبقية للتوجّس الحذر. ثاني مقاطع القصيد، تشبيه بليغ للمدينة بساحة للنزال تحسُن مفارقتها توقّيا من شرور مخاطرها. يسرد ثالث المقاطع فيما بدا للعارفين من شراّحه جولة نزقة في ليالي السمر بضواحي لندن الباذخة، مستودع الإقبال على متـرع اللذات الممزوج بقلق التهويمات ومُفزع الكوابيس. يُجيد المقطع الرابع توصيف قصور الميسورين ودورهم الآخذ بريقها بالألباب، لكأن لمعان جدرانها يحركّ ما غاض من حسد المعدومين وغيرة المطحونين. في حين يعوّل خامس المقاطع وآخرها على الاستعارة، راسما بريشة الفن الواهم لقاء بين عاشقين، وهو الـذي يرمِّز لمدلول الصراع الأبدي بين بني البشر في الحقيقة، صراع الفرد مع شواغل أيامه واضطراره كلما رام البقاء لتحمّل شدة المنازلة وقهر ما يخبئه القدر.
مربط الفرس في قصيدة نثر "أرتير رامبو" العيش في المدينة. مدينة مكتظّة مترامية الأطراف وحاضرة مغرية فاتنة تعكس الحياة في حياضها كثرة الشواغل اليومية والنسق الجنوني لتطوّر مجتمع الرفاه المصنَّع والـمُصطنَع. وتنقسم فيها الجموع أقوام متصارعة تُعرّي بُنية أحيائها وأشكال معمارها فوارق صارخة تُنبئ بانعدام التكافؤ، كاشفة عن ضراوة الصراع بين من أبلاهم العوز وتقطّعت بهم السبل ومن وَلَغُوا في استعبادهم وكدّسوا الثروات على حسابهم. ذاك واقع الأحياء اللندنية أيام جالت فيها أقدام رامبو الشاعر في العشريات الأخيرة من القرن التاسع عشر، وهو واقعها السريالي الـمُـجلّل بالفوارق الاجتماعية الصارخة التي تعكس أحداث العنف من حين إلى آخر حلقة جديدة من تجلياتها. 
وحدهم كبار الشعراء يقدرون على تخصيب العبارة من نظرة لكي تُثْمِرَ معنى وفيّا بمدلول القطيعة، عامدين إلى عرض مضمونه على الحافلين بقولهم في لبوس نخبوّية لا تتأبَّى عن استلهامٍ مَبْذُولٍ للجميع.    

mercredi 12 octobre 2016

بألوان الطيف تُروى المسارات لا بالأبيض والأسود










      من "روحية" الرُبْعِ بوطن سليانة التونسية وإليها في عود على بدء، اختارت نفس الطاهر المنصوري المطمئنة أن تخلد لراحتها السرمدية بعد عنت مع تصاريف الحياة مشوب بحيرة جازعة وفضول خلاق وتطواف لم يشأ أن يستقر طوال أربع عشريات من الزمن. تأبى أسبارنا أن نعرض إلى غير مآثر من عاجلهم حمامهم ممن عرفناهم أو جايلناهم، وحده الأبيض هو ما يليق بطُهر مثاويهم وتعظيم مناقبهم واستعراض حسناتهم، مع أن ما يجمع مساراتهم بعالم الشهادة والناس يأبى هو أيضا أن ينفضّ من حوله الأهل والأصحاب حتى وإن شيّدنا لذكراهم أضخم النُصب وأبهاها. ولأن فقيدنا كان "إنسا من خيار الجنس"، فإنه قد تورّط مثلنا تماما في خلط طيب بخبيث، شأن بني البشر حال استعار حبّ الحياة في نفوسهم واستيلاء عشقها على شغاف قلوبهم النابضة.
قليلا ما كان يحبّذ سليل سفوح الظهرية ووليد باديتها اصطناع الامتثال للإكراه حتى وإن أوحت تصرفاته بغير ذلك. لم تكن ترضيه أنصاف الحلول وأدنها إلى تصاريف بني البشر من أمثاله، إذ لا تراه إلا واقفا لشد الأزر ومدّ يد المعونة والمساعفة رفعا للضرّ أو الحيف، أو كافرا في عنت وصلف من تصرّفات من اعتقد بحق أو من دونه أنهم لا يرون رأيه لاعنين كِبْرَه، طاعنين في نخوته وإبائه.
عرفت محمد الطاهر المنصوري أواسط التسعينات بعد أن صدر لي عن دار سراس مؤلفان حاولا فتح ملفات قليلة الورود زمانها، تشبه توجهاتها والمناهج المعتمدة في تحليلها منازع الجيل الذي أنتمي إليه، في حين استقام هو بعد عارفا في اختصاصه وعالما بالمرحلة التي اختار الاشتغال عليها، تلك التي بدت من خلالها بصمات المؤرخ الفرنسي المتخصّص في تاريخ علاقة المسلمين بالمسيحيين طوال الفترة الوسيطة "ألان دوسولي Alain Ducellier" واضحة المعالم جليّة القسمات.
إلا أن رغبته في تخطي ما تم انجازه قد بدأت تتسرب إلى برد يقينه وخاصة لمّا قرّبت السُبل والصدف أيضا بينه وبين زملاء أوائل التسعينات من المهتمين بالآثار والنقديات مثل ناجي جلول وفوزي محفوظ وعبد الحميد فنينة وأحمد السعداوي، حتى وإن لم يمثل جميع هؤلاء رفقاء دربه المهنيين على الحقيقة، أولئك الذي تقفز من بينهم أسماء ومسيرات أُخر لمحمد حسن ومحمد ياسين الصيد وراضي دغفوس الذين سبقت تجاربهم البحثية وانتساب أغلبهم إلى الجامعة التونسية مرحلة التحاق المنصوري بها. فقد تقاطعت بعض شواغلهم وأبحاثهم المنشورة ونتائج كتابتهم مع اهتماماته وتوافقت نماذج أدائهم المنهجية بحثا محكّما وتراكما معرفيّا مع تلك التي ألِفها حتى ذلك التاريخ.
والحق أن كثيرا من الضيق وانعدام الثقة قد علّم علاقة المنصوري بأغلب زملائه أو رفقاء درب مهنته بالجامعة، حيث لم يكن من السهل أو حتى من الممكن أحيانا اتساق التواصل بينهم وبينه على قاعدة التعايش والاحترام بين الجميع، وهذا على علاّته الكُثر سلوك معهود لدى جميع المحسوبين على نفس الصناعة عاينته ولن تزل أكبر المؤسسات الجامعية عراقة في إنتاج المعرفة ونقلها. ولأنه "أراد من زمنه أن يبلّغه ما ليس يبلغه من نفسه الزمن"، وتهيأ له في مناسبات عدة أنه "ينام مِلأ جفونه عن شوارد" التاريخ ونوادره، فقد اتّضح للكثير من زملائه وأصدقائه بما في ذلك الخلّص منهم، أنه قد استعدى الجميع بجريرة ظاهرة ومن دونها، بل وحمّلهم أحيانا وعن إسراف وكِبر ذنب الكدر الذي لحق بمزاجه. والحق أيضا أن حساسيته المفرطة وشخصيته المتقلّبة هما ما جعلاه يضيق بزمانه ولا يرى لنفسه موضعا بين أضرابه يناسب إيمانه القاطع بتميّزه بل وتفوّقه على جميعهم. 
فقد اتّصل تكوين محمد الطاهر المنصوري بالتاريخ الوسيط وبتاريخ العلاقات بين المسلمين والبيزنطيين تحديدا، وتموضع تخصّصه المعرفي بين مجالين متصارعتين امتلأت كتب الحوليات والأخبار بتفاصيل المشاحنات والمواجهات التي دارت بينهما. ويحتاج البحث في هكذا تخصّص إلى تبحّر موسوعيّ ومعرفة باللغات قديمها وحديثها وامتلاك لمناهج دقيقة وتوفّر على أهلية واضحة في قراءة ركام من المصادر القديمة الملغزة المضامين. على أن تفرغ المنصوري وانكفائه الرهباني أحيانا لخالص الكدّ والجهد لم يحل بينه وبين الرغبة في الانفتاح والاستزادة من خلال التعرّف على العديد من المدارس التاريخية وعدم التهيّب من تجريب نماذج بحثية متحدرة عن تخصّصات إنسانية واجتماعية بعيدة عن الشواغل السياقية المباشرة للمؤرخ . 
فمن "حوار الثقافات والحضارات" إلى التمرّس على مناهج الثقافة المادية والتاريخ الاقتصادي والاجتماعي فالديمغرافيا التاريخية والاستكشاف الأثري وفهم عالم التمثلات والجماليات الذهنيات، لم ينقطع فقيدنا عن التوسّل بأحدث المناهج قاصدا تطوير استمارته وتطويع تساؤلاته كي تتلاءم مع مقتضيات مكافحة الروايات المستجلبة وتعقّب اتجاه المعقولية في الاشتغال عليها.  الشيء الذي سمح له بعد طويل كفاح ومثابرة من دخول مرحلة جديدة فتح خلالها ملفات بِكر غير مبذولة داخل الجامعات ومراكز البحوث العربية وتعارض سياق تناولها مع "مواضعات" الفعل الاجتماعي وأسباره ضمن المجال الثقافي العربي الإسلامي. 
وليس من دليل أبلغ على انخراطه ضمن تلك التوجهات المجدّدة المُثرية لتساؤلات المنتسبين إلى المعارف الإنسانية، أولئك الذين خاض العديد من المحسوبين على جيله داخل الجامعة التونسية أو من التحقوا بها في بداية التسعينات البعض من تجاربها التي علّمت بَعْدُ مشهد المعرفة التاريخية والاجتماعية والحضارية تونسيا مع حلول الألفية الثالثة، من تصدّره لترجمة مؤلف "التاريخ الجديد La Nouvelle histoire"  الذي أشرف على تنسيق مساهمته الفارقة المؤرخ الفرنسيّ الذائع الصيت جاك لوغوف Jacques le Goff ، وهي مهمّة شاقة عويصة تضمنت الكثير من المحاذير الاصطلاحية، تجهّز المُترجم لتجاوز فخاخها وحلّ المشاكل المترتبة عليها بدراية واسعة وحسّ عال نعثر على البعض من لمساته ضمن التصدير الذي وضعه لتلك الترجمة وخاصة حال اشارته إلى خصوبة الحراك المعرفي الذي أفضت إليه نتائج أبحاث العديد من زملائه التونسيين أولئك الذين توقّف عند اسمائهم في العديد من هوامش تقديمه. 
كما ساهم استكماله لترجمة كتاب فرنسوى دوس François Dosse "التاريخ المفتّت" الذي اختزل مسار الانتقال المنهجي من أزمة مدرسة الحوليات الفرنسية إلى بروز مناهج التاريخ الجديد، في وقوفه على طبيعة النقلة التي فتحت مهنة المؤرخ على عوالم التفكيك والتأويل وعدم اكتفاء المحسوبين عليها حال محاولة استجلاء المامضى على العقلانية والحتمية التاريخية وحدهما.  
والظن بعد هذا، أن اهتمام الباحث بتاريخ الثقافة المادية غربا وشرقا هو الذي أمضى تحفّزه ووسّع اطلاعه على نماذج البحث في تاريخ الذهنيات والأفكار، دافعا إياه إلى فتح العديد من الملفات التي لا يمكن أن لا تذكّرنا بالتوجهات الفارقة التي قادت أبحاث وجوه المعرفة الانسانية العالمة فرنسيا على شاكلة فوكو، وبورديو، وريكور، ودي صرتو، ولوغوف، وشارتي وسير، Foucault, Bourdieu, Ricœur, De Certeau, Le Goff, Chartier, Serres.  . 
فقد برز جليّا وضمن المحاور المقتصدة لمؤلفه "استعمالات اللباس ورمزياته في الحضارة العربية الإسلامية" مثلا، تأثره الكبير بتلك المناهج لدى تعرّضه إلى دور القيافة والملبس في رسم الفوارق الاجتماعية والجنسية والملّية والأثنية، وتأكيد تمايز الهويات أو تباينها في استعمالات اللّباس ورمزياته.
كان المنصوري واعيا بجسامة ما حاول الحفر فيه شديد الإصرار على وضع عمل يطمح إلى إعادة صياغة علاقة المتخصّصين التونسيين في الفترة الوسيطة بمناهج الكتابة التاريخية من خلال تحسّس وظيفة اللباس كميسم وهوية. فقد عالج مسألة لباس الفقر والتصوّف متوقّفا عند وظائف ودلالات "الحجاب" و"النقاب" و"الخمار" و"البرقع"، منـزّلا إياها ضمن سياقها التاريخيّ المخصوص، مُستجليا اللَبْس المقصود المكتنِف لاستعمالاتها حاضرا، متوقفا عند مدلول لباس أهل الذمّة في ارتداء الغيار وشدّ الزنانير من قبل جميع من طالتهم ماضيا حماية خلفاء المسلمين وسلاطينهم.
كما تصدق نفس الملاحظات على مختلف الفقرات التي خصّصت للتعرض لإشكالية الحجاب داخل المجال الإسلامي وللأبعاد الراهنة التي أخذتها مسألة ارتدائه، الأمر الذي ساهم بلا جدال في تنسيب حالة تركيز الإعلام الغربي راهنا وبطرق لا تخلو من توجس مهووس ومرضيّة مزرية وخلط مبتذل على التزمت الملازم للإسلام وللمسلمين، وهي قضية حارقة غالبا ما تم التعامل معها بحسيّة مفرطة زادت في تعميق الهوّة بين المسلمين وبين التصوّرات الواقعية المتّزنة. على أن يتّسم تعرض تلك الدراسة لمدلول رموز الألبسة المفروضة على الذمام من أهل الكتاب بتجديد بيّن، حيث تم التشديد على أن التمييز يندرج ضمن تفريق ملّيّ مفروض على غير المسلمين من أهل الكتاب منذ ميثاق عمر بن الخطاب، لذلك عوّض الاشتباه بالملبس الاشتباه بالسحنة أو الوجه، ممثِلا في بلاد الإسلام كما في بلاد النصارى علامة بارزة لهوية السطح. أما بخصوص علاقة اللون بالمنـزلة الاجتماعية والانتماء العقديّ ودورهما كرامز marqueur اجتماعي وملّيّ، فقد تم ردّ الألوان إلى ما حملته في المخيال الجمعي من إيحاءات إيجابية مرغوبة أو سلبية منبوذة وذلك بمجرد تحوّل الألوان منذ العباسيين إلى ميسم اجتماعي وعرقيّ وملّيّ.
وبالجملة فقد أبلى الفقيد بلاء المجدّدين في الكثير من أبحاثه، وتمكّن باقتدار من ترتيب أفكاره واضعا إياها في متناول ذائقة أبسط القراء بل وأقلّهم اطلاعا ومعرفة بخبايا التاريخ وزواياه، وتلك خصلة من أعظم خصال الكتابة قراءة وتدبّرا ماضيا وحاضرا، واضعا بذلك حجر الأساس لتفحّص جملة من الإشكاليات من نافذة التاريخ الجديد، مضيفا لمختلف الملفات المعقّدة والشائكة التي فتحها لبنات جديدة استهوت بَعْدُ طلبته الكثر، أولئك الذين اختار العديد منهم السير على هدي خطاه، متسلّحين بسخاء بذله وشغفه اللامحدود بالحياة وإقباله على استلهام حكم أهل بادية السباسب التونسيين، أولئك الذين أخفق بلاء الزمان في إطفاء بريق عيونهم، بينما مثّلت ابتساماتهم العريضة قِناعة للاستهزاء من بؤس الزمان وأهله، لذلك أراني وبالرغم عن فراق من غادر صحبتنا دون استئذان في غاية المسرّة الجذلى حال ردّ هذا الطالع الجميل في لفظه العميق في مدلوله بعد أن سمعته منه أول مرة منذ أكثر من عشريتين إليه على سبيل التحيّة الصادقة إلى أجمل ما في روحه وابهاه:
تْمَنِيتْ عُمْرِي شَي ما طُلْتَاشِي     ./.    المُوتْ فَمّا الكُبُرْ ما فَمَاشِي.   

صدر ضمن العدد الأخير من مجلة الفكر الجديد  

lundi 26 septembre 2016

الخروج للنهار " بردية أخيرة عن العدم " عرض نقدي لشريط هالة لطفي




بقلم محمد طارق محمد صدر في شهر جويلية 2016












 (1)
عندما شاهدت فيلم الخروج للنهار لاول مرة في عام 2014 في سينما زاوية ، و في بداية اهتمامي بالسينما الغير تجارية ، انتابني شعور بالضيق الشديد و كأنني كنت أقضي وقتا في زنزانة حبس انفرادي ضيقة . لم أستوعب يومها لغته السينمائية كثيرا ، لكن الاحساس كان قويا للغاية . كون هذا الفيلم لم يفارق ذاكرتي الضعيفة منذ يوم شاهدته .
(2)
في عرض اخر للفيلم في دار ميريت في عام 2016 و بحضور المخرجة ، أتيحت لي من جديد فرصة النظر مرة أخري الي هذا الشريط السينمائي البديع . لكن هذه المرة استطعت أن أحدد ما الذي أصابني بالضيق في مشاهدتي الاولي للفيلم . هالة لطفي فنانة حقيقية استطاعت أن توظف عناصر السرد السينمائي البصري و الصوتي ، لكي تكتب بردية اخيرة في كتاب اختارت اسمه ليكون عنوانا للفيلم  .
كتاب الخروج في ضوء النهار  ( أو كما يعرف بكتاب الموتي ) هو كتاب فرعوني دون في  عصر بناء الهرم الاكبر ، و يحتوي علي عدد من الصلوات و الدعوات التي ترشد روح المتوفي في رحلته للعالم الاخر . اختيار الاسم هنا هو أول اختيار فني للتوقف عنده ، ففي ظل أجواء فيلم يحمل رائحة الموت و انتظاره ، لم يكن لهذا الفيلم الا أن يسمي بنفس اسم كتاب للموتي .
(3)
اختارت المخرجة هالة لطفي عدة اختيارات شكلية كانت متوافقة تماما مع مضمون فيلمها . الامر الذي يبشر بأننا بصدد تجربة سينمائية جيدة و مبشرة .
فعلي سبيل تكوين الكادرات استخدمت هالة تكوينات مقتصدة للغاية ، تكاد تسمح لابطال الفيلم بالظهور ، الامر الذي يخلق حالة من الضيق لدي مشاهد الفيلم ، و بالاضافة الي ذلك فقد استخدمت تكوينات " التأطير المتعدد  " او كما يعرف بال ( Multi Framing ) التي أضافت ضيقا مضاعفا لابطال الفيلم المحبوسين في همهم الحياتي .  
استخدام اللقطات الطويلة البطيئة و عمق المجال أتاحا لنا فرصة التلصص من بعيد لمأساة انتظار الموت . الاسلوب الذي فضله دائما اندريه بازان في سينما الواقعية، و الذي دلل علي قوته بأنه يسمح للمشاهد بحرية توجه تحكمه في اختيار ما يشاهده . كما يحافظ ( ذلك الاسلوب ) علي وحدة المكان وعلى العلاقة التى تربط الأشياء داخل ذلك المكان .
كما جاء شريط الصوت خاليا من الموسيقي التصويرية مليئا بأصوات من حياة أبطال الفيلم ، و التي في الاغلب كانت أصواتا مزعجة الا فيما يخص اصوات الاغاني النابعة من الكاسيت في لحظات يعلو فيها صوت الاغاني لتبدد عدمية الفيلم في لحظات ضئيلة ، تسمح فيها صانعة الفيلم للمشاهد أن يعرف أنه لا سبيل الا الحب في مواجهة هذه العدمية .
الاختيار الاخير كان من نصيب تيمة الالوان الترابية التي عبرت عن لون القاهرة كما يعرفها أهلها ، كما ساعدت في نقل احساس العدم ، فلا شئ يحوم غيره في أجواء الفيلم .
 (4)
بالرغم من مأساوية هذا الفيلم شكلا و مضمونا الا انه يعتبر التجربة الاكثر نضجا في تجارب السينما البديلة ، و الذي يجعلنا في انتظار أعمال أخري لهالة لطفي التي تستحق كل الشكر و الثناء علي هذه التجربة التي تلاحقني بشكل يومي . الامر الذي أستطيع أن أصفه بأن هذا الفيلم يخلق علاقة راسخة بينه و بين مشاهديه ، خاصة اذا ما اختبر أحدهم نفس أحداث الفيلم .




jeudi 11 août 2016

استعمالات اللباس ورموزه في الحضارة العربية الإسلامية: قراءة في كتاب للراحل محمد الطاهر المنصوري












         مفيد ودسم، بليغ العبارة ومقتصد الإنشاء، هذا ما يمكن أن يرتسم في ذهن أيّ قارئ متمرّس بعد اطّلاعه على كتاب "محمد الطاهر المنصوري الأخير"، "في التحجّب والتزنّر" المنشور عن دار"تبر الزمان" بتونس أواخر سنة 2007.
يطرح المؤلف إشكالية مجدّدِة في الكتابة التاريخية العربية تتّصل باستعمالات اللباس ورمزياته، مختبرا مدى قدرة اللباس على رسم الفوارق أو الحدود الاجتماعية والجنسية والاثنية والملّية داخل المجال العربي الإسلامي والتعبير عنها. 
تضمن فهرس الموضوعات أهدافا بسيطة ودقيقة غطّت الحقل الدلاليّ للّكسوة واللّباس والثوب، متعقبا الوظائف المميِّزة للباس الزهد والتصوف، ولحجاب الحرائر من النساء المسلمات، متقصيا الحدود الملّية المجسمة طيلة الفترتين الوسيطة والحديثة بـ"تزنّر" أهل الكتاب من غير المسلمين وارتدائهم للـ"غيار" أو"الشكلة" داخل بلاد الإسلام، بينما تغلق رموز البياض والسواد والصفرة والحمرة والخضرة والزرقة وجمالياتها فقرات مقتصِدة مدبَّرة بعناية، ركّزت على الدال والمهم دون سواهما.
 قد يكون من المفيد بدءًا وقبل التدقيق في مختلف محاور هذه الفهرسة، الاقتراب من السياق المعرفي الذي انخرط ضمنه مؤلف هذا العمل، مركّبا من خلاله تصوّره للكتابة التاريخية منهجا ومضمونا. 
سؤال المنهج ـ سؤال السياق:
يتّصل تكوين المؤلف بالتاريخ الوسيط وبتاريخ العلاقات بين المسلمين والبيزنطيين تحديدا، ويتموضع تخصصه المعرفي بين حضارتين متصارعتين امتلأت كتب الحوليات والأخبار بتفاصيل المواجهات التي خاضتاها. وتحتاج عملية تمحيص المعطيات المتصلة بهذا التخصص إلى تبحّر موسوعيّ وتملّك لمناهج البحث الدقيق، فضلا عن توفّر أهلية التعامل مع مخطوطات مُغْبرّة عسيرة القراءة ملغزة المضامين. 
اتسعت ذائقة الباحث منذ انتسابه إلى الجامعة في أواخر الثمانينات لتنفتح منهجيا على مختلف المدارس التاريخية غير متهيبة من تجريب العديد من النماذج البحثية المتحدرة عن مناهج العلوم الإنسانية والاجتماعية. فمن شاغل "حوار الثقافات والحضارات" إلى التمرّس على مناهج الثقافة المادية والتاريخ الاقتصادي والاجتماعي فتاريخ الأفكار والذهنيات، لم ينقطع المؤلف عن التوسّل بأحدث المناهج قصد تطوير استمارة المؤرخ وتطويع تساؤلاته للتلاؤم مع مقتضيات مكافحة الروايات التاريخية وتعقب اتجاه المعقولية في التعامل معها. 
ولأنّ "الطاهر المنصوري" لم يكتف بانجاز عمله كخبير في المعرفة التاريخية، وتطلّع للعب بقية أدواره كإنسان وفرد ومواطن أيضا، فقد آلى على نفسه فتح ملفات محرجة غير مطروقة داخل الجامعات ومراكز البحوث العربية والإسلامية، لا يمكن ألا يتعارض سياق تناولها مع "مواضعات" الفعل الاجتماعي وأسباره داخل المجال العربي الإسلامي. 
وليس من دليل أبلغ على انخراط المؤلف ضمن هذا السياق البناء المجدّد للبحوث في مناهج العلوم الإنسانية غربا، المثري لتساؤلاتها المحورية منذ فتوحات بارط Barthes وفوكو Foucault وهبرماس Habermas المعرفية، من محاولة التدقيق في مدلول "إعادة صياغة الماضي"، من خلال التصدّر لترجمة مؤلف "التاريخ الجديد La Nouvelle histoire" الذي أشرف على تنسيق مقالاته المجددة المؤرخ الفرنسيّ الذائع الصيت"جاك لوغوف Jacques le Goff " ، تلك المهمة العويصة التي تضمنت العديد من المحاذير المتصلة بترجمة المصطلحات باستنباط أفضل التعبير وأدقها وأكثرها تداولا في آن، وهي مهمة تجهز المُترجم لتجاوز عناقيد فخاخها وحل المشاكل المترتبة عليها بدراية واسعة وحسّ عال. 
والظن بعد هذا، أن اهتمام الباحث بتاريخ الثقافة المادية غربا وشرقا هو الذي أمضى تحفزه ووسّع اطلاعه على نماذج البحث في تاريخ الذهنيات والأفكار، دافعا إياه في غواية دالة إلى فتح ملف استعمالات اللباس ورمزياته في الحضارة العربية الإسلامية من زاوية دور القيافة والملبس في رسم الفوارق الاجتماعية والجنسية والملية والإثنية وتأكيد تمايز الهويات أو تباينها.
 استعمالات اللّباس ورمزياته :
 لئن تبرهن قراءة قائمة الإحالات المصدرية والمرجعية المقترحة من قبل المؤلف عن اهتمام ملحوظ بالقيافة واللباس في الحضارة العربية الإسلامية، فإن تناول المسألة بالتعويل على شبكة الرموز متعددة الأبعاد لا يبدو مقصودا من قبل المؤرخين المغاربة ولا من طرف أصحاب نفس التخصص المشارقة. والظن عندنا أنّ مؤلّف هذا الكتاب قد كان واعيا بجسامة ما تصدر لإنجازه، شديد الإصرار على وضع عمل بحثيّ يطمح إلى إعادة صياغة علاقة المتخصصين التونسيين في الفترة الوسيطة بمناهج الكتابة التاريخية. 
فبمجرد تقديم الإطارين الزماني والمكاني لدراسته يستعير المؤلف أدوات المقاربة الألسنية للتدقيق في معاني الألفاظ المتصلة باللباس وكيفية اقتباس معانيها وانزلاق مدلول معجمها اللغوي سواء بالنسبة للغة الكتابة والتعبير الأدبي، أو لمختلف لهجات التخاطب المتداولة. فمن لفظ "زٌنْطْ" الذي يحيل على العري التام، إلى لفظ "زْقَطْ" المنـزلق جناسا إلى مدلول من لا حسب له ولا نسب في لفظي "زقطي" و"زبنطوط" المتداولين في لهجة تخاطب التونسيين. ومن ارتداء اللباس، إلى الملابسة فاللّبس ساعة خلط الأوراق الحائل دون إدراك المعنى. ومن "الزيّ" الموحِد للمظهر إلى "الزينة" المسرفة في التأنق مظهرا وقيافة، مرورا بـ"البْدَنْ" أو "الجلدة" في ملبس الزهاد وأهل التصوّف، وصولا إلى "الثوب" الذي يتجاوز مدلوله معنى اللباس لمّا يحيل فعله المجرد في لفظة "ثاب" إلى العودة إلى الجادة بعد تعمد الخطأ والوقوع في الضلال.
 هكذا تبرز بوضوح مختلف العناصر المؤثثة للمجال المقصود بالمعاينة ويلعب اللباس دوره كحدّ فاصل بين الأفراد والمجموعات والأجناس داخل بلاد الإسلام والمجال المسيحيّ المصاقب لها مشرقا ومغربا. وحتى وإن جانب الحديث عن الفرد بالمدلول الذي نتعقّله حاضرا الصواب، فإنّ جميع من عاصروا الفترة الوسيطة قد "حدد اللباس المخصص لهم منـزلتهم الاجتماعية ومعتقدهم الدينيّ في آن". 
وظيفة اللباس كميسم وهوية  
 يعالج المؤلف تباعا لباس الفقر والتصوّف متعرضا إلى وظيفة "الخرقة" أو"المرقعة" لدى أرباب الزهد والصلاح داخل بلاد الإسلام. كما يتوقف عند وظائف ودلالات "الحجاب" و"النقاب" و"الخمار" و"البرقع"، منـزّلا إياها ضمن سياقها التاريخيّ المخصوص بها، مُستجليا بحسّ فائق وعناية شديدة حالة اللبس والتشويه المقصود المكتنفة لاستعمالاتها حاضرا، متوقفا في الأخير عند مدلول لباس أهل الذمّة في فرض ارتداء "الغيار" أو "الشكلة" وشدّ الزنانير على من طالتهم ماضيا حماية خلفاء المسلمين وسلاطينهم. 
تعتبر الخرقة أو المرقعة لدى أهل الصلاح عنوانا للبراءة والانقطاع للعبادة والتزاما بمبادئ الشرع ووقوفا عند نواهيه. كما تمثل أيضا دلالة رمزية على الفقر إلى الله دون بقية خلقه وعنوان عن انتقال السالك إلى مرتبة المشيخة المضارعة للإجازة المتوّجة للتحصيل، بعد الصدق في تخطي شدائد أو عقبات مراحل "الصحبة" و"السياحة" و"الانتساب". 
ولئن دل تناول هذا البعد من قبل المؤلّف عن دراية بالموضوع، فإنّ تدبيره المقتصد المعوّل على المهم دون سواه لم يسعف قارئه في الاطلاع على إسهامات المختصين تونسيين كانوا أم غير تونسيين في الموضوع، علما أنّ مدلول "الخرقة" أو "المرقعة" قد تحوّل مغربا ولأسباب تتصل بحساسية مسألة التجانس المذهبيّ إلى مفهوم فضفاض يضمن من خلاله لبس "البدن" التمايز الطائفي من خلال الانتساب إلى الطريقة الشاذلية وكذا للعديد من الطرق الناسلة عنها، دون التعبير صراحة عن الاختلاف مع بقية المجموعات أو الشرائح الاجتماعية الأخرى. 
تصدق نفس هذه الملاحظات على مختلف الفقرات التي خصصها "محمد الطاهر المنصوري" للتعرض لإشكالية التحجّب داخل المجال الإسلامي وللأبعاد الراهنة التي أخذتها مسألة ارتداء الحجاب. فقد أوضحت تحاليله الضافية علاقة الحجاب بالمراحل الزمنية التي سبقت ظهور الإسلام وتاريخية فرض التحجّب داخل المجال المسيحيّ، مما ساهم بلا جدال في تنسيب حالة تركيز الإعلام الغربي راهنا، وبطرق لا تخلو من المساجلة الرخيصة والخلط المقصود، على عقلية التزمت الملازمة للإسلام وللمسلمين، في حين أنّ من يرتدين الحجاب - وبصرف النظر عن احترامنا الكامل لاختياراتهن الشخصية- غالبا ما يتحدّرن عن أوساط اجتماعية تعيش ظروف صعبة ولا تمتلك تحصيلا معرفيا أو ثقافة اجتماعية ومدنية كافية تأهلهن للتعامل مع قضايا الهوية أو الخلاص مثلا - وهي قضايا حارقة غالبا ما يتم التعامل معها شرقا بحسيّة مفرطة - بالحدّ المطلوب من العقلانية تلك التي لا تتنافى في تصورنا ضرورة مع دواعي "الاحتشام" أو "المحافظة".
يتوسّل "المنصوري" بأدوات المختصّ في التاريخ الوسيط ومناهجه فيسائل النص القرآني المؤسّس وتفاسيره وأسباب نزوله وأحاديث النبيّ ومسايراته في محاولة لتأطير الوقائع والأحداث ومكافحة الروايات المتاحة حول كيفية حصولها. ولئن لم تشكّل محاولته فصلا للمقال، علما أنّ التحجّب قد جلب اهتمام المختصين في الدراسات الإسلامية وفي العلوم القانونية والسياسية وكذا الأمر بالنسبة للدراسات الحضارية و"الجندرية"، فإن استعراضه لنفس براهين من سبقوه لم يدفعه إلى مساجلة من قلّبوا قضية الحجاب من قبله وتأولوه، خاصة وقد تضمنت بعض تلك القراءات ذات الحجج التاريخية التي استجلبها المؤلف فيما يتعلق بمناقشة مدلول الأية 59 من سورة الأحزاب والتثبت من أسباب نزولها وتحديد الأجواء العكرة التي عاشها النبي قبيل واقعة الخندق وإبانها، تلك الأجواء المشبوهة التي استعملت خلالها وسائل منحطة لا أخلاقية حرّكها من وسمهم النص القرآني بـ"المنافقين" ويهود يثرب. 
خصّص مؤلّف "في التحجب والتزنر" الجانب الأخير من الفصل الثاني لمدلول رموز الألبسة المفروضة على الذمام من أهل الكتاب، مبينا أنّ معنى الذمة هو الحماية والتبعية الخالصة لمن عادت له أهليتها من خلفاء وسلاطين وأمراء الأمة الإسلامية. معتبرا أن لبس الغيار "مشرقا" أو "الشكلة" مغربا وشدّ الزنانير، وإن كان مظنة للحماية فإنه لا يخلو أيضا من تحقير معلن ومن تمييز ملّيّ ممنهج ومنظم رسميا من خلال الأوامر المتكررة لأئمة المسلمين منذ ما عرف بميثاق عمر بن الخطاب. وهكذا يستقيم قول "المنصوري" بأنّ "الاشتباه بالملبس قد عوض الاشتباه بالسحنة أو الوجه ممثِلا داخل بلاد الإسلام كما في بلاد النصارى عنصرا مميزا وعلامة بارزة لهوية السطح أو للهوية الظاهرية".  
رمزيات ألوان اللباس وجماليتها ببلاد الإسلام
 تعرض مقاربة ألوان اللباس وجماليات اللون داخل المجال العربي الإسلامي مشرقا ومغربا في كتاب "محمد الطاهر المنصوري"من زاوية علاقة اللون بالمنـزلة الاجتماعية والانتماء العقديّ ودورهما كميسم marqueur اجتماعي وملّيّ. فقد تم الاهتمام بالألوان من خلال ما حملته في المخيال الجمعي من رموز إيجابية مرغوبة أو سلبية منبوذة.
وتبين العروض التاريخية التي اقترحها المؤلف حول هذا البعد أنّ العهدين الأموي والعباسي قد عاينا تحول الألوان إلى ميسم اجتماعي وعرقيّ وملّيّ. فلئن لم يبد النبي بحكم موقعه كمؤتمن على رسالة سماوية تفضيلا خاص يتعلق بقيافة اللباس وألوانه، فإنّ الميثاق المنسوب للخليفة الراشدي الثاني عمر بن الخطاب قد خصّ الذمام بثلاث ألوان مميزة، الأزرق للنصارى والأصفر لليهود والأحمر للـ"سامريين
samaritains". 

 ومع وصول العباسيين إلى الحكم واتخاذهم للّون الأسود الذي يحيل على السيادة راية ورمزا للسلطة الإسلامية تحوّل لون الراية الأموية الأبيض إلى علامة ظاهرة للقيام ضد الشرعية ومواجهة السلطة وحاربت "المبايضة" "المساودة" محرِّكة الممانعة ضدها. ولما كان الأبيض عنوانا للتمييز الاجتماعي والأخلاقي بجميع أشكاله، فقد نافسه السواد لون امتلاك السلطة واحتكار الجاه وأداة شدة الإغراء والفتنة وفقا لما أُثر عن "مسكين الدرمي" في قصيد "قل للمليحة..."
على غرار السواد والبياض خصص المؤلف فقرات مفردة للحديث عن رمزيات الأصفر الذي عاد في أصوله إلى الأمراء قبل أن يحوّله ميثاق عمر إلى لون خاص باليهود والنساء، ورمزيات الأخضر الذي اجتاف على مرّ التاريخ مدلول الحيوية والشباب قبل أن يرتبط عقديا وفي مخيال المسلمين بحمام الروح ولون سكان الجنة بامتياز. أما اللون الأزرق الذي ارتبط قديما بحضور نبات النيلة على ضفاف أنهار مصر وبلاد الرافدين، فقد اتصل بلباس النساء والخدم والأرامل والقواعد من العجائز قبل أن يتحول وفي ظل إسلام التأسيس إلى لون تمييز التصق بالذمام من النصارى داخل المجتمع الإسلامي.
يقينا أن الهدية القيمة التي قدمتها لنا دار "تبر الزمان" للنشر التي يديرها باقتدار وتميّز عبد الرحمان أيوب المعروف بتضلعه في دراسة الموروث اللامادي والسِّيَر القبلية، قد شكلت علامة أساسية في جنسها، علما أن دقة البحث وسلاسة اللغة لم يمنعا مؤلف كتاب "في التحجب والتزنر" أن يضع الأفكار التي انطوت عليها دفتا كتابه في متناول ذائقة أبسط قرائه وأقلهم اطلاعا وتلك واحدة من خصال الكتابه حاضرا، قراءة وتدبّرا. ولئن لم يكن بوسع المؤلف أن يشحذ حب اطلاعنا لمزيد التعرّف على واقع اللباس وتاريخه مغربا، وهو موضوع بكر لا زال بحاجة لمن يتولى تفكيك ألغازه المعتَّمة، فإن الإشكالية التي رام "المنصوري" تناولها وركبها بدارية نادرة، لم يكن ضمن تخطيطها تناول جميع الأبعاد التي ينطوي عليها موضوع الملبس في شموليته مشرقا ومغربا.
 وضع "المنصوري" بلا جدال لبنة الأساس لتفحص إشكالية الملبس من نافذة التاريخ الجديد مضيفا جملة من الوثائق الهامة لملف معقد وشائك، لذلك نرجو أن يواصل من قد تستهويه مثل هذه المغامرة البحثية المضنية والممتعة في آن، السير على خطى مؤلف هذه المساهمة المفيدة والمثيرة، الهادئة والمتأنية المضافة إلى حقل الدراسات التراثية والجمالية المتصلة بتاريخ اللباس وقيافة الملبس في الحضارة العربية الإسلامية.