lundi 26 décembre 2011

vendredi 16 décembre 2011

سيرة غامضة لملك فاقد للمهابة




تشدد الرواية التاريخية على الطابع الأدبي البحت للحكاية التي تقترحها، حتى وإن سعى واضعوها وسعهم كي يجعلوا مما يروونه أمرا ممكن الحصول في الواقع، سواء اتصل الأمر بالإطار الزماني والمكاني أو تعلق بالنتائج المترتبة عن السياق الذي انخرطت ضمنه الأحداث المروية. فما يعتبره مؤلف الرواية مجرد صياغة أدبية لما كان يمكن أن يحصل في الواقع، هو ما يمنح قارئه حقيقة فرصة لمزيد فهم ما ثبت حصوله في الواقع. فالهدف من كتابة الرواية التاريخية لا يتمثل في عرضها فنيا على العارفين بالأحداث التاريخية فحسب، بل في توسيع نطاق المعرفة بتلك الأحداث لتشمل من لم يصادفهم حظ الاطلاع عليها والتفكير في حقيقة حصولها. على هؤلاء تحديدا يتعين أن تُقترح الرواية التاريخية وفقا لمقاربة فنية تحوّل أحداث التاريخ إلى مروية فاتنة تطرح أسئلة الحاضر متوسّلة بما ولّى من وقائع الماضي، فالتاريخ يبقى على الدوام مدرسة للحرية تساهم في تعميق التأمّل والتبصّر بما يعطي مدلولا ساميا وعميقا لوجود الإنسان.
على أنه من الضروري الاعتبار بالمسافة التي تفصل عمل المؤرخ المختصّ عما يأتيه كاتب الرواية التاريخية. فمهما اتسعت ثقافة هذا الأخير أو معرفته بالأحداث التاريخية، ومهما ثبتت حاجة المؤرخ للتوسّل بالقصّ في عرض مختلف الروايات المشكّلة للسياق وتمحيصها، فإن مقتضيات المعالجة الروائية لا تتلاءم مع ما يتطلّبه عمل المؤرخ من صرامة منهجية. وهو ما لا يضير في شيء بهذين الضربين الفنيين والأدبيين، فالقول الروائي مجبول على التخيّل قصد تجاوز متاح الواقع المتأكد حصوله تاريخيا ومجادلة الحاضر فنيّا بتوظيف أدوات القصّ والحوار، بينما لا يجرأ المؤرخ المختصّ على إتيان مثل هذا الانزياح الذي يسوّي بين ما جد في الماضي وما يحمله الواقع في الحاضر، لأن في ذلك نزوع إلى الإسقاط وتمثّل للماضي من منظور السياقات السائدة في الحاضر.
يكمن فخ الإقدام على تحبير النص الروائي التاريخي في الركون إلى استسهال هذا الضرب الفني العصيّ باعتباره طلبا مبذولا، فتفاصيل الحكاية تبدو معروضة مُسبقا وما على المؤلف غير إعادة تنظيمها وعرضها على القراء، في حين أن الأمر يتعارض مع ذلك تماما فعبقرية من أبدعوا في هذا المجال الفني تكمن في قدرتهم على إعادة اختراع الواقع وتحديد ملامح الشخصيات وضبط طبيعة الأدوار وبناء الحوار وتفاصيل الطرادات، بما يُنشئ الخرافة إنشاء ويحبك عقدتها ويستجيب تبعا للأغراض الفنية والفكرية والوجودية المنشودة.
فهل تمكنت "علياء مبروك" وهي واحدة ممن تجرأن على الكتابة في هذا الضرب تونسيا من المزاوجة بين التاريخ وفن الرواية وعرض مضمونه بطريقة تسمح لغير المنغمسين في هذه المعرفة بولوج مجالها بطريقة تسهل المصالحة مع التاريخ والإقبال عليه من وجهة نظر فنية ترفع تحدي المزج بين المتعة والتثقيف؟ هذا ما سنحاول التعرّف عليه من خلال هذا التقديم المبتسر لمضمون روايتها "الملك الغامض Le Roi ambigu" وهو نص ينخرط ضمن خماسيتها الروائية المكتوبة باللغة الفرنسية والتي خصّصتها لتاريخ البلاد التونسية.
لا يتعين أن يُحمل اعتلاء سدة الحكم على أنه ضفر بالعزة والجاه، فقد يُخبئ الملك أحيانا مفاجئات مروّعة تنطوي على أعوص المحاذير محوّلة تراجيديا الفرد إلى انهيار أمة بأكملها. هذا ما اقترحته علينا المؤلفة ضمن روايتها التاريخية الصادرة عن دار ديمتار بتونس سنة 2007.
تدور أحداث الرواية حول فترة حكم السلطان الحفصي "مولاي الحسن" (1525 – 1542 م) وهو الملك الغامض الذي نجم شقائه عن تحمّله أعباء الدولة في مرحلة فارقة من تاريخ إفريقية. فلئن وصفه الإسباني "كربخال مارمول" الذي رافق إمبراطور الكاثوليكية "شارل الخامس" غداة حملته على تونس ضمن تاريخه بأنه "كان طيب السجايا اتسمت تصرفاته بالإقدام والفروسية والكياسة والكرم، وأنه إذا ما استثنينا بعض السقطات التي يحلّ لجميع المتوّجين إتيانها، فإنه يصحّ اعتباره واحدا من أجّل ملوك زمانه"، فإن الأخبار التاريخية الموضوعة بحقه تفيد عكس ذلك تماما. فقد جُوبهت سلطته بعدم الاعتراف وأقدم جيشه عن الخروج عن طوعه في جميع المواقع التي خاضها، قبل أن ينقلب عليه ولي عهده ويحرمه من نعمة البصر ويزدريه كبار ساسة وملوك زمانه.
باشر الحسن حكمه بالإقدام على تصفية إخوته وأنهى حياته ضريرا منبوذا تنكّر له الجميع قبل أن يُدَس له السم ويطوي ذكره الخزي والنسيان. ملك صغير لمملكة منقسمة طال أمجدها الضمور والتقهقر، ملك فاقد للمهابة ضيع شرعيته لما أعرض عن حِلْمه مُبديا صلفا مُروِّعا حال الإصرار على تصفية منافسيه حتى لو كانوا إخوة له في الدم، غير مُباليا بتحذير أهل مشورته ولا بدموع والدته المسنّة.
ليس في الأمر غرابة لو قدر لمن أتاه الصدق في الانكباب على أمور الدولة وتقدير لدقة الموقف وجسامة المسؤولية التي آلت إليه وحرجها، فغالبا ما يُؤخذ بالسلطان ما لا يُؤخذ بالقرآن. إلا أن "سقطات المتوّجين" على حد تعبير "مارمول" هي التي جعلت من البحث عن المتع واللهث المجنون وراء السلطة مظنة للوقوع في إدمانٍ مُهلكٍ يعسر الإقلاع عنه.
مفتونا كان الحسن الحفصي بجميل اللفظ ورقة الموسيقى، مُتيّم بحب غلمانه الذين عتمت وجوههم الصبوحة على وجوه بقية من نُسب إلى حاشيته أو انظم إلى بلاطه من أعيان البلاد وكبار علمائها. لم يكن لمن آثر الدعة أن يعقل أمور الدولة على حقيقتها، فقد غرّه بهرج الحكم وعظُمت في عينيه نجابته الخارقة في حسم المواقف وقدرته الاستثنائية على المناورة، فاعتقد أنه على موعد مع استعادة أمجاد كبار ملوك أسرته بوضع حدّ للممانعة وخضد شوكة العُصاة ممن رفضوا الانصياع لقهره وشكّكوا في شرعية وصولة إلى سدة الحكم.
توجه إلى القيروان معقل دويلة شيوخ الشابيين متأكدا من سحقهم، فرجع على أعقابه خائبا بعد أن انفضّ جنده من حوله والتحقوا بصف أعدائه. ناكفه سيد البحر ووالي الأتراك بالجزائر "خير الدين" تحت غطاء إعادة الشرعية لأخيه الرشيد، فرحل عن وطنه قاصدا برشلونة يطلب نجدة الإمبراطور شارل الخامس ويستحثه لمعاضدته في دحر الغاصبين واستعادة ملك دفع لاسترجاعه ثمنا باهظا أُبيحت بمقتضاه مدينة تونس وجامعها الأكبر لرعاع الجرمان من جند النصارى وارتهنت بمقتضاه سيادة بلاده لحكم الأسبان، واهتزت سلطة الحسن من جديد بعد خروج ولي عهده عنه وهو في عزّ منازلته ضد الشابيين الذين امتد سلطانهم على المدن الساحلية للمملكة.
أُودع الملك الغامض السجن وسُملت عيناه فكّف منه البصر، ولم تعزه الحيلة في الالتحاق مجددا بالضفة المقابلة جادّا في طلب السلطة مقنعا إمبراطور الكاثوليكية المدحور عند مرفأ الجزائر -وهو من أنهكته الحروب الدينية حتى أضحى يفكر في التنازل على الملك لفائدة ابنه فيليب الثاني- على مساعفته كي يستعيد ما لم يعد أهلا بالمرة لتحمله.
تلك هي وقائع رواية ملك فتنه بريق الحكم وقادته تصرفاته إلى مصير محتوم، رفض القبول بالواقع والتعامل معه من زاوية الاعتبار بالممكن قصد بلوغ المستحيل. ملك غامض لاحق نجما واعدا بالعزّ وموفور القوة وكلّفه اللهث وراء حُلمه الزائف تلمّظ مرارة الهزيمة والخزي وتعريض موطنه وأهله إلى القبول في انكسار بالتفريط في عزيز السيادة.
تفاصيل سيرة أجهدت علياء مبروك نفسها في جمعها من رحم شذرات تاريخية نادرة ضمتها مصادر متناثرة أوردها مؤلفون كثر من "ليون الإفريقي أو الحسن الوزان" إلى "كربخال مارمول" مرورا بمسالك أبصار "ابن فضل الله العمري" وبحر "مصطفى بن حسن الحسيني المشهور بالجنابي" الزاخر، وأمير "ماكيفيلي" أو خطابه حول فنون الحرب وبديع شعر "ابن حمديس" وهو يرثي مسقط رأسه صيقلية بعد أن عزّ عليه الرحيل ومفارقة الوطن إلى الأبد فأنشد أبياته الخالدة:
بلد أعارته الحمامة طوقها ... وكساه حلة ريشه الطاووس
فكأنما الأنهار فيه مُدامة ... وكأن ساحات الديار كؤوس
فضلا عن دراسات المختصين كـ"دومارك" حول تجارة البندقية و"غي توربي ديلوف" حول موقع إفريقية في الآداب الفرنسية خلال القرنين السادس والسابع عشر، و"جوريان دي لاغرافيار" حول قراصنة إفريقية وأسطول سليمان القانوني.
سيرة صعبة المراس رفعت المؤلفة بتوفيق غير قليل تحدي ردّهاإلى الحياة وإشراكنا في تعقّب تطوّراتها وتتبّع أدق تفاصيلها بالتعويل على القصّ المبهر وأسلوب الكتابة الباذخ المتحدّى لندرة المعطى التاريخي الراسم بريشة الفنان الـمُلهم حكاية أمير قُدّت من بهي اللفظ وبليغ العبارة، عرضت على قارئيها من وجهة نظر من يمتلك مطلق السلطة، وهي في تعريف من هم على شاكلة "ملكنا الغامض" استئثار بالسعة والجاه وإحساس بامتلاك نواصي المحكومين يصل حدّ المنازعة في الربوبية.

jeudi 8 décembre 2011

Première conférence des "Rendez vous de l'Association Tunisienne des Etudes Historiques" sur le thème "Être tunisien".


Conférence de Mme Rym Kefi:
"Les analyses ADN: richesse et spécificité du patrimoine génétique de la population Tunisienne".
Vendredi 23 décembre à 14 au club Taher Hadded 2o Rue du Tribunal dans la médina de Tunis.

vendredi 2 décembre 2011

En plein dans le mille : Bataille rangée autour d’un fleuron de la république


L’université ne va pas très bien en ce moment. Toute une cascade d’évènements malencontreux relevant de la surenchère partisane prompte à nuire au bon déroulement de ses activités, prouvent une volonté à peine cachée de compliquer une situation par trop tendue qui risque de mettre à mal une institution dont la mission est de former les jeunes générations et de garantir l’éclosion d’une élite capable de se hisser à un niveau comparable à celui des pays développés.
Dure était la décade passée le moule de la formation universitaire a été complètement brisé par une sollicitation sans précédent ébranlant la qualité de l’encadrement et par un marché de travail par trop saturé répondant très mal aux attentes légitimes d’un nombre faramineux de nouveaux diplômés. Une telle situation à sonné le glas d’un fleuron de la république désabusé et complètement délaissé à son triste sort. La réforme imposée d’en haut par des décideurs autosuffisants qui se croyaient capables de gérer la crise de loin en imposant un nouveau formatage basé sur un rapport étriqué à la professionnalisation des savoirs, a laissé place à la torpeur et à l’expectative après un bilan ostentatoirement négatif.
Passée l’euphorie des premiers moments de la révolution, la descente sur terre annonce une réalité complexe dont la prise en charge a complètement échappée à des décideurs en manque de légitimité qui ont trop jouer sur un attentisme laxiste et des acteurs politiques profondément clivés autour de questions peu productives ne servant en priorité que des impératifs électoraux.
Le constat et sans appel une rentrée des plus difficile avec des opérations d’intimidation ici et là dans plusieurs établissements universitaires visant à instaurer un climat d’agitation attisant la haine entre différents protagonistes et un « débat » musclé et complètement suranné autour d’un accoutrement religieux qui ne s’accommode guère avec les impératifs de communication pédagogique et de transmission du savoir.
Le réchauffement des esprits et la prise en charge du débat par une société civile légitimement alarmée risque de gonfler la surenchère et de crier une ambiance malsaine sapant le peu de crédibilité et le minimum d’autorité dont disposent aujourd'hui les enseignants pour mener à bien leur tâche formatrice et émancipatrice.
Un petit rappel historique nous éclaire sur un acheminement qui prend ses origines dans les années quatre vingt ou une « génération dite perdue » devant laquelle la machine de l’Etat-parti a sciemment fermé tout horizon prompt à engager une vie citoyenne et une possible alternance politique trouve dans le paysage universitaire une ouverture à la mesure de ses ambitions l’objectif étant bien entendu de contribuer à la formation académique et civique des nouvelles générations. C’est à cette même génération qu'on essaye aujourd’hui de compliquer la donne en engageant comme par enchantement un bras de fer entre elle et une autre « génération sans futur » soufrant des multiples maux d’un ascenseur social en panne depuis bientôt deux décades.
C’est là ou se situe la lame de fond expliquant la réalité tragique ou nous en sommes. L’accoutrement ostentatoire des barbus et des mounaqqabats n’est au fait qu’un trope ; un simple fractal autour duquel s’exacerbe les pires phobies de part et d’autres. La fracture sociale est bien là pour nous rappeler la triste réalité du naufrage collectif au quelle nous assistons. Le malaise n’est plus latent la crise est en passe de s’installer durablement dans notre pays.
L’université n’est plus ce qu’elle a toujours été, c'est-à-dire un havre de paix dont la noble mission et de produire le savoir et de le transmettre aux générations futures. L’exception n’est plus de mise et la sérénité indispensable pour former les élites laisse place à la cacophonie d’un militantisme effronté, à la surenchère verbale, à la crudité malsaine des phrases assassines.
Le monde des lettres, des arts et des humanités parait aujourd’hui – et à juste titre d’ailleurs- représenter le creusé tout indiqué mettant à nu le malaise social et culturel généralisé. C’est incontestablement le maillon faible de la chaîne, son talon d’Achille par excellence, là ou la crise a déjà pris une envergure virant à l’absurde. La fuite en avant ne date pas d’aujourd’hui. D’aucun sait le traitement peu privilégié réservé à de telles spécialités au point qu’elles en viennent à jouer le rôle peu attrayant et sciemment humiliant de « dépotoir » pour les laissés pour compte du système d’orientation. Aucune solution ne pointe à l’horizon, le verrouillage du marché de l’emploi devant ce type de formations n’a d’égal que le ridicule du concours ouvert chaque année pour ancrer dans les esprits de milliers de diplômés l’illusion d’une bien hypothétique possibilité d’embrasser la carrière d’enseignant.
Une humiliation sans précédent se rejoue chaque année à « une génération sans futur » forcée à vivre le calvaire de la marginalisation, en acceptant de se jeter dans le précipice d’un marché de dupes fait de démerde et de débrouille, ne comportant aucune garantie et ce pour des milliers de jeune sortant des universités et détenant des qualifications perçues comme le fruit d’un parcours de combattant, dont la finalité est d’acquérir le statut hautement prisé de cadre mais dont la triste réalité et de venir grossir les rangs des trois millions de tunisiens chômeurs et analphabètes.
Un aussi triste bilan ne peut que clouer l’université au pilori. La bataille rangée autour de l’accoutrement ostentatoire des salafistes qui bat son plein en ce moment, n’est au fait que la partie immergée de l’iceberg. Le vrai malaise de l’université se situe ailleurs, dans l’inadaptation de ses formations au marché de travail, dans la centralisation outrancière de la décision, dans le peu d’intérêt réservé aux initiatives et dans le manque de moyens mis en disposition pour garantir leur réalisation, bref dans cette volonté à s’opposer à toute forme d’imagination d’une société en mal de devenir.
J’espère qu’on y viendra au plus vite à affronter sereinement ce champ de mines qui est celui de la formation universitaire, en refusant de céder à toutes les formes de manipulations et d’amalgames non dénuées de surenchère politicienne. A quoi sert tant d’institutions et tant de diplômes qui n’ouvrent guère sur le moindre horizon et qui risquent au contraire de compliquer davantage la triste situation de nos universités et de brader l’avenir d’une jeunesse en mal de dignité?
Un moratoire de quelques années sur un tas de filières, même s’il sera très mal perçu, nous semble aujourd’hui de mise. Il donnera aux enseignants chercheurs la possibilité de repenser leurs métiers ainsi qu’à des milliers d’étudiants l’opportunité d’être enfin orienter en conséquence. C’est là peut-être un signal fort prouvant la volonté indélébile des décideurs de rompre avec la politique de l’autruche, de mettre fin à une parodie honteuse en empêchant une signée de l’argent du contribuable qui n’a que trop durée. Tout le reste ressemblera après à un faits divers produisant beaucoup de tapage et ne recelant que peu d’effets. Assumant la responsabilité de répondre aux vraies questions et laissant de coté tous qui nous éloigne de notre objectif : Devenir un peuple libre donc nécessairement responsable.

dimanche 27 novembre 2011

الرأسمالية من منظور الأخلاق السياسية




يعرض هذا المقترح الذي لا همّ له مبدئيا غير الارتقاء بسائد الثقافة والخطاب ضمن المشهد السياسي التونسي، جملة من التصورات تعكس واقع السجال حول الممارسة السياسية بمقياسها الكوني وذلك من خلال معاودة زيارة حرّة لمقترح فلسفي لا يخلو من هواجس مدنيّة حاول البحث في خصوصية العلاقة التي تربط الرأسمالية كمنظومة اقتصادية كونية حاضرا بالأخلاق في مدلولها الديني والعقلاني والنفعي أو الذرائعي.

في مجافاة الرأسمالية للأخلاق في مدلولها الديني:


تعرّف الرأسمالية بأنها نظام إنتاج وتبادل للسلع يعمل ضمنه من يملك رأس المال الأصلي إلى الرفع من ربحه عبر استغلال مجهود مؤجَريه من شغل أو خدمات بعد قبولهم ببيعه أو تأجيره مقابل التعهّد بصرف مستحقاتهم، علما أنه بمقدورنا سحب تلك الصفة على وضعية صاحب المال أو مقترضه بشرط استفادتهما من الأرباح التي تدرها مثل تلك العلاقة. ويبدو الربح الشخصي ونقصد فائض القيمة أو هامش الربح المترتب على الرصيد المستثمر هو هدف صاحب رأس المال الأوحد، تماما مثلما تنحصر رغبة المؤجَر في التمتع بأعلى الرواتب التي تتيحاها العلاقة الشغليّة التي تربطه بالمؤجِر. مما يترتب عليه حصول مواجهة مفتوحة أو مكتومة بين الطرفين، وذلك من خلال البحث عن تطوير الأرباح من جانب، والحصول على أعلى الأجور في الجانب المقابل.
وهكذا تُحوّل الرأسمالية الأموال المستثمرة إلى علاقة استغلال بين المال والعمل هدفها توفير الربح للمستثمِر وبناء مناخ تهيمن على العلاقات الاقتصادية كما على الأطر الاجتماعية للإنتاج والتبادل ضمنه الأنانية، إذ ليس من المطلوب من منظومة اقتصادية تعلي من قيمة الربح أن تلتزم بالتحلي بخُلق الإيثار، حتى وإن بقي مدلول ذلك الخُلق نفسه ملتبسا اعتبارا إلى إمكانية التمييز بين معنيين متعارضين ضمن التعريفات السائدة له:
فإما أن يكون المقصود بذلك بناء علاقة إيثار صرفة بالآخرين تخضع لمجموعة من القيم يحضّ جميعها على الاتسام بالكرم ومغالبة النوازع النفعية وتقديم المساعدة المجانية والقبول بالتضحية بالمصلحة الخاصة خدمة للمصلحة العامة، وهو معنى الإيثار من وجهة نظر الأخلاق الدينية التي أسست لقيم التراحم والتكافل، أو أن يكون المقصود من ذلك ربط الفعل بالمسؤولية لا بالمصلحة أو بالرغبة الحسيّة وهو ما لا يتعارض مع المدلول الأول للأخلاق استنادا على احترام الحقوق وصون كرامة الغير دون حاجة إلى استبطان تلك القيم من وجهة نظر دينية.
وإن كان ليس بوسع الرأسمالية ادعاء تبنّي مثل هذا التصوّر العقلاني للأخلاق، فإن ذلك لا يجعل منها منظومة لا أخلاقية بالضرورة، فهي معنيّة وفي أفضل الحالات باحترام القوانين الكونية التعاقدية ذات الطابع النفعي للتعامل بالمثل، شريطة وفاء كل متعاقد بالعهود المقطوعة والحقوق المترتّبة عليها تجاه الآخرين، دون الحاجة إلى إعلاء أي سجل أخلاقي، دينيا كان أم عقلانيا.
وعموما فهذه ليست بوجهة نظر الأخلاق من المنظور الديني حيث تلعب فلسفة الحب المبنية على التراحم في الديانة المسيحية مثلا دور الركيزة الأساسية. كما لا يمكن لقيم على تلك الشاكلة أن تعبّر عن نفسها خارج إطار العطاء المجاني دون حاجة مضمرة إلى الحصول على أي مقابل، مادي كان أم عاطفي. فالسلوك الأخلاقي من منظور ديني يدفع إلى مغالبة التصرفات الأنانية الـمُعليّة للمصلحة الخاصة إلى حد التضحية بالنفس تحسّبا لمرضاة الله وإثمارا لسلوك نبييه، لذلك تتعارض تصرفات الرأسمالي أو التاجر بالضرورة مع أخلاق المتدين الورع القابض على دينه العامل على التضحية بكل نفيس بغية نشر مضمون رسالة المحبّة الكونية. فهدف كلاهما هو الاحتكار الأناني للفائدة المالية في إطار المنافسة الشرسة والتعويل على الاستغلال، وهو ما يتنافى مع زعم محبّة الآخرين من دون شرط أو مقابل.
ومهما يكن من أمر، فإن أي إدعاء يزعم التحلّي بالرحمة ضمن سياق الرأسمالية ما هو في الحقيقة إلا عذر مختلق وقناع للمغالطة يتمثل الغرض منه في إخفاء تأصّل النوازع الأنانية والبحث عن كسب جانب من الشرعيّة في أعين الضحايا. لذلك شكّل التعويل على النفاق وتوظيف قيم الرحمة تصرّفا لا أخلاقيا على القطع، باعتبار أن الإسراف في المواربة والعزوف عن تقديم المساعدة، وهما أصل في السلوك الرأسمالي الـمُـتعلّل بفضيلة إعلاء الحرية الشخصية وتعديل الفوارق الناجمة عنها عبر حث الأثرياء على التعامل بسخاء مشوب بالرياء تجاه الفقراء، يكمن الهدف من وراء تشغيله في التعمية على الفوارق والحفاظ على هيمنة الأغنياء بتحويل من هم دون تلك المنزلة الاجتماعية إلى مجرد محتضَنين قانعين بمنطق الوصاية المستندة على الهِبة.
تُمثل المنافسة الاقتصادية ضمن هذا الإطار أداة للإثراء وفرض الهيمنة بفسح المجال للمنازلة الشرسة الحرة العارية عن أي شكل من أشكال التدخّل، مما يسهم في تعاظم التصرفات الشخصية الأنانية على حساب ما سواها. فتتحوّل الهِبَة ضمن هذا السياق إلى قيمة أخلاقية سامية تُستجلب للتذرّع بغرض مزيد تكديس الأرباح وإشباع أكثر التهويمات جنونا والإقبال النهم على الاستهلاك المنتج لنوع من الشعور الذاتي بعلو القيمة، إلى مصدر لمطلق المعنى، مما يحول منطقيا دون ظهور أي شكل من أشكال الإيثار باستثناء ما يسمح توظيفه بخطب ودّ الآخرين وكسب احترامهم.
البذل من أجل الحصول تلك قاعدة التبادل الأساسية، وحتى الهبة التي تبدو مجانية ظاهريا تحتاج إلى مقابل لها من خلال التعهّد أخلاقيا برد الجميل وخلاص الدين المبذول في مدلوله المعنوي. وهكذا يتم تدنيس العطاء الذي لا هدف له مبدئيا غير الرأفة بتحويله إلى دين مؤبد عبر نوع من المساعفة النِفاقِيَّة التي تغذي شعورا دائما بالذنب عير التذكير بالعجز عن رد الجميل وبقاء من شملهم الإنعام في التبعية.
تتسم الرأسمالية من هذه الزاوية تحديدا بلا أخلاقيتها، لأنها تتعارض بالكامل مع القيم الدينية أو الروحية السامية، لذلك فإن جميع من يمارس الرأسمالية مُدّعيا التمسّك بتلك الضوابط لا يمارس غير التضليل والمواربة. والأدهى أن مثل ذلك التصرّف الموسوم بلا أخلاقيته غالبا ما يعبّر عن نفسه من بوابة الدفاع عن الحرية الشخصية، في حين أن "شيطانيته" تتجلى في دفاعه عن أنانية مُزرية بحرية الآخرين، رافضة لكل تضامن أو إعلاء لقيم الأخوة الإنسانية المستندة على المحبة.
وهكذا فإذا كانت الرأسمالية معادية من حيث الهدف ومن حيث الوسائل للمبادئ الدينية، فإن المتديّن الحقيقي لا يمكن له أن يكون إلا مناهضا لها. لأن القيم الديانة الحقيقية ليس بوسعها نظريّا ومن حيث الأخلاق سوى التوافق مع تصوّرات المشاعة البدائية، وهو أمر تسهل ملاحظته تحديدا حال تعقّب ردود فعل الحواريين مثلا إزاء الجماعات المسيحية الأولى التي فضلت وباسم الإثمار الحقيقي لسيرة يسوع الاشتراك في امتلاك كل شيء، حيث مثلت آليات إعادة التوزيع ضمنها توجّها نحو التشارك أو الهبة التي تقدّمها الجماعة لكل فرد. وهو ما تصدى كارل ماركس لرفع تحدي تجسيمه من خلال مقترحه الفلسفي الشيوعي الطوباوي، المنكر للحق في الملكية الفردية لوسائل الإنتاج والتبادل، المعتقد في إدراك ذلك عبر إلغاء المعاملات النقدية والتجارية ضمن مجتمع متصالح ومساواتي ليس فيه مكان لفقير أو لغني.
فقد اعتقد ماركس أن البشرية ليست بحاجة إلى القضاء على المسيحية بقدر ما يتعين عليها وعلى النقيض من ذلك تحقيق جميع القيم التي دعت إليها تلك الديانة من خلال إنجاز ثورة شيوعية تلغي حق الملكية الفردية لوسائل الإنتاج والتبادل بتحويلها إلى ملكية جماعية في إطار مساواة فعليّة، لا مجرد مساواة أمام القانون يحصل بمقتضاها كل فرد على نصيب يتساوق مع حاجياته الحقيقية.
تبدو الرأسمالية إزاء تصوّر مثالي على هذه الشاكلة منظومة اقتصادية لا أخلاقية تأسست بغرض البحث المكدود عن تكديس الأرباح دون قيد أو حدّ، بينما يتسم الأثرياء ضمنها بنهم وشره لا حدّ لهما وباستغلال للفقراء من خلال تحويلهم إلى مجرد أدوات إنتاج. كما تكمن لا أخلاقيتها أيضا في تكثيفها لحملات الإشهار الحاثة على الإفراط في الاستهلاك وتغليب الرغبات المادية النرجسية على حساب توسيع دائرة التشارك والتكافل، الشيء الذي يُسهم في احتداد الفوارق الاجتماعية وتحوّل الرغبة في الحفاظ على ارتفاع نسب الأرباح إلى هدف سامي يدفع تراجعه إلى عدم التهيب من تكثيف الاستغلال ونقل مواقع الإنتاج إلى مواطن جديدة تسمح بإحكام الضغط على مصاريف الكلفة والتسويق.
وفي المقابل تتسم الأخلاق التي دعت إليها المسيحية أو الشيوعية أو العقلانية بإغراقها في مثالية فجّة فطموحها يتجاوز بكثير معقولية إدعاء توفّر سلوك بني البشر على مثل تلك القيم السامية. فجميع ما دعت إليه تلك التصوّرات الدينية أو الإيديولوجية أو الفلسفية لا يستقيم إلا في حق المنقطعين من أهل الصلاح وصفوة العقلانيين والرهبان الذين يعيشون خارج الاجتماع البشري، وكذا في حق الأشخاص الافتراضيين ممن تنعدم لديهم الرغبات الشخصية ويفتقدون لكل نرجسية.
على أنه ليس هناك ما يبرهن حقيقة على تنازل الأشخاص الأكثر ورعا ممن عرفوا بالعفّة والتقى بصرف النظر عن حاجتهم إلى الخلاص، عن مصالحهم الشخصية، حتى وإن تمثل ذلك في الإحساس برفعة المقام حال التوفُّق في نشر الخير طلبا لمرضاة الله. علما أن تلك التصوّرات الداعية إلى التآخي والاستعداد للتضحية بالنفس من أجل تحقيق ذلك لا تجعل من الآخرين أشخاصا متحرّرين بالضرورة من كل شعور بالدَيْن تجاه نوازع العطف والكرم التي طالهتم. فالشعور بالذنب الذي يخلّفه العجز عن ردّ الجميل يعمّق الإحساس بالفوارق الاجتماعية ويعيد إنتاج ذهنية التبعية، إما إزاء الغير أو إزاء إله متوحّش يدعو إلى التضحية بالغرض الواقعي من امتلاك الحرية والمتمثّل في خدمة الذات حفاظا على المصلحة الشخصية من أجل تحقيق هدف مثالي غير قابل للتطبيق يزعم القائمون عليه تكريس مدلول عميق للتضامن. وهو ما من شأنه أن يحوّل الأنانية إلى نقيض للحرية من خلال اعتبار الإيثار تحريرا للذات، والحال أن الرضا عليها مقترن بالتوظيف السليم لهذه الأَثَرَةُ الكفيل وحده بتحقيق تضامن واقعي بين الأشخاص الأحرار.

في معقولية الزعم بأن الأخلاق مصدر للقيم الكونية:

يبرز مثل هذا المظهر بالخصوص في القيم السياسية الدعية إلى تحقيق العدالة في نطاق احترام الحرية وعدم المساس بالمصالح الشخصية. وتعمل تلك التوجّهات على دعم جملة من الضوابط السلوكية تجعل من دوام التوافق المبني على تطوير المصالح المشتركة بين فرقاء السياسة وشركاء الوطن، أمرا قابلا للتحقيق، باعتبار ترسّخ ثقة الشركاء في تصرفات بعضهم البعض. وهو ما لا يمكن أن يتحقق بمعزل عن توفّر إطار يكفل احترام العلاقات التعاقدية الضامنة للحقوق، من دون اضطرار إلى تخطي إطار المصالح الشخصية عبر التوسل بكونية القيم البشرية أو الاستنجاد بضوابط دينية متعالية. هذا هو المدلول الدقيق للأخلاق الاقتصادية المتّصلة بعالم الأعمال وبالضوابط القانونية التي يحتكم إليها دون لعب على الكلمات.
يتعين التنويه - اعتبارا إلى طبيعة الغايات التي تعمل الرأسمالية على تحقيقها- بابتعاد القوانين التي تنظم جميع أشكال تدخّل المنظومة الرأسمالية عن مجال الإيثار في مدلوله الأخلاقي، علما أن الهدف المعلن هو الحصول على الربح الـمُتوسل بإرضاء الحريف، الـمُندرج ضمن سياق المنافسة، لأنه حتى وإن عجزت المؤسسة الاقتصادية على احتكار السوق فإن أدنى تطلعاتها لن تخرج عن توفير الوسائل الكفيلة بالهيمنة عليها.
فهل أن قلة نجابة المنظومة الاقتصادية الرأسمالية من وجهة نظر الالتزام الأخلاقي في مقصده الديني يحول بالضرورة دون اتسام تصرفات المنتسبين إلى تلك المنظومة باحترام ضوابط قادرة على كسب مشروعيتها من وجهة نظر أخلاقية؟
ليس هناك ما يدعو، إذا ما قلّبنا المسألة من جميع جوانبها، إلى المسارعة بالردّ إيجابا، لأن من شأن ذلك أن يدفعنا إلى فقدان الثقة في سلامة أداء المنظومة الاقتصادية الرأسمالية بالرمّة، والحال أن سمعة التاجر واتصاف تصرفاته بالنزاهة مثلا مَرَدُهُما التزامه بالتعهدات التي يعقدها مع غيره منتفعا كان من خدماته أم شريكا له في إنجازها. ولا يخلو مثل ذلك التعهد من سمة أخلاقية تعمل السياسية في مدلولها الديمقراطي إلى صَوْنِها، لأن الرأسمالية معادية تلقائيا للمنافسة متجنية وغير عادلة في اندفاعها من أجل تحقيق ذريع الأرباح. لذلك تلعب الديمقراطية دورا محوريا في دفع هذه المنظومة إلى التمسك بحسّ متخلّق، عبر الالتزام بإرساء قدر كاف من العدالة الاجتماعية يجنّب المجتمع حلّ خلافاته باللجوء إلى وسائل عنيفة. علما أن تعاظم الفوارق الاجتماعية وتحوّلها بالتقادم إلى نوع من الجشع الممنهج والمفضوح هو ما يحوّل العنف الاجتماعي إلى عنف ديني بغيض يُسوِّق له خطابا يدّعي امتلاك حقيقة متعالية.
وهكذا فإذا كانت الرأسمالية لا تُحمل منطقيا على تلقائية امتلاكها لأي ضوابط أخلاقية، فمن قبيل العبث مطالبتها بأن تكون على تلك الشاكلة من تلقاء نفسها، بل يتعين أن تعمل السلطة في مدلولها العمومي على إجبارها على التمسّك بتلك الضوابط، طلبا لاستتباب الأمن وتحقيقا للسلم الاجتماعية. فترك الحبل على الغارب بالإعراض عن كل تدخل ينظّم العلاقات ويحُدّ من جسامة الفوارق الاجتماعية هو ما ينزع بالرأسمالية غالبا إلى تخطي جميع الضوابط الأخلاقية للمجتمع.
تحتاج الرأسمالية إلى ضوابط أخلاقية لبرالية تسمح بإرساء منظومة حقوقية تعاقدية، وهو معيار في منتهى الأهمية باعتبار أنها تجعل من مبدأ التعاقد، لا من تشغيل آليات العنف المادي السافر قانونا ساريا على الجميع وناظما للعلاقات البشرية. علما أن دعم التبادل يبقى الأفضل على الدوام بالقياس مع السطو على متاع الغير أو إشعال نار الفتنة والتقاتل بين فرقاء المصالح شركاء الوطن. لذلك يتعين ترك المدلول الديني للإيثار الذي لا يتجاوز تطبيقه الدائرة الشخصية أو الفردية ولا يمكن إجبار الكافة ضمن مجتمع لبرالي يتسم بالتعددية والديمقراطية على الإيفاء به جانبا، والتركيز في مقابل ذلك على دفع المنظومة الاقتصادية الرأسمالية بأسلوب ديمقراطي يضمن الحق في الشغل وفي الصراع الاجتماعي أيضا، إلى تبني إطار تنظيمي يسمح واقعيا بالتقليص من حدة الفوارق بين مختلف الفئات الاجتماعية.
على أن السؤال المربك حقا، هو كيف يمكن تحقيق مثل هذا الهدف والحال أن واقع الرأسمالية قد تخطى حاضرا وبشكل لا رجعة فيه الحدود التقليدية لأي كيان وطني، ونقل السجال السياسي من موقع الدفاع عن المصالح الوطنية إلى إطار لا يمكن الذهول معه عن حقيقة غلبة المصالح الدولية لجميع ما سواها؟ مما يؤشر عن عمق التحولات التي يعرفها العالم، وعن ضرورة الاعتبار بالسياق الاقتصادي الجديد حال التفكير في رسم ملامح أي سياسية تدعي القدرة على الحد من تعارض المصالح الوطنية مع ما تشهده المعاملات الاقتصادية من امتداد لشبكات المصالح العابرة لأعرق الكيانات السياسية.

في واقعية القول بأن الديمقراطية معادية للرأسمالية:


يعتبر البعض ممن ينتسبون إلى أقصى اليسار وخاصة من بين ثورييهم، أن الديمقراطية ليس بمقدورها التواؤم مع توسيع الرأسمالية للفوارق الاجتماعية من خلال تكثيف استغلال قوة العمل لفائدة المستثمرين، فضلا عن واقعية التلاعب بالقوانين الناظمة لها أو توجيهها لخدمة مصالح من استأثروا بالقوة المادية والرمزية وامتلكوا أدوات الدعاية الأيديولوجية التي تسهّل التلاعب بالرأي العام حال التقاء مصالح المستغِلين والسائرين في ركابهم من الإعلاميين بدفع الناخبين للتصويت لفائدتهم.
ويرى غيرهم أن الديمقراطية تفترض الدفاع على حرية المبادرة الشخصية باحترام حق جميع الأفراد في الحصول على الثروة عبر المغامرة والكد وادخار الأرباح واستثمارها. لذلك يرفض هؤلاء كل تدخل للدولة في علاقات التبادل الاقتصادية باستثناء ما من شأنه أن يدعم استتباب النظام ويحقق السلم الاجتماعية، معتبرين أن الديمقراطية لا يمكن أن تُطبق خارج إطار المنظومة الرأسمالية لأن كل إصرار على عكس ذلك يحوّلها إلى نظام دكتاتوري ينزع بالضرورة إلى الانزلاق في الكليانية من خلال التحام السلطة الاقتصادية العريضة الممنوحة لجهاز الدولة مع توجهاتها السياسية المتنافرة مع قوانين اللبرالية، بصرف النظر عن حقيقة امتلاك ذلك الجهاز أو لا للأغلبية.
من المفيد تفحّص مدى واقعية القول بتباين هاتين الوجهتين في الرأي وفي التفكير. فهل تتعارض الرأسمالية حقيقة مع الديمقراطية؟ أم أن الديمقراطية في جوهرها رأسمالية أو لا تكون؟
تهدف الديمقراطية تعريفا وإذا ما استندنا على وجهة نظر توكفيل Tocqueville إلى تحقيق مبدأ التساوي في المواطنة، لذلك فهي مدعوة إلى العمل على تعديل الفوارق الاقتصادية والاجتماعية التي يُنشئها الإفراط في الاستغلال، لأن كل تهاون في ذلك تكون نتيجته بالضرورة تردي اللبرالية السياسية في أزمة عميقة تكشف عن فداحة تورّطها في خدمة أقلية من الرأسماليين على حساب مصالح غالبية المواطنين.
يتعين على الديمقراطية وفقا لهذا المدلول أن توفّر ومن خلال تشغيل آليات إعادة توزيع الثروة ودعم الخدمات الأساسية المجانية كالتعليم والصحة والنقل العمومي والإعلام ضمن المجالين الاقتصادي والاجتماعي ولكافة المواطنين، الظروف الكفيلة بحضور واقعي للتساوي في الحظوظ وفي الحقوق الأساسية، وخاصة الحق في العمل والكرامة، وهما فرض عين في البرهنة على احترام حقيقي لحقوق جميع الأفراد بما في ذلك حقهم في الشغل وفي الحصول عليه أيضا.
ويندرج حق الحصول على أجر وحق الدخول في الإضراب بهدف التفاوض بخصوصه كما هو شأن التحاور حول ظروف العمل وتنظيم عمليات التسريح منه، ضمن هذا الإطار أيضا. وهو ما يفترض تمكين طرفي التفاوض ونقصد العمال ومشغليهم من وضعية قانونية متساوية. ويحترم القانون في بلدان الشمال حق الموظفين والأُجراء في الإسهام في إدارة المؤسسة الرأسمالية عبر نظام الاكتتاب، مما يضع القوانين الناظمة للرأسمالية وخاصة المالية الطامحة في السيطرة على العالم موضع تساؤل. فالقاعدة الذهبية التي ترتكز عليها الرأسمالية المالية العالمية حاضرا هي تحميل الخسائر المالية لأسواق الأعمال والمضاربة للمجتمع ودعم احتكار قلة من المستثمرين الخواص للفوائد، علما أن كبريات المؤسسات المالية بوسعها أن تفرض على الدول وبالتالي على المؤسسة الجبائية أي على المواطنين تحديدا، وفي صورة عدم قدرتها على الإفلات من المراجعة أو العقاب عبر تحويل جانب من أرصدتها إلى ما يوسم بـ"الجنات الجباية paradis fiscaux "، التكفّل بتجنيبها الوقوع في شرك الإفلاس. إذ أنه وفيما عدا فرضية إجهازها التام على الدورة الاقتصادية، فإن تلك المؤسسات المالية تملك واقعيا سلطة غير محدودة على الدول وعلى المجتمعات وهي سلطة منافية بطبيعتها للديمقراطية غالبا ما يسوّق لها باحتماء وراء الغطاء الوهمي لحرية المبادرة، والحال أنها لا تعمل في الحقيقة إلا على ارتهان الديمقراطية خدمة لسيادة ما يُوسم مغالطة بالسوق، وهي تعمية يتمثل الغرض من ورائها في الحفاظ على مصالح من يمسكون بالمال على حساب جميع مؤجَريهم.
تبدو الديمقراطية وفق هذا التصوّر منافية للرأسمالية، ولا تشكل غير وهم يُستدعى للمغالطة عامِدا إلى احتواء بريق اللبرالية قصد الإمعان في الإجهاز عليها. إلا أن مختلف التجارب التاريخية للبلدان الاشتراكية قد بيّنت أن منع ملكية أدوات الإنتاج والتبادل ونفي الدور الذي تلعبه السوق في إدخال نوع من التعديل المشوب بالتفاوت، لا يشكل غير استعاضة عن مُحصّلة التفاوض في كنف التوافق الديمقراطي بتركيز جو من الاستبداد الخانق الذي لا يخدم وإذا ما أمعنّا النظر غير مصلحة الأوصياء على تصريف الشأن العام باسم المجموعة واحتكار التمثيلية السياسية تحت غطاء مجابهة الرأسمالية. لذلك فإن كل محاولة لتصريف دواليب الاقتصاد وجميع علاقات الإنتاج من منظور اشتراكي لا يُمكن أن تفضي إلا لدعم الحضور الإداري للدولة الممركزة لرأس المال وسلطة القرار السياسي بين أيادي القائمين على تصريف الشأن العام سياسيا.
فبمجرد أن تنزلق تلك المركزة نحو الاستعاضة عن الرأسمالية التحرّرية برأسمالية الدولة المتعجرفة المعادية لكل تناوب ديمقراطي، فإن إخفاقها الاقتصادي والسياسي يصبح مسألة وقت ليس إلا. وإذا ما سلّمنا بأن كل ممارسة للسلطة، أيا كان شكلها أو إيديولوجيتها لا يمكن تنزيهها من الوقوع في الفساد، فإن كل سلطة تلتحم ضمنها السياسة بالاقتصاد لا يمكن أن تؤدي إلا إلى الولغ في الفساد. ويصح هذا الواقع في حق الأنظمة الرأسمالية حال تعمُّدها ربط السياسة بالاقتصاد والاكتفاء بتشغيل الآليات الظاهرية أو الشكلية للديمقراطية، كما يصدُق حيال سيطرة السياسة كليّا على دواليب الاقتصاد من خلال ديكتاتورية الحزب السياسي الواحد غير الخاضع للمراجعة. وإذ لا يستقيم أن نتطلّع عبر ممارسة الديمقراطية إلى التعبير عن مجافاة الرأسمالية وزعم القطع مع اقتصاد السوق، فإن تلك الممارسة مدعوة إلى بذل أقصى الجهود من أجل التفريق بين السلطتين السياسية والاقتصادية تساوقا مع الدور الذي يتعيّن أن تلعبه في التفريق بين بقية السلطات وخاصة القضائية منها تجاه التنفيذية، لأن مثل ذلك التفريق من شأنه أن يتيح حضور ممارسة للديمقراطية مبنيّة على التناوب وقابلة خاصة للحياة. فحضور تجاذب بين مجال المبادرة الاقتصادية ومجال التصريف الديمقراطي للشأن العام هو الإطار الأمثل لضمان الحريات والحقوق الشخصيّة والجماعية لكل الأُجراء. وتعتبر تلك العملية الحسّاسة ومختلف الحقوق المترتّبة على تجسيمها شرطا محوريا لكي تتوفّر الأنظمة الرأسمالية على الشرعية السياسية وتتوصّل وعلى المدى البعيد إلى إقناع الكافة بنجابتها في خدمة الصالح العام بصرف النظر عن الطبيعة الشكليّة لذلك الإدعاء. وحدها المنافسة الديمقراطية كفيلة بفرز الأطراف المؤهلة للحصول على ثقة الأغلبية عن تلك التي لا تزال غير قادرة على تحقيق ذلك.
وهكذا فإن توخي الرأسمالية لنهج ديمقراطي متحضّر وقادر على تعديل التجاذب بالتفريق بين المجالات السياسية والاقتصادية، هو ما يجعلها قادرة على ممارسة سياسة لبرالية تعددية تحترم قوانين اللعبة الديمقراطية. فالتجاذب الدائم بين الرأسمالية والديمقراطية ضرورة سياسية ماسة لا يمكن تخطيها اعتبارا لوجوده في قلب السجال السياسي بين الحساسيات السياسية اليمينية واليسارية، مع اقتناع تلك الحساسيات بشكل توافقي أن الغرض من الصراع بين رأس المال والعمل هو بناء ديمقراطية حقيقية سواء ضمن الهيئات التمثيلية أو ضمن الإطار الواسع للحياة المدنية.



mardi 15 novembre 2011

رجع صدى : الدولة الدينية والدولة المدنية



تتفاعل هذه العروض بطريقتها الخاصة مع ما تعيشه المنطقة العربية من تحولات من خلال فتح نافدة تدبّر لمحتوى حوار معرفي رصين دار بين الفيلسوف الفرنسي "روني جيرار René Girard " وزميله الإيطالي "جياني فاتّيمو Gianni Vattimo " صدرت ترجمته الفرنسية عن اللغة الإيطالية في بدية سنة 2009 ضمن مؤلف يحمل عنوان "المسيحية والحداثة Christianisme et modernité".
في هذا الحوار الذي أبلغ "بيار بولو أنطونيلو Pierpaolo Antonello" في توليف مضمونه واستجماع أبرز استنتاجاته، تصورات معبِّرة بخصوص حراك الفاعلين الحقيقيين غربا وشرقا تتجاوز دعاوى النضال المكذوبة أو المضلّلة لجميع العاملين عن قصد أو من دونه على إرساء ممارسة دينية مسيّجة لمدلول الدولة المدنية. لذلك نقدم وضمن هذه العجالة عينات من هذا الحوار توضّح ما تبيّن لنا من تواصل بين القراءتين.
ينطلق هذا الحوار من فرضية مؤيدها أن من بين "الحروب الدينية" المتعدّدة التي تسيطر حاضرا على الجدل الفلسفي والإعلامي - المتوَهَّمة من بينها أو الواقعية- تطفو المواجهة بين اللائكية والدين، كواحدة من أكثر تلك المساجلات حيويّة. ولأن ذلك الحوار غالبا ما يكون عرضة للاستقطاب الذي لا يخدم غير السجال التبسيطي الذي تفرضه أشكال الأداء المتصلة بوسائل الإعلام، فإن المقترح البديل الذي صاغه مضمون الحوار الذي وضع المقاربة الفلسفية المفتوحة على الشاغل المدني كما صاغتها تجربة الفيلسوف الإيطالي "جياني فاتّيمو" الفكرية، إزاء المعرفة الأنتروبو-دينية المتفحّصة لأساطير التأسيس الكبرى كما اقترحتها علينا مقاربات الفيلسوف الفرنسي "روني جيرار" ، يشهد على تعدد حالات التوافق بين طرفيّ التنازع مُنبئا على ترابطهما الوثيق، مقدّما تصوّرا بناءا جدّ مفيد حول حقيقة تلك "المواجهات" الحامية.
انطلق الحوار من فرضية اتخذت شكل الحدس لدى عالم الاجتماع الألماني "ماكس فيبر"، مؤيّدها أن العلمنة واللائكية قد انحدرتا بالأساس عن مبادئ الفكر الديني المسيحي، وهو عين ما توصّلت إليه حاضرا نظرية "جنيالوجيا الحداثة" العاملة على اتخاذ مسافة أمان إزاء ما أحدثته الممارسة الديمقراطية من اختراقات سلبية على غرار عودة الديني، مع الدعوة إلى تحليل تناقضاتها بإدراج عملية فهمها ضمن سياق تاريخي تجاوزا لحالة "الاستياء" التي يعيشها العالم نتيجة لتراجع الدور المهيكل الذي لطالما لعبته القيم الدينية ماضيا، إلى حدّ وسم المسيحية بـ"ديانة الخروج عن الدين"، مع اعتبار أن الديمقراطية واقتصاد السوق والحقوق المدنية وكذا الحريات الشخصية وإن لم تكن المسيحية وراء "اختراعها" بالمعنى الحرفي والمطلق للكلمة، فأن الثقافة المسيحية قد كان لها دور ما في "تسهيل" عملية استيعابها وامتلاكها.
قدّم الحوار الدائر بين هاتين الشخصيتين المعرفيتين المرموقتين غربا نموذجا رفيعا على المجهود الذي بذله كلاهما من أجل فهم وإقناع الآخر، مؤشّرا عن قدرتهما على التواصل وتلاقي تساؤلاتهما بخصوص إشكالية تراجع فكرة الاعتقاد التي تجد أصولها في فلسفة "نيتشه"، ذاك الذي اعتبره "جيرار" من أكبر علماء اللاهوت المحدثين.
ارتكز الرهان النظري والتأويلي الجامع لمختلف الأفكار المعروضة من قبل المفكريّن على وعيهما التام بأن المسيحية لم تمثل "دينا" بالمعنى المباشر للكلمة، ولكنها قد شكّلت يقينا المبدأ الأساسي الذي كان وراء تحطيم جميع أشكال التعبّد العتيقة التي أدى تحوّلها أو انقلابها ديانة منظمة إلى تمّكنها من إرساء حوارا مع جميع المعتقدات التقليدية. لكأنها بصفتها تلك حصان طروادة الذي أُدخل وسط القلعة الحصينة للأديان عاملا على نخرها من الداخل، مستعينا في ذلك بالاستعارات الرمزية لخطابها بعد قلب مدلولها بالكامل والكشف تبعا لذلك عن الحقيقة العنيفة التي ارتكزت عليها عملية تشييدها.
فالعلاقة بين الدين والعنف التي تبدو وفي زمن الحداثة وكأنها أمر بديهي، لا تنبثق من الطبيعة الداخلية العنيفة للأديان، بل من أن الدين هو أولا وقبل كل شيء معرفة تستهدف فهم الطبيعة العنيفة للبشر.
تمت عملية تخليص الدين من الأسطرة وفقا لما بيّنه "جيرار" من خلال الدور الذي لعبته رسالة الهداية المسيحية في الكشف عن براءة الضحايا الذين شملهم الإقصاء أو التصفية الجسدية على امتداد تاريخ البشرية المضطرب، معتبرا أن حادثة صلب المسيح وإعادة استحضار تلك الحادثة من خلال تأمّل الروايات التي قدمتها الأناجيل، فضلا عن الطقوس التعبّدية المتصلة بإحيائها، توجّهٌ نحو حالة من مزيد الوعي بوضعية الاضطهاد التي تعرّض لها الأشخاص كما المجتمعات على مرّ العصور. بتلك الصورة تتحوّل الأناجيل إلى مفتاح تأويلي يتيح إعادة قراءة الأساطير المؤسسة كما الكتابات المقدسة القديمة على أساس الوعي التدريجي بالجذور العنيفة للمنظومة الثقافية، وفهم تضحية المسيح باعتبارها قطيعة فارقة حيث مثلت المسيحية مرحلة متقدمة لتطوّر التفكير الديني، واجه أثنائها الإنسان كفرد خطر عدوى الطابع العنيف للمجموعة التي ينتسب إليها. وهو واقع لم يتم إيجاد حل له إلا من خلال البحث والعثور بشكل مستمر على ضحية جديدة، تعمد المجموعة إلى اتهامها باقتراف جريرة هي منها براء.
ويرتكز المنطق الذي تستند عليه آلية التضحية إلى اعتبار أنه "من الأفضل التضحية بشخص واحد بغرض تلافي تعريض الجماعة إلى الهلاك". تُنبِّه سيّر المسيح ذاته إلى تلك الوضعية في إنجيل القديس يوحنا من خلال استنتاج معروض في صيغة التعجب: "إنهم يكرهونني بلا سبب". فقد شكّلت المسيحية لحظة تحرّر الإنسان من ضرورة البحث المستمر عن ضحية يقدمها قربانا، راجيا من وراء ذلك الطقس العنيف فض النـزاعات أو تجاوز الأزمات التي تتعرض لها الجماعة بشكل دوري، لما عمّقت اقتناعه ببراءة ضحايا ذلك التصرف، كاشفة عن الطبيعة الاعتباطية البحتة للتوجه العامل على تذنيبهم.
إن تلك التضحية التي قدمتها المسيحية كأساس أو ككشف والتي أستبطنها الميراث الغربي بشكل عميق، هي التي كانت وراء تشكّل ما يعيشه الغرب المستند حاضرا على مجموعة من المبادئ أو الأخلاقيات المشدّدة على حفظ حقوق وحريات جميع الأفراد، والعاملة جاهدة على نجدة الضحايا وحمايتهم من جميع أشكال العنف المسلّطة عليهم. إلا أن إنجاز تلك القطيعة مع الحلقة المفزعة للتضحية التي كرّستها الرسالة المسيحية، هي التي كانت وراء الكشف حاضرا على تعارض غير مسبوق بين تحرّرها الكامل من ضغوط جميع التوجهات الدينية والوعي بالطابع العميق لجذورها المسيحية. فجميع الأيديولوجيات الغربية يولي سندها النظري راهنا مختلف الضحايا، سواء أولئك الذين تعرّضوا إلى الإبادة أو الإقصاء أو الظلم الاجتماعي أو الحروب أو التعذيب السياسي أو الكوارث الطبيعية أو التمييز العنصري والجنسي والديني، موقعا محوريا ضمن خطابها وضمن أفق تفكيرها. وإذا ما افترضنا بمقتضى ذلك أن علاقة المسيحية بالعلمنة جد متينة، فإن السؤال الذي يفرض نفسه عند هذا الحد هو تحديد طبيعة الأطوار التاريخية التي اتخذتها تلك المسيرة.
يحمل اهتمام الفيلسوف الايطالي "فاتّيمو" طبيعة مزدوجة. فهو يحاول تجاوز الطابع المهيكل للمزاعم الثبوتية لماهية الإنسان، مشهّرا بجميع الحقائق الأبدية، على أساس وضعيتها الحقيقية كمجرد إنتاج تاريخي سياقي يخضع لقانون المصادفة، وكأداة للترهيب تسيطر عليها الأطراف المتداولة على امتلاك السلطة الرمزية والسياسية والاقتصادية. أما الشاغل المكمّل لذلك الاهتمام فيتمثل في البحث على تسهيل انخراط التقليد الفلسفي التأويلي ضمن التاريخ العام لكافة الرسالات الدينية.
بينما لا يؤمن الفيلسوف ومؤرخ الأديان الفرنسي "جيرار" بأن الوعي المميز لمرحلة ما بعد الحداثة، والذي ينبني على "تصوّر للحياة مرتكز على أشباه حقائق نسبية، بوسعه أن يمنح الإنسان المعاصر فرصة حقيقية للإفلات من معاناة حالات الحيرة التي تترصّده. فالقيم التي تشكّل ركيزة للمجموعة البشرية والمؤسسة على التراحم، تتسم حاضرا بكثير من التهافت اعتبارا لتجاهلها لما تنطوي عليه العلاقات البشرية من مخاطر وتحاشيها إثارة المشاكل العويصة الناجمة عن حقيقة التجاذب والتزاحم بين الأفراد، معبّرة من وراء ذلك على قلة نجابة في التوقّي من الوقوع في شرك التصادم العنيف المنغرسة عميقا في شخصيتها.
يضع "جيرار" ثقة الفيلسوف في حضور مسار تصاعدي لتاريخ الرسالة اليهودية المسيحية بين هلالين، مشرعا بذلك الباب للتفكير في انطواء الأحداث التاريخية على تشنجات لا يتردد في تسميتها بالمآسي التراجيدية التي يتوقع حصولها في الحاضر أو في المستقبل. وعلى هذا الأساس يفضّل التسليم بالمعنى المجازي الذي يتضمنه مفهوم "القيامة" بعد أن فرض ذلك المفهوم نفسه على الإنسان المعاصر طبقا لمدلول مزدوج يحمل معنى الرسالة الخُلقية وانتشار العنف في آن. فإذا لم يعد بوسع الآليات المتّصلة بالتضحية الاشتغال بعد أن تم التوصّل إلى كشف طابعها الاعتباطي غير العادل، فقد وجد المجتمع الحديث نفسه بصدد عيش مرحلة تجريبية تحوّل ضمنها التاريخ إلى ما يشبه مخبر بحث عن آليات مستحدثة تضمن تحقيق التوازن والاستقرار.
يعول الإنسان الحديث على الإعلاء من شأن مجموعة من الضوابط المدنية على غرار إيديولوجية الدولة الديمقراطية، والتكنولوجيا والرأسمالية المتطورة، والمساجلات الإعلامية، وإخضاع علاقات الأشخاص لمنطق التسليع، لكي يرجئ حصول الفوضى المعمّمة أو ما ينعته "جيرار" بـ "الحدث القيامي". ومن هنا تأتي حاجة الغرب إلى عدم تسريع عملية ذوبان الطابع المقدس لمختلف هياكل الضبط السياسية منها أو التابعة للأجهزة التنظيمية للدين، والتي لم يزل بوسّعها ومن منظور فلسفته الحد حاضرا ولو بشكل وقتي من الطابع العنيف الملازم لحياة المجموعة البشرية.
إن الخلاف بين رؤيتي "فاتّيمو" و"جيرار" يتخذ منحى سياسيا تسهل ملاحظته في حالة الاستقطاب التي تفصل بين تصوريهما والتي يطلب ضمنها "فاتّيمو" التقدمي القبول بجميع الأوليات التي ترتكز عليها تصوّرته الفكرية حول الديانة المسيحية التي يعتبرها ديانة تنهض على رسالة أساسها كشف واقع اضطهاد الضحية في الثقافة البشرية، وهي بتلك الصفة ديانة تعمل على نسف جميع الديانات من الداخل وتفكيك جميع الهياكل المتصلّبة المترتبة على سياق التاريخ، كأجهزة الدولة والهياكل الناظمة للكنيسة وجميع التعريفات المفروضة بشكل متسلّط للحقيقة أو للطبيعة.
وتشهد تصورات "فاتّيمو" عن توجه نضالي باعتبار أن مساره الشخصي يفرض نفسه كمحاولة للتوفيق بين الإرث الكاثوليكي والمشروع التحرّري السياسي الذي أفرد له منذ مدة طويلة جانبا من أنشطته. ويتمسك مشروعه النضالي بالدفاع عن الحق في الاختلاف مُصطدما بمبادئ الكنيسة الهادفة إلى تقييد ممارسات للأفراد من وجهة نظر أخلاقية، وهو ما لا يرى "فاتّيمو" من فائدة في احتساب الفاعلين الدينيين التابعين إلى الكنيسة بخصوصه.
ويعتبر "جيرار" أن تراجع نفوذ الكنيسة وضعف هياكلها لا يحمي بالمرة، وعلى عكس ما يمكن تصوّره، المجتمع من السقوط في منـزلقات عنيفة. فالبروتستانتية بأجهزتها الكنيسية الأكثر بساطة والأكثر تواصلا مع "العلمنة" والأنضج تأويلا للمتن الإنجيلي، غالبا ما أنتجت منظومات عقدية طُهرية اتسمت بقلة اتصافها بالرحمة قياسا لغيرها، مفضية إلى تصورات أكثر تطرّفا بالقياس لما يمكن أن تكون عليه المسيحية. فالبدع تنشأ باسم حقيقة نقيّة غالبا ما لا تعترف بالفوارق. ويجسم مثال الولايات المتحدة الإطار الثقافي النموذجي للانـزياح باتجاه الفردانية أو الخصوصية الدينية، حتى وإن لم ينجم عن التزايد اللافت لعدد الكنائس والطوائف الدينية واقع اجتماعي يتسم بالتمسّك بالسلم وبضمور التوجهات العنيفة قياسا لما عاينه المجتمع الأوروبي الذي استفاد من السياق التاريخي لحالة "التسييج" المفروض على الممارسة الدينية من قبل المذهب الكاثوليكي.
فماذا يتعين على الحداثة القبول به حاضرا، هل يتعين عليها أن تختار الحقيقة أم أن تقبل بضمور فاعلية العقيدة ؟ فنحن نجد من جانب الحقيقة المعبر عليها من وجهة نظر الضحية في الرسالة المسيحية في ثنايا الخطاب الحداثي، ونعثر في الجانب المقابل على حالة ضمور للعقيدة تستجيب للحاجيات التحرّرية الملحة لمرحلة ما بعد الحداثة، عاكسة صورة الديانة المسيحية المتنصّلة عن مسيحيتها.
يتواءم هذا التراجع في الاعتقاد مع التوجه الدافع باتجاه شخصنة وتفكيك المعتقد، لكأنه قد فُصّل وفقا "للمقاس الشخصي" لكل فرد لكي يتواءم بالكامل مع حاجياته الخاصة. فلئن جسمت تلك العقيدة توافقا مع الحاجيات الوجودية المشروعة، فقد عبّرت في الآن نفسه على نوعية من المفاضلة أسعفت "سوق" التديّن في هيكلة مختلف الاختيارات الشخصية، وشكّلت ما قد يستقيم وسمه بـ"المغازة الكبرى" لاختيارات التديّن الشخصية المتعددة.
يعتقد "فاتّيمو" أن الوفاء للتقاليد طريق سالكة لتحقيق الخلاص، مقتنعا بأن مثل ذلك التصرّف هو الذي أكسب مساره الفكري مستوى معقولا من التماسك. وإذ يتفق "جيرار" معه حول ضرورة العيش داخل مجتمع مدني لائكي يكفل استقلالية مطلقة للفعل السياسي داخل المجال العام، فإنه يعتقد فيما يخصّه في أهمية الوفاء للكنيسة ويقصد طبعا الكنيسة الكاثوليكية، التي يعتبرها بمثابة النواة الرمزية القوية المواجهة للمنـزلقات المرضية للفكر الفرداني المعاصر، وكأداة تاريخية ضرورية تمكّن من احتواء العنف وجميع مخاطر التحطيم الذاتي للإنسان، تلك التي تبدو على تمام الاستعداد دائما للاحتدام.
ولئن اعتقد "فاتّيمو" في المسيرة التدريجية للتحرّر من جميع الأنطولوجيات، فإن الإنسان المعاصر - المنتسب للعولمة والمرتبط بوسائل الاتصال الحديثة والمشبع حاضرا بجرعات متزايد من التبعية والتغريب- يبدو على نقيض ذلك غير مستعد للقبول بالفراغ الذي تركه انهيار جميع الأيديولوجيات والديانات والفلسفات التقليدية. ويعود هذا المشكل إلى ضمور تأثير جميع ما يتصل بالتأسيس والأسس، الشيء الذي ترك الباب مشرعا أمام الصورة الساخرة التي شكّلتها جميع التيارات الأصولية حاضرا، والتي استوعبت بما يخدم مصالحها مختلف أنماط التعبير عن الاضطهاد المتّصلة بالمقدس وفقا لمنطق مفارق تمكّنت بفضله الجماعات الأصولية من الاعتراض بتبصر على العلاقة التي تربط حاضرا بين التوجه العامل على مزيد القطع مع القداسة والديانة المسيحية. فالأصولية لا تواجه العالم الغربي كمجال لانتشار المسيحية، بل باعتباره مُوغلا في العلمنة ومتمسك باللائكية ومتقبّل للفكر الحداثي المعترف بالنسبية.
لا يخشى الأصوليون رسالة الهداية المسيحية ولا نفوذ البابا وصيته الواسع، بل يتهيّبون من توجه تلك الديانة المتّسق باتجاه توسيع انتشار العلمنة والقوة الكبيرة التي أبدتها في تقويض المنظومة الدينية التقليدية. ويكشف دخول المجموعات الأصولية في صراع ضد بعضها البعض، وبطريقة طريفة عن طبيعتها الحقيقية كنتاج للمسار التفاوضي القلق الذي ربطها بالعلمنة والحداثة. فعندما تستعيض الأصولية عن انغلاقها واكتفائها بذاتها بتبني توجه صدامي مفتوح، فهذا دليل على أنها قد أضحت تتقاسم جانب من الاهتمامات والمصالح أيضا مع من اعتبراهم أعداء لها. فالعنف المتستِّر بالدين الذي يقوم الأصوليون بإضرام فتيله على الدوام، ما هو على الحقيقية غير علامة على بداية تحلّل تلك التوجهات الدينية المتطرّفة.
أُشربت الثقافة الإسلامية التي ينتسب إليها معظم الأصوليين وعلى غرار بقية الثقافات الكونية حاضرا بحالة من التعلمن والعقلانية التقنية والنفعية الاقتصادية والدعاية الإعلامية والشبه إيديولوجية، متدرّجة نحو حالة من التعارض مع الغرب من بوابة التنافس المحض معه. فكيف يمكن بناء أو تنظيم حوار بين الأديان بالتعويل على ما عرضناه ؟
بإمكاننا أن نعثر ضمن ما تم طرحه من تصوّرات على بعض العناصر التي بمقدورها أن تُسهم في التأسيس لنقاش جديد وبنّاء بخصوص حالة التمدن الخفيّة للعالم عبر اتساع اقتصاد السوق وامتداد الحداثة التقنية القانعة باقتناء الأدوات من ناحية، وتوسّع حضور المؤسسات الديمقراطية من جانب آخر. وإذ تتسم المسيحية بأهمية تاريخية حاسمة في تفكير "فاتّيمو" و"جيرار"، فإن مرد ذلك قد يعود إلى العلاقة التي ربطت تلك الديانة بمسار تطوّر الفكر المدني اللائكي.
وهكذا فإنه بمستطاع الإرث اليهودي المسيحي التأسيس لحاور متكافئ ومتساوي مع بقية الديانات، شريطة أن لا يغرب عن تفكيره توجه بقية الثقافات إلى اعتبار تكريس الممارسات المدنية الموسومة باللائكية، وحتى ضمن المجال السياسي الضيق، بمثابة التهديد المسلط على أصالتها، وتمثّل ذلك المسار لا كشرط موضوعي لتحقيق الحريّة، ولكن كخط أحمر يتعين رفضه بكل شدة.
ضمن هذا الإطار الداعم لسنّة التحاور يتفق كل من "فاتّيمو" و"جيرار" على ضرورة البحث ضمن مختلف التقاليد الدينية على نواة صُلبة للمعنى تسمح بتقليص العنف وتحول دون تفاقم الصراع. وتتخذ التوجهات التأويلية التي يقترحها الفيلسوف أهمية أساسية باعتبار ما يحققه تشغيل تلك الآلية من نتائج إيجابية فيما يتصل بالتحرّر من هيمنة التبريرات الدينية وجميع أشكال التصلّب في تفسير مقاصد النصوص المقدسة، بقبول إخضاع مضمونها للقراءة التاريخية بغية التحرّر من جميع الأشكال النموذجية للاضطهاد المتستّرة بالمقدس.
وليس من باب المصادفة أن نعثر ضمن هذا الإطار المحدّد للتحاور على نقاط تلاقي مذهبية وسياسية مع ما يُوسم بالإسلام المعتدل على غرار الحوار الفكري والمدني الذي ينشطه المثقف الإيراني "محسن كاديور"، وهو جامعي وفيلسوف وعالم دين ومناضل سياسي ومدني إيراني، عارض بشدة نظرية ولاية الفقه ممّا عرضّه إلى التتبع والاضطهاد والسجن من أجل أفكاره ونشاطه السياسي، الذي يعمل على تناول مسائل محورية مثل احترام القوانين الكونية الضامنة لحقوق الإنسان وحقوق الأقليات وتحرير المرأة وتحريم العقوبة الجسدية، من خلال بناء علاقة تأويلية متجدّدة مع التقاليد الموروثة والكتابات المقدسة.
ويعتبر "جيرار" أن مثل هذا التوجه يحتاج أيضا وبالأساس إلى الاعتراف والانخراط المشارك ضمن أفق أطلق عليه توافقا ما سماه بـ"علم التضحية victimologique" الذي برفض إنتاج مزيد من الضحايا، باعتبار أن المواجهات بين الديانات أو بين القوميات غالبا ما تؤوِّل تصرفاتها من زاوية تقمّص دور الضحية الذي تسعى إلى احتلاله على الدوام، زاعمة أن موقع المظلوم هو الذي يُلجئها إلى استعمال العنف للدفاع عن نفسها والانتقام ممن تعتبرهم أعداء لها. وهو ما ينهض حجة على تسرّب التصورات المسيحية، عبر نوع من الإدراك التثاقفي الأفقي لمختلف الآليات الناظمة للإيذاء، ضمن الخطاب الرمزي للمجموعة الدولية.
ومهما يكن من أمر فقد بينت مجمل مؤلفات "جيرار" الأخيرة أن جميع الديانات تمتلك وإلى حد ما طبعا، مدلولها الخاصة لرسالة الهداية، مُسهمة من موقعها في إماطة اللثام عن حقيقة معاناة الضحايا، تلك الحقيقة التي لا يمكن أن تكون حكرا على المسيحية أو على الكنيسة الكاثوليكية أو على الغرب وحده، بل هي ملك مشاع تفتّق عليه الإرث الحضاري والذكاء الإنساني المشترك. مما يُفيد أن الفعل المتردد أو المتشنج إزاء توسّع الممارسة الموصوفة بالعلمانية كونيا يحتمل التقدم والتوثب كما النكوص والإحجام. وهي حقيقة يشي بها الخطاب النـزق لمختلف من شملهم الإقصاء حال التعبير عمّا ينتابهم من غضب أو إحساس بالغبن مع استحالة حضور توازن مقبول بينهم وبين من يعمدون إلى مصادرة حقوقهم، فضلا عن طريقة تواصلهم المخصوصة مع الواقع القلق الناجم عن صعوبة التأقلم مع مسار التحديث وعدم القدرة على إعادة تملك فكرة الحداثة، تماما مثل ما تكشف عنه حالات الضيق بالواقع المعقّد والمتشعب. لذلك فإن مختلف البدائل المعروضة على جميع من طالتهم مظاهر الحيرة تثبت أن أرضية التديّن وعلى الرغم من إغراقها في إشهار التُقى والورع حاضرا "علمانية" بالضرورة رُغما عن دور القِناعة الذي يلعبه التديّن وعدم تخطي مختلف الفتاوى الخارجة عن الفصل أو التي خَلُصَت "مدة صلاحيتها" مستوى الوهم القادم من غابر الأزمنة.

mercredi 9 novembre 2011

وجهات نظر حول التاريخ الثقافي



يحضى التاريخ الثقافي بعناية متزايدة منذ عشريتين. ويتميّز بحركية كبيرة قياسا لبقية مجالات البحث التاريخية الأخرى فضلا عن حضور المؤرخين المنتسبين إليه على أكثر من واجهة معرفية. ويتسم تعريف هذا المجال البحثي حاضرا بالتنوع، حتى وإن بقي ووفقا لعبارة المؤرخ الفرنسي "ألان كوربان Alain Corbin " الرائقة ولمدة طويلة"دون تسمية sans nom".
قابل تاريخ الذهنيات الذي أضحى تاريخ التمثلات أو التاريخ الجديد بفرنسا، التاريخ المجهري بإيطاليا والتاريخ اليومي بألمانيا وثقافة الشعوب بسويسرية والدراسات الثقافية أو المنعرج الألسني أو التاريخ الثقافي الجديد بالمجال الأنكلو-أمريكي.
تشي جميع هذه التسميات كل على طريقتها بنظارة هذا المبحث وتأصله ضمن التقاليد المعرفية التاريخية المتفاوتة القدم. ويُعزى هذا الوضع إلى أسباب عدّة لعل أبرزها اختلاف أساليب التفكير، فلكل بلد مقارباته الخاصة التي لا يمكن للمعالجة التاريخية أن لا تتكيّف وفقا لخصوصياتها. غير أن المؤكد هو انخراط التاريخ الثقافي بشكل واعي ضمن معالجة تحيل على النماذج المنهجية للعلوم الاجتماعية وأساليب البحث الأنتروبولوجية في آن. فقد تأثّر المؤرخون الانكليز المختصّون في التاريخ الثقافي بالتقاليد الماركسية التي هيمنت على الخط المعرفي ذي التوجهات الاجتماعية لمنشّطي دورية "الماضي والحاضر Past and Present" التي تنشرها جامعة أكسفورد الانكليزية منذ سنة 1952 وخاصة بعد ظهور بحث Edward Palmer Thompson (1924 - 1993) حول الملابسات التاريخية المتصلة بنشأة الطبقة العمّالية الانكليزية The making of the English Working Class الصادر سنة 1963 والذي لم تتم ترجمته إلى الفرنسية إلا مع حلول سنة 1988، في حين تعود جذور التاريخ الثقافي بمجال اسكندينافيا إلى الأهمية التي أعارتها مجتمعاته إلى الثقافة المادية وأساليب العيش اليومي. وينبني التاريخ الثقافي بأستراليا على معارضة ربط التاريخ بدعاوى بناء الهوية الوطنية من خلال رفض التوجهات الرامية إلى حصر المقاربة التاريخية ضمن مجال مطبوع بقراءة وطنية غير خافية، مع عدم التهيب من مسائلة الماضي الاستعماري بتركيز تخصّص قائم الذات يُعرف بدراسات مرحلة ما بعد الاستعمار، فضلا عن تأثّره بالتوجهات الأنتروبولوجية وفقا للنهج الذي اعتمده كليفورد غيرتس Clifford Geertz (1926 - 2006) المدافع منذ صدور مؤلفه الموسوم بـ"المجتمعات التقليدية والدولة الحديثة Old societies new state" سنة 1963 عن ضرورة إعطاء الأولوية للأصول العرقية في تفسير الظواهر المتصلة بالاجتماع البشري، وكذا الأمر بالنسبة لمجال الدراسات العابرة للقومياتétudes transnationales التي تم التعويل على نماذجها المنهجية بغرض موقعة تاريخ أستراليا ضمن آفاق معرفية أوسع.
أما في إيطاليا فقد خرج التاريخ المجهري وفي حدود سبعينات القرن الماضي ضمن البحوث التي أنجزها "كارلو غنزبورغ Carlo Ginzburg " و"جيوفاني ليفي Giovanni Levi " من جلباب أبحاث "فريديريكو شابو Federico Chabod" (1901 - 1960) الذي اهتم بالحضور الثقافي الاسباني بإيطاليا و"دلو كانتيموري Delio Cantimori" (1904 - 1966) الذي اهتم بتاريخ الخارجين عن المذهب الكاثوليكي بإيطاليا خلال القرن السادس عشر. في حين ازدهرت مباحث التاريخ الثقافي بالولايات المتحدة الأمريكية في غضون ستينات وسبعينات القرن الماضي ضمن سياق الحرب الفيتنامية، حيث تأثر المؤرخون الأمريكيون المنتسبون إلى ما عرف بالتاريخ الاجتماعي الجديد بالبحوث المنجزة من قبل منشطي مدرسة الحوليات، لما وجدوه ضمن عروضها من إجابات عن التساؤلات التي طبعت مباحث الدراسات التاريخية الثقافية، بينما لم يكن وفي المقابل تأثير تلك المباحث على الدراسات التاريخية الفرنسية وعلى البحث التاريخي كونيا أقل أهمية.
ومهما يكن من أمر هذه التباينات، فإن ما يشكّل حاضرا مصدرا لوحدة التاريخ الثقافي هو طموح المنتسبين إليه في توسيع دائرة الاهتمام بالتاريخ المقارن وذلك من خلال تأسيس جمعية عالمية تُعنى بالتاريخ الثقافي منذ سنة 2008 وتدعى Internationl Society for Cultural History أو "الجمعية العالمية للتاريخ الثقافي" ونشر مجلة مختصّة في الغرض تعرف بــــ"مجلة التاريخ الثقافي Journal of Cultural History "، فضلا عن تشكّل هذه التوجهات التاريخية الثقافية ضمن مجال منهجي يقع على تماس المعرفتين الاجتماعية والأنتروبولوجية.
تبدو المباحث التاريخية الثقافية حاضرا، أكثر التصاقا بالنظرة الخاصة للمؤرخ وبما يشغل عالمه الحميم إلى حد يستقيم معه الحديث عن حضور طابع شخصي في كتابة التاريخ، لذلك لا يمكن أن لا نعاود وإزاء الثراء الذي تُبين عنه المباحث في هذا التخصّص حاضرا طرح سؤال التعريف بهذا الحقل المعرفي، معوّلين في ذلك على مقولة واحد من كبار المختصين في التاريخ الثقافي الفرنسي ونقصد "روجي شارتي Roger Chartier" الذي شدّد على أن مرد صعوبة تعريف هذا المبحث هو "اندراجه ضمن تصورين متنافرين: فإما أن تُفهم الثقافة على كونها مجال للإنتاج وممارسة الأعمال الفكرية والإبداعية والجمالية، أو أن تُعرّف من وجهة نظر أنتروبولوجية تفتح على مختلف المعتقدات والطقوس والحكايات التي مكّنت كل مجموعة من اقتراح معنى محدَّدًا للعالم سواء على الصعيد الاجتماعي أو الطبيعي أو الماورائي أيضا".
من المشروع التساؤل بعد استيفاء هذه العروض التعريفية المتصلة بتوضيح أبرز التوجهات التي تقود البحث في التاريخ الثقافي كونيا، عن مدى صحة القول بحضور المباحث المتصلة بمثل هذا التخصّص - بفرض حضورها طبعا – ضمن المشهد المعرفي التاريخي لجامعات المغارب عامة والجامعات التونسية تحديدا من خلال الحفر في مختلف المسائل التي لم يشملها التقصي تجاوزا للمبذول أو المتاح المعرفي تاريخيا؟
ولئن بدت لنا تلك التوجهات منبثة ضمن العديد من المقترحات البحثية التاريخية أو الإنسانية والاجتماعية بشكل عام، فإنها تحتاج اليوم إلى إطار معرفي جامع لا يتهيب من طرح سؤال التاريخ الثقافي باعتباره مجال يتقصي الخصوصيات الثقافية لموروث مجتمعاتنا العربية عامة، والعمل على رصد طبيعة التساؤلات الكبرى التي بوسع ذلك التخصّص الإسهام في الإجابة عنها، وتوضيح السياقات التي يمكن له أن يشتغل عليها مستقبلا في حدود خصوصيات تلك المجالات المكانية والزمنية.
وتحضرنا بهذا الصدد عدة إشكاليات لعل أبرزها صعوبة توافق التمثلات الغربية للمعرفة التاريخية مع خصوصيات المعالجة التاريخية "الشرقية"، وكذا مدى مطابقة ما يوسم بـ"الجنيالوجيا السوسيو- ثقافية لأوروبا la généalogie socioculturelle de l’Europe "، تلك التي شكّلت عمادة التحقيب الرباعي الغربي، مع واقع التاريخ الثقافي لمختلف مجتمعات الشرق بما في ذلك المجتمع التونسي طبعا.
ويقتضي التدقيق في هذا الموضوع الإجابة عن جملة من التساؤلات نحتفظ من بينها خاصة بـــــ:
- تحديد كيفية تمثّل العصور القديمة أو الكلاسيكية، وهي مراحل تاريخية شكّلت اختراعا غربيا لا يمكن العودة به إلى أبعد من موفى القرن الثامن عشر اصطبغ مضمونه وبعد أن طغت عليه محصلة المقاربات المنجزة حول الحضارتين الإغريقية والرومانية، بمدلول أوروبيو-مركزي غير خافي؟
- التدقيق في العلاقة التي ربطت مع حلول القرن التاسع عشر ذائقة المسلمين عامة والتونسيين فيما يخصنا بالـمُحدث، والكيفية التي استنبطها هذا المجال في التعامل مع حقيقة التدحرج الحضاري الذي انتابه، والطريقة التي اعتمادها في مجابهة فقدانه لموقع الصدارة الذي أتاح له زمن مدّه الحضاري أن يلفّق وعلى غرار حضارة الغالب الأوروبي حاضرا قراءته الخاصة للتاريخ بمعناه الكوني ؟
- إعادة التفكير في مدى مشروعية الحديث عن وجود "استثناء شرقي"، وهو تصوّر نسل عن اعتقاد فلاسفة التنوير خلال القرن الثامن عشر في تلازم منظومة الحكم بالمجالات الشرقية مع طباع الاستبداد والتسلط؟
وفي انتظار حصول الإجابة عن مختلف هذه التساؤلات تواصل الحضارات الغربية وبدم بارد عملية طمس تاريخ غيرها توافقا مع ما نعته عالم الأناسة الانكليزي "جاك غودي Jack Goody" بـ"سرقة التاريخ أو كيفية فرض أوروبا لرواية ماضيها الخاص على بقية العالم Le vol de l’histoire : Comment l’Europe à imposé le récit de son passé sur le reste du monde "، وتتحتم جدولة الإشكاليات غير المطروقة والأسئلة غير المطروحة والأسباب الكامنة وراء منطق الصمت الذي يكتنف مثل تلك الملفات، إن على صعيد الأدوات المنهجية أو نماذج المقاربة والتحليل، أو على مستوى صعوبة البت في مضمونها الغائم الذي غالبا ما تمت الاستعاضة على تفحّصه بالانزلاق في منطق السجال العقيم والإثارة أو التهييج والمعالجة الفوقية التبسيطية المعتّمة عن المدلول الدقيق، الـمُتحفظة عن حقيقة اللَبس الذي يحف بأسلوب طرح العديد من المواضيع من خلال اللجوء غالبا إلى إلحاقها بسجل المحرمات الدينية والأخلاقية والاجتماعية والسياسية.


- تاريخ الحسّ والمحسوس:



يشكل الحفر في هذه الأبعاد تحدّيا كبيرا لم يجازف المؤرخون العرب بتوسع الاشتغال عليه. ويشمل هذا النوع من الأبحاث تاريخ المرويات أو الحكايات الشعبية والمونوغرافيات العائلية المتقصّية لشبكات القرابة وأشكال التحصيل أو التكوين وسجل القيم الأخلاقية والمعتقدات ومدلول الخلافات الناشبة بين الأفراد والأساليب المعتمدة في فضها، تلك التي تعبر على قدرة الأفراد أو المجموعات على تجاوز العلاقات الأسرية والتكافل أو التضامن الجهوي أو القبلي والتوسع في الاحتكام إلى الأطر التعاقدية المستندة إلى القوانين. وينخرط مثل هذا الحفر في فهم صيرورة الانتقال من واقع المجتمعات الموسومة بالتقليد و"العتاقة" الذي تحيل عليه جميع البصمات الدالة عن حضور الإفراط في الحسّية والتمسك بالمحافظة والاستعاضة عن ذلك باعتناق قيم العقلانية والانخراط في الحداثة. ويشمل ذلك أيضا الاشتغال على المسكوت عنه أو ما صمت عنه الحياء على غرار تعرية آليات التهميش الـمُعبّر عن الإقصاء والدال عن الممانعة الاجتماعية، وذلك عبر عدم التهيب من فتح الملفات الحارقة المتصلة بعلاقة العنف تجاه النوع الاجتماعي وكيفية تعامل المجتمع مع الظواهر أو الممارسات المدانة اجتماعيا كالبغاء والتفضيل المثلي وتقريظ اللذة والإسراف في العبث، وجميعها ملفات لا مندوحة من معالجتها إذ ما رمنا حقيقة تشييد تاريخ للحس والأحاسيس.
ويتوافق مثل هذا التوجه مع ما أنجزته العديد من المسارات البحثية المعلِمة لهذا التخصص داخل الجامعات الغربية على غرار تجربة مؤرخ الأحاسيس historien du sensible الفرنسي "ألان كوربان Alain Corbin" الذي تمكّن ومنذ أواخر سبعينات القرن الماضي من إنجاز عدة أبحاث اتصلت بالحفر في هذه المواضيع على غرار مؤلفاته حول "فتيات للزواج les Filles de noce " سنة 1978 و"النرجس والمستنقع Le miasme et la jonquille " سنة 1982 و"مجال الفراغ Le Territoire du vide " سنة 1988 و"قرية آكلي لحوم البشر Le Village des cannibales " سنة 1990 و"نواقيس الأرض Les Cloches de la terre " سنة 1994 و"الإنسان في البراري L’Homme dans le paysage " سنة 2001.
ويأتي كتابه الموسوم بــــ "استعادة العالم المفقود لـــلووي فرنسوى بيناجو Le monde retrouvé de Louis-François Pinagot" الصادر سنة 1998، وهو بحث رفع من خلاله "كوربان" تحدي تجميع أدق البصمات التي خلفتها شخصية فاقدة لكل حيثية اجتماعية أخرجها اعتباطا من الأرشيف ومكّنه تعقب مسارها من إحداث انقلاب على جميع النماذج القديمة المعتمدة في مناهج البحث المتصلة بالتاريخ الاجتماعي. فقد نأى "كوربان" بنفسه عن مناهج التاريخ الكمي المعوّل على سلاسل الأرقام وفقا للتوجه التاريخي الذي نشّطه بعد الحرب العالمية الثانية فرناند بروديل وإرنست لابروس Fernand Braudel et Ernest la Brousse كما ابتعد عن المقاربات المجهرية التي تمثل طموحها في تشييد تاريخ "ملامس للقاعدة une histoire au ras du sol "، معبّرا بذلك عن شكّه في نجاعة العروض المنحازة للمجموعة أو تلك التي تفترض حضور أفراد استثنائيين، ومقترحا تحدّيا منهجيا تمثل في إعادة تركيب نظام التمثلات الذي أسعف بائسا لم يكن له وعلى حد عبارته الرائق "أن يجرؤ على سرقة قوته اليومي un Jean Valjean qui n’aurait jamais volé de pain" كي يعيد تركيب العالم الذي أحاط به، ويوضّح الدور الذي لعبته قيم المجتمع الذي انتسب إليه في تشكيل مسار حياته كفرد.
وتفرض هذه المقاربة لتاريخ الأحاسيس نفسها كإطار منهجي متميز ضمن حقل التاريخ الثقافي، ويدور طموح المنتسبين إلى هذا المقترب حول الكشف ومن خارج أي تصوّر سيكولوجي مسقط عن الأسباب الموضوعية الكامنة وراء التصرفات التي أتاها الأفراد الذين سبقونا، وهي تصرّفات تقع عند تقاطع الأحاسيس والتمثلات المرتبطة بالمتخيل وبالحسّ الجماعي، لذلك يتعين على الباحث أن يولي أهمية بالغة لما يمكن العثور عليه من بصمات تسعف في توسيع مدلول الوثيقة دون الذهول عن مهمته الأساسية المتمثلة في إخضاع مختلف المصادر الأدبية أو الوثائق والحجج المستجلبة لمقاربة سياقية زمنية.



- التاريخ الثقافي للأوساط الاجتماعية:





أنجز منشطو هذا المقترب المعرفي المهتم بالتاريخ الثقافي للوسط الاجتماعي زحزحة منهجية تمثلت في الإعراض عن ثلاثة معوقات حالت دون التوغّل في فهم الظواهر الاجتماعية من زاوية ربطها بمدلولها الثقافي، وذلك من خلال وضع حد للاعتقاد في أولوية الفواصل الاجتماعية بـ"اعتبارها مؤهلة لتسهيل عملية فهم الاختلافات أو الفوارق الثقافية الفاصلة بين الأفراد كما الجماعات. يعكس هذا التخلي المسافة بين الممارسة البحثية المباشرة والمبادئ التي سمحت منذ ما لا يقل عن العشريتين أو الثلاثة بفهم طريقة اشتغال المنتسبين إلى مهنة التاريخ. فقد دعا أصحاب هذا المقترب إلى انجاز انتقال جوهري يسمح بإنجاز "تحوّل من دراسة التاريخ الاجتماعي للثقافة إلى البحث في التاريخ الثقافي للاجتماع de l’histoire sociale de la culture à l’histoire culturelle du social". كما ألحّوا على ضرورة الاهتمام بتاريخ إعادة التملّك histoire des réappropriations باعتباره تاريخا اجتماعيا يكشف عن الاستعمالات والتأويلات في مدلولها الأصلي الذي تضمنته الممارسات الخصوصية الحاضنة لتلك الاستعمالات.
تأثرت مختلف هذه التوجهات المنهجية التي قادت البحوث المتصلة بالتاريخ الثقافي للأوساط الاجتماعي بالمقاربات المعرفية لـ"ميشال دي سرتو Michel de Certeau " وخاصة ضمن العروض التي صاغها في مؤلفه المنشور سنة 1980 والموسوم بـ"اختراع الحياة اليومية l’invention du quotidien"، وهي توجهات عولت على الانطلاق من الشفرات الناظمة للمعاش عوضا عن تحسّس مواقع الفئات الاجتماعية، وركزت النظر على مجالات متنوعة للتمييز تتصل بالاختلافات الجنسية والدينية والفوارق في التفكير والتصرّف أو السلوك بين الأجيال، مُولية اهتماما متزايدا بالإطار المادي وبطريقة تقبّل الخطاب الملفّق حوله، مما ساهم في رسم الأسس التي شُيّد عليها التاريخ الثقافي، كاشفة عن طبيعة الصرع بين التمثّلات، مُعربة عن حقيقة ما قاد "الاستراتيجيات الرمزية" وكيفية تدخلها في إرساء التراتبية بين الفئات الاجتماعية. كما عوّل هذا مقترح على العروض النظرية التي صاغها "بيير بورديو Pierre Bourdieu " و"ميشال فوكو Michel Foucault " و"نوربير إلياس Norbert Elias"، حتى وإن حرص أصحابه على البقاء أوفياء نقديا لميراث مدرسة الحوليات، مُساهمين بذلك في إعادة صياغة طريقة ارتباط عمليات فهم الآثار الأدبية كما التمثلات والممارسات بمدلول التقسيمات المتّصلة بعالم المجتمع، تساوقا مع اعتقادهم في توفّر ذلك الترابط على مدلول بنّاء.
ويعتبر "روجي شارتي Roger Chartier" من أول المؤرخين الفرنسيين الذين اقترحوا تعريفا صريحا مُعلنا لمدلول التاريخ الثقافي. فقد وضّحت بحوثه المنشورة تباعا منذ نهاية سبعينات القرن الماضي ما أضحى يعرف بـــ"التاريخ الثقافي". وتواترت ضمن بحوثه الأعمال المـــُـفردة للتفكير في المنهج مع البحوث التطبيقية والأعمال المشتركة الجماعية، وهو ما دعّم دون شك مختلف مقترحاته المعرفيّة. فقد كان سنة 1975 واحد من أصغر المساهمين في ثلاثية "صياغة التاريخ Faire de l’histoire" التي أدارها كل من Jacques le Goff et Pierre Nora كما أشرف سنة 1978 بمعية "جاك لوغوف" على نشر مؤلف "التاريخ الجديد La Nouvelle histoire"، وتولى مع حلول سنة 1986 الإشراف على المجلد الثالث من موسوعة "تاريخ الحياة الشخصية L’Histoire de la vie privée"، معتنيا في غضون ذلك ومنذ سنة 1982 بإدارة موسوعة "تاريخ النشر الفرنسي Histoire de l’édition française" وذلك بمعية Henri-Jean Martin . ومع حلول سنة 1987 نشرت له تباعا "القراءات والقراء بفرنسا العهد القديم Lectures et lecteurs dans la France de l’Ancien Régime " و"استعمالات الطباعة Les Usages de l’imprimé " ثم سنة 1990 كتاب "الجذور الثقافية للثورة الفرنسية Les origines culturelles de la Révolution française".
أكسبت مختلف هذه الأبحاث مقروئية واسعة وجاوز انتشارها إطار المختصين في دراسة التاريخ الحديث أو في تاريخ الطباعة وإصدار المنشورات. فقد درّس "شارتي" منذ 1975 بحامعة باريس الأولى السوربون Paris I Sorbonne-Panthéon ثم التحق بمدرسة الدراسات العليا لعلوم الاجتماع Ecole de Hautes Etudes en Sciences Sociales بباريس. وعاينت مسيرته نقلة نوعيّة عند أواسط الثمانينات من خلال الانتشار العلمي لأبحاثه، واطلاع الجامعات الأمريكية الشمالية عليها بعد نشر مجموعة من مقالاته باللغة الانجليزية تحت عنوان "التاريخ الثقافي : بين الممارسات والتمثلات Cultural History. Between Practices and Representations, Cambridge, Polity Press-Cornell University Press " وذلك سنة 1988.
غير أن نص المقال الذي اقترحه هذا المؤرخ على مجلة الحوليات وتم نشره ضمن عددها خريف سنة 1989 وهو مقال حمل عنوان "العالم كتمثّل Le monde comme représentation" (Annales E.S.C, 6 nov-dec 1989, p. 1505 - 1520) هو الذي قدم صورة دقيقة عن طبيعة الزحزحة المنهجية التي أنجزتها بحوث "شارتي" بهذا الصدد. فقد استعرض منذ البداية المميزات الأساسية التي طبعت الاشتغال فرنسيا على تاريخ الذهنيات وذلك بغرض رصد المواضيع المجدّدة ومدى وفائها للتوجهات المنهجية التي قادت التاريخ الاقتصادي والاجتماعي، متفرّغا بعد ذلك لتحديد التحولات المنهجية التي أعادت ومن منظوره الخاص صياغة مناهج صناعة المعرفة التاريخية حاضرا. وبهذه الطريقة توصّل مقال "شارتي" إلى فرض انقلاب ضمن حقل المعرفة المنهجية التاريخية، متحوّلا إلى مرجع أساسي بالنسبة للعديد من المؤرخين من أجيال مختلفة لم يقتصر اهتمامها على تاريخ الفترة الحديثة وهو التخصّص الضيق لهذا الباحث المجدّد. كما أسهم نشر كتاب "على حافة الهاوية التاريخ بين الشك واليقين Au bord de la falaise. L’histoire entre certitude et inquiétude سنة 1998 في توضيح مقترحه الذي لا يبتعد كثيرا عمّا صاغه "دانيل روش Daniel Roche " الذي اشترك معه منذ سبعينات القرن الماضي في صياغة العديد من البحوث حول الحساسيات الأكاديمية التي طبعت القرن الثامن عشر، حتى وإن حافظ هذا الأخير على الالتصاق بحقله المعرفي المتصل بتاريخ طبع الكتب ونشرها وقراءتها، وهو مجال ارتكز ضمنه الاهتمام على التدقيق في دراسة الآثار المكتوبة وعلاقة ذلك بمختلف الأدوات والممارسات التي تترتب على انتشارها وتوسيع دائرة المطلعين على محتواها داخل المجتمع، في حين ركز "شارتي" على كيفية انتشار تلك الآثار المكتوبة وعلى الممارسات الاجتماعية المترتبة على ذلك الانتشار، والتي أسعفت في الانفتاح على أدوات ثقافية أخرى تحيل على ما وسم بــــ"الثقافة المادية culture matérielle".
ولئن تباعدت أساليب الأداء توافقا مع سياق التجربتين المعرفيتين لكلا المؤرخين (تموقع "دانيل روش" عند تماس التاريخين الاقتصادي والاجتماعي والتاريخ الثقافي، وتعويل "شارتي" على شبكة واسعة انطلقت من مدرسة الدراسات العليا في علوم المجتمع بباريس لكي تنتشر بالأمريكيتين بفضل الترجمة واستغلال وسائط الاتصال الحديثة والإسهام في الإنتاج السمعي البصري، فإن "شارتي" هو من خلف مع حلول سنة 2006 "دانيل روش" بمؤسسة "الكوليج دي فرانس Collège de France" من خلال تبوئه لكرسي "الكتابة والثقافات بأوروبا في العهد الحديث"، وهو ما ينهض حجة على التواصل والتراكم المعرفي البنّاء الذي طبع النقلة المعرفية التي شكّلها إسهامه في تطوير مناهج التاريخ الثقافي عامة والتاريخ الثقافي للوسط الاجتماعي تحديدا .


- كتابة تاريخ الثقافة السياسية



مثّل هذا التوجه في كتابة التاريخ جيل من مؤرخي الفترة المعاصرة فضلوا توسيع مدار اهتماماتهم ليشمل "تاريخ الزمن الحاضر histoire du temps présent" مبتعدين عن التاريخ الاقتصادي والاجتماعي بغرض التركيز على التاريخ السياسي بعد الاستفادة من التطورات المنهجية التي عاينها التاريخ الثقافي. راهن البحث في هذا المجال بشكل معلن ومسئول على فاعلية التوجهات التاريخية الاجتماعية الثقافية، مختبرا العديد من المفاهيم الاصطلاحية التي تسمح بإلقاء مزيد من الضوء على المساهمات الفكرية للأجيال المتعاقبة ودراسة مدلول التقاطعات بين المسارات وفهم مدى فاعلية الهياكل المتصلة بالحياة الجماعوية، وجميعها مفاهيم تم الحرص على توظيفها لاحقا ضمن مجالات بحثية جديدة. فقد تم التعامل مع التاريخ السياسي من زاوية إعادة تملك مكتسبات التاريخ الاجتماعي للنخب المثقفة المتأثرة بسوسيولوجية "بيار بورديو Pierre Bourdieu "، حتى وإن أبانت العروض المقترحة ضمن هذا الإطار المعرفي المتصل بالتاريخ المعاصر وتاريخ الزمن الحاضر عن كثير من الاستقلالية بخصوص المسائل المتعلقة بتحليل مدلول الحراك الاجتماعي وتعقب مسار إدماج المثقفين داخل أجهزة الدولة، مقارنة بالعروض التي صاغتها البحوث السوسيولوجية المتأثرة بفكر "بورديو" وبمختلف المفاهيم الإجرائية التي أقحمها في نطاق المعرفة الاجتماعية والإنسانية على غرار "إعادة الإنتاج reproduction" و"التمايز الاجتماعي différenciation sociale" و"العادة habitus" و"الرأسمال الرمزي capital symbolique" و"العنف الرمزي violence symbolique"... وغيرها من المفاهيم الأخرى. لقد تبيّن منذ أواخر ثمانينات القرن الماضي وطوال مرحلة التسعينات تركيز البحث في الثقافة التاريخية على مفاهيم إجرائية جديدة تحيل على التفاوض والانتقال وكيفية التلقي، وهي مجالات لوّنت تيارا كاملا في كتابة التاريخ الثقافي لدى أغلب المختصين في تاريخ القرن العشرين. كما تزايدت الدعوات لبناء تناهج خلاّق بين التاريخين الثقافي والسياسي، وتزامن ذلك مع توسع الحديث عن "الثقافة التاريخية" بعد إخراجها عن مجال العلوم السياسية ومواءمتها مع خصوصيات البحوث التاريخية وهو ما توافق مع إعادة الاعتبار ضمن الأوساط المثقفة لدور الفرد المفكر والفاعل، وربط تلك المهمة بإنجاز تاريخ للحراك الطارئ على المعنى داخل المجتمع عبر تسليط مزيد من الضوء على اتجاه الفهم ودلالته. لذلك فإن إحدى التعريفات الممكنة للتاريخ الثقافي قد تمثلت في اعتباره حاضرا مجالا لفهم تلك الدلالة المزدوجة للمعنى بتركيز الاهتمام على مظهرين هما عدم ثبوت الدلالة بفعل الحراك وخضوع الظواهر القابلة للتمثل الجماعي بالضرورة للتحول.
وهكذا فقد أكسبت مسألة بناء تاريخ للزمن الحاضر يستند منهجيا على المنجزات التي حققتها الانتروبولوجية التاريخية كامل مشروعيتها، حتى وإن لم يبتعد حضور مثل ذلك التناهج بين هذين التخصصين بالمقاربة التاريخية عن دورها الأساسي المتمثل في تعقب طبيعة التحولات الناجمة عن ملابسات السياق الزمني وخصوصياته، لذلك فإن رهان التاريخ الثقافي قد يتمثل مستقبلا في زحزحة حواجز التخصّص التي لم تعد تتوافق مع حاجات الممارسة البحثية التاريخية وتمكّن من الإجابة عن جميع تساؤلاتها بصرف النظر عن المشروعية الأكاديمية لتلك الحواجز طبعا. فالتاريخ وعلى غرار بقية المجالات المعرفية والإبداعية أو الثقافية لا يمكن له التغاضي عن الانخراط في صيرورة التلاقح métissages، وهو أمر لا يدفعنا إلى الأسف عمّا مضى بل يدعونا وعلى العكس من ذلك إلى تصويب نظرنا نحو لما م نقم بعدُ بانجازه.
ويعتبر المؤرخ الفرنسي جون فرنسوى سيرنيلي Jean François Sirinelli الذي يشغل خطة أستاذ بمعهد الدراسات السياسية بباريس ومديرا لمركز تاريخ العلوم السياسية وأحد منشّطي المجلة التاريخية، واحدا من أبرز المختصين في تاريخ الثقافة السياسية في الفترة المعاصرة.
فقد خصّص أطروحته لدراسة "تاريخ خرّجي المدارس التحضيرية ومدارس المعلمين العليا بفرنسا في فترة ما بين الحربين"، وهو بحث عمد من خلاله إلى توضيح مدلول الالتزام المعرفي، تمت مناقشته سنة 1986 (Jean-François Sirinelli, Génération intellectuelle, Paris, Gallimard 1988). وتواصلت أبحاثة بعد ذلك لتتقصى محتوى الثقافة السياسية للمثقفين الفرنسيين من خلال أعماله التاريخية اللاحقة وخاصة مؤلفيه"المنازع الفكرية للمثقفين الفرنسيين: البيانات والعرائض خلال القرن العشرين" و"مثقفان يخترقان القرن العشرين: سارتر وأرون"
(Intellectuels et passions françaises. Manifestes et pétitions au XX e siècle, Paris, Fayard 1990 . Sartre et Aron, deux intellectuels dans le siècle, Paris Fayard 1995.)
والمهم هو التفطن إلى أن هذا الباحث لم يبق سجين الأُطر التي ركّبها لتاريخ النخب الفرنسية المثقفة، موليا عناية كبيرة بمسائل التفاوض والانتقال والتلقي وهي مجالات توافقت مع الدعوة إلى الاعتبار بالتناهج بين التاريخين الثقافي والسياسي، وتوسع الحديث عن دور الفرد المفكر والفاعل وهو ما جسمه "سيرنيلي" ضمن دراسته التي حملت عنوان معبّرا وموفيا بالقصد "لنفهم القرن العشرين الفرنسي Comprendre le XX e siècle français, Paris, Fayard 2005, p.22"
ويمكن القول إجمالا أن "سيرينلي" من أوائل المؤرخين الفرنسيين الذين اشتغلوا على مرحلة ستينات القرن الماضي، بل وفكّروا بشكل دقيق في المدلول التاريخي لـــــ"ثقافة الجماهير" وهو ما يشي عنه خاصة مؤلفه (Les baby-boomers. Une génération 1945 – 1969, Paris, Fayard 2003 ; et Les vingt décisives, 1965 – 1985, Paris, Fayard 2007. ). أكسبت مختلف هذه الأبحاث المتصلة بمرحلة ما بعد ستينات القرن الماضي مسألة بناء تاريخ للزمن الحاضر كامل مشروعيتها، وتضاعف ذلك بعد أن أثبت البحث في تاريخ الثقافة السياسية قدرة لافتة على استعادة المنطق الذي انتظمت وفقه مختلف البصمات المدروسة مع التوجهات المنهجية المنصبّة حاضرا حول تاريخ ثقافي تفهّمي يقع على هامش الممارسة المعرفية المهيمنة على كتابة التاريخ تستقي مشروعيتها من قدرتها على التحرّر من عبء دمج الممارسات الاجتماعية ضمن المقاربات التاريخية الثقافية.
نستطيع القول في الحاصلة أن أبحاث المؤرخين في هذا الحقل المعرفي وإن تعرضت إلى الاحتراز اعتبارا لتوجهاتها المنهجيّة المتسمة بالحدّ من مكتسبات التاريخ الاجتماعي، فإن الاهتمام الواسع بمنجزها المعرفي من خلال ترجمته إلى العديد من اللغات قد شكّل مؤشرا بليغا على الحيوية التي يبديها ما وسمه العارفون بالتاريخ الثقافي كونيا بــــ"المنعرج الثقافي على المنوال الفرنسي tournant culturel à la française".
ويبقى التاريخ الثقافي على الشاكلة التي تتم ممارسته بها ضمن المجال الفرنسي حاضرا تخصّصا مرتبطا كثيرا بالمناهج المعتمدة في التاريخ الاجتماعي، لذلك تعرّض هذا "الأسلوب الفرنسي The french Style" إلى النقد من قبل المؤرخين الأنجلو-سكسونيين. (William Scott, « Culturel History, French Style », Rethinking History, 2-3 (summer 1999), p. 197 - 215)
كما أن توقّفنا عند خصوصيات عدد من المسارات البحثية المنتسبة لهدا المقترب المنهجي في كتابة التاريخ لا يعني الإتيان على مختلف التوجّهات التي تقود البحث في التاريخ الثقافي، ذلك الذي يتسم بالتنوع، علما أن تأصّل هذا التخصّص ضمن المشهد البحثي التاريخي لا يدل بالضرورة على استكشاف مجال معرفي جديد بقدر ما يشي باتساع دائرة البحث التاريخي وتوسّع مجالاته، لذلك يستقيم اعتبار التاريخ الثقافي مثلما تتم ممارسته حاضرا على أنه تخصّص يقع على مفترق الطرق

mardi 8 novembre 2011

Michel Onfray et son Manifeste hédoniste


Mêmes propos dans Manifeste hédoniste :
« Le capitalisme est aussi vieux que le monde et durera autant que lui : nous ne sommes pas tenus de souscrire à la seule définition marxiste qui confine le mot et la chose dans une fourchette historique, avec date de naissance dans la période industrielle et date de décès prévue le jour de la révolution prolétarienne… Du coquillage sans double qui fait la fortune de son propriétaire pendant la période néolithique à la monnaie virtuelle de l’agent de change de la place boursière new-yorkaise, la rareté fait la loi. Le capitalisme est donc une machinerie indépassable.
En revanche, ce capitalisme se cœfficiente : le capitalisme néolithique n’est pas le capitalisme financier, qui n’est pas le capitalisme antique des Gréco-Romains ni sa formule médiévale, encore moins celui qu’on prend souvent pour le seul, le capitalisme industriel. Le problème est donc moins dans le substantif que dans son épithète : capitalisme, certes, mais quel capitalisme? Capitalisme libéral, non merci. »

vendredi 4 novembre 2011

أن نكون تونسيين: خطاب الذاكرة خطاب التاريخ




لو تجاوزنا لبرهة المدلول الاصطلاحي في انتساب الأفراد إلى أوطان تتوفر على سيادة حقيقية ينشأ عنها استقلال تام تجاه الغير وتقاسم لعملية أخذ القرار، ما الذي يعنيه حاضرا أن يعتبر الفرد منّا أنه تونسي؟ وما مدلول أن يعتز كل واحد بتلك الجنسية معتبرا أن الولاء لها سابق لجميع ما سواه؟
ما من شك في تعقّد الموروث العرقي لهذه النسبة، تلك التي قد يدفع بنا تجانسها الراهن إلى الاعتقاد في أزلية العناصر المشكلة لسكانها، والحال أن عمليات تركيبها لم تحصل دفعة بل امتدت على مدى قرون من الزمن. على أن الإقرار بهذه الوضعية لا يتعين أن يحجب عن أنظارنا قدرة ذلك المجال على صهر مختلف العناصر الوافدة، معوّلا على خصوصيات العلاقات الاجتماعية التي تحيل على محورية القرابة الأسرية وفاعلية التضامن الاجتماعي، في انتظار توسّع الصبغة التعاقدية للعلاقات المهنية حاضرا.
ولئن تحوّلت صورة البلاد التونسية القريبة من عقل التونسيين ووجدانهم إلى مسلّمة بديهية لا تثير أي نوع من الغموض، فإن مدلولها الملموس لم يكن بتلك الدقة طوال مراحل ممتدة من تاريخ البلاد الطويل. فالراجح أن انبثاق الدولة الترابية الذي عاينته البلاد بشكل جد متقدم (المرحلة الوسيطة المتأخرة والفترة الحديثة) هو الذي مكّن مجتمع المدن، تساوقا مع ما عاينته المجالات الأوروبية بالتزامن، من لعب دور أساسي في تشكيل الهوية الترابية التونسية، تلك التي أضحت في ذائقة التونسيين جميعا مجرد حقيقة بديهية.
وتنهض كيفية صياغة الخبر التاريخي، حجّة على ربط الشرعية الحاكمة بمدى نجاحها في فرض التبعيّة ومدّ الدولة لسلطة قهرها على مجال ترابي محدود. وينم ابتسار عامة كتاب الخبر لمدلول الشرعية في البعد السياسي على ما سمّته بعض الأبحاث التاريخية بـ"الاكتفاء المجالي"، مبرهنا عن محورية الجغرافية السياسية في انبعاث أو قل في "اختراع تونس الحديثة" وقبول جميع التونسيين بمجال ترابي متواضع، مقارنة مع امتدد الحيز الترابي لبقية الكيانات السياسية المجاورة.
هذا على صعيد العلاقة بالجغرافيا الطبيعية والبشرية، لكن لو تساءلنا الآن عن مضمون التونسة في الثقافة المادية وما تعنيه على صعيد القيافة والغذاء مثلا؟ ما الذي يجعل من تاريخ اللّباس وكيفية إعداد الأطعمة وتحضيرها والاحتفاظ بها، مؤشرا بليغا على حضور ثقافة مادية تشفّ عن توفّر المجتمع التونسي على معرفة عمليّة محسوسة بالوسط الطبيعي، ومقدرة على الاستفادة من خصوصياته تفاديا لجميع مظاهر الإسراف وطلبا لحسن التصرّف والتدبير؟
ما يمكن التأكيد عليه بهذا الصدد هو قلة اختلاف العادات المتّصلة بفنون الملبس والمأكل تونسيا على نظيراتها المنتشرة بباقي بلاد البحر الأبيض المتوسط، حتى وإن توفّرت جغرافية البلاد وتاريخ تعميرها على مفردات تحيل على قيافة مخصوصة ونظام تغذية متميّز. فقد استفاد التونسيون من مهارات كثيرة وتكونت لديهم ملكات يدوية متشعّبة تحيل على مختلف الحضارات التي مرت بها البلاد. (الفينيقيين والرومان والعرب والأتراك والأوروبيين)، أولئك الذين أثّروا في قيافة سكانها كما في أصناف مآكلهم وتوظيب موائدهم في آن.
ونستطيع القول أن تعامل أهل المغارب مع "آداب الجسد" قد اتسم عامة بالحرص على التغطية والستر وهو ما يؤشر عليه التعويل على الصوف وتفضيل البياض الذي يرمز إلى النظافة والنقاء فضلا عن تحقيق الخلاص في الآخرة. كما أنه لا مراء في استفادة المطبخ التونسي ذي الأصول البربرية المعوّلة في التغذية على الحبوب، وعبر مختلف المراحل التاريخية التي مرّ بها، من خبرات العديد من الشعوب الوافدة على البلاد. فقد أثرت في أصنافه بشكل لافت حضارات الشرق على غرار الفينيقيين وحضارات الغرب على إثر مجيء المورسكيين المطرودين من الأندلس. ولا يعترينا شك في حقيقة ارتكاز المعاش تونسيا على التقشف وحسن التدبير، مما قد يفسر حفاظ العائلة التونسية على دورها المحوري كمربع المظلة الآمنة على الدوام، محدّدا في تصوّرنا الحاجة إلى البقاء في دائرتها حتى وإن اتسمت تصرفات أربابها بالوصاية أكثر من الاحترام، مع التمسّك بتقليدها والتهيب من الانقلاب عليها.
على أن الحديث عن "التونسة" من بوابة علاقاتها بالفعل الإبداعي يدفعنا من ناحيته إلى إثارة جملة من المصاعب، لا تحيل بالضرورة على نقص في الحسّ الجمالي أو حضور عائق نفسي يحول دون القدرة على التعبير عن الشواغل اليومية المتقاسمة بشكل متسامي يعيد صياغة العادي من بوابة الإلهام الفني المجدّد والمتفرّد، بل على عوامل موازية أشّرت ولا تزال على تهيّبٍ من تجاوز الإجماع وخشية من تشغيل الجماعة لآليات الزجر ضد جميع من تُشتم منه رائحة السعي إلى "الانقلابية" - وهي لب العمل الإبداعي على الحقيقة- بصرف النظر عن المجهود الجمالي المبذول بغرض مجادلة السائد والرغبة في الارتقاء به أو تثويره.
والبيّن بهذا الصدد أن العلاقة بالحداثة ببلدان العالم الإسلامي عامة قد طغى عليها التشنج، إذ غالبا ما تم اعتبار ذلك التوجّه مُسقطا من فوق، فرضه الغزو الخارجي ولم ينبع مطلقا عن حراك الفاعلين الداخليين، لذلك كثيرا ما أخذت مبادرات "الحداثيين" في تصوّر غالبية التونسيين شكلا تغريبيا، مُؤججة الخلافات، مُفضية إلى تضخيم الضغائن بين من وُسموا بـ"المتغربين" ومن تمسّكوا بمواقف محافظة غلبت عليها المغالاة في التعبير عن "الوطنية" أو في التمسك بـ"العروبة" أو في المزايدة على العقيدة والانتساب إلى الإسلام. وإذا ما اعتبارنا أن الحداثة فكر يتسم بعدم الاكتمال، يقبل عن طواعية تسرّب الشك إليه والخضوع إلى النقد على الدوام مع نزوع باتجاه الخلق والقطيعة المعلنة مع جميع التوجهات الفكرية والنظريات المستندة على التقليد الذي يجعل من القديم مرجعا ومن التصوّرات المدرسية قاعدة، فإنه يحق لنا التساؤل بخصوص مستوى انخراط الفعل الفني والإبداعي تونسيا ضمن هذه التصورات حتى ندرك مدى نجاح ذلك الفعل أو فشله في إعادة تملّك الحداثة من زاوية رفع القداسة عن القديم بعد قتله معرفة، ثم الإقبال ذوقيا وفي مرحلة لاحقة على الانقلاب عليه وتعليم طريق سالكة باتجاه التماهي مع الحداثة قولا وفعلا، تطلّعا لاكتساب شروط الحرية والانخراط حقيقة في الكونية.
المرقد المفترض للقائد القرطاجي حنبعل بتركيا

mardi 1 novembre 2011

بين التعاقد والتدافع



لا بد أن يكون كل متابع للحوارات التي خصّ بها زعماء حركة النهضة وسائل الأعلام المرئية والمسموع قبيل فوزهم في انتخابات التأسيسي أو على إثرها، قد لاحظ توسّلهم بمصطلح غير شائع بين مختلف فاعلي المشهد السياسي التونسي، ونقصد لفظ"التدافع" الذي استعمله كل من رئيس الحركة وأمينها العام تعبيرا منهما على قدرة المجتمع التونسي على تجاوز التنازع حول نمط المشروع المجتمعي المستقبلي.
فما المقصود بهذا المفهوم الإجرائي ضمن فكر الإسلاميين؟ وهل يمكن أن نستعيض اجتماعيا بالآلية التي يحيل عليها، مدّعين قدرتها على تجاوز مدلول التعاقد المشروط بقوانين مصانة تجابه من خلالها المجموعة، وعبر مختلف سلطها الشرعية كل من ينتهج أسلوب المغالطة أو الإخلال بمضمون التوافق الحرّ في إدارة الصراع الاجتماعي وتوجيهه.
تطرح الرؤية الإسلامية تصوّرا تصاعدي يبدأ بالحوار وينتهي بالصدام مرورا بالجدل والمنافسة والسبق والمواجهة والمغالبة وهو ما يعبر عنه بالمصطلح القرآني "التدافع". ويشكل التدافع الحضاري ومن منظور نفس الرؤية دائما "صيرورة دائمة وحيوية لا تعرف التوقف، وحالة طبيعية [فضلا عن كونه] أحد سنن الله في خلقه". ويقابل مدلولي الحوار والصراع الذين يوظفهما الغرب حاضرا قصد استغلال الحضارات والشعوب الأقل تطور والأضعف إمكانيات اقتصادية وعسكرية وتكنولوجية.
ويحتكم التعويل على هذا المصطلح إلى تضمينه في النص القرآني على شاكلة ما ورد في سورتي الحج والبقرة "…ولولا دفع الله الناس بعضهم ببعض لهُدّمت صوامع وبيع وصلوات ومساجد يذكر فيها اسم الله كثيرا ولينصرن الله من ينصره إن الله لقوي عزيز" (الحج/ 40). "…و لولا دفع الله الناس بعضهم ببعض لفسدت الأرض ولكن الله ذو فضل على العالمين" (البقرة: 251).
ويشمل التدافع من منظور العارفين بمعناه مفهوما واسعا، إذ يتضمن معاني فكرية وسياسية وفلسفية. فهو إما أن يأخذ شكل المناكفات "الخفيفة"، محيلا على الحوار والتعايش، أو أن يتحوّل إلى صراع تدافعي يحيل على صدام بين رؤى ثقافية أو حضارية متباينة، كما قد يتم وفق عمليات فجائية غير مقدرة مسبقا، تحيل على الصدمة.
ويشكّل التدافع العنيف وفق هذا المنظور دائما صراعا للحضارات، آخذا مدلول المواجهات المسلحة بين الأمم والحضارات، وهو ما يطبع إذا ما تعقبنا ذات المنظور الصراع الدائر حاضرا بمختلف بقاع العالم. فالإدارة الأمريكية على سبيل المثال تعتمد سياسة العصا الغليظة في مواقع متعددة من العالم. وهي خطة يُنَظِّرُ لضرورة إنجازها خبراء إستراتيجيون يعضدهم جواسيس منتشرون بجميع بلدان العالم ويدير رحاها جنرالات "البنتاغون"، لذلك تعنّف الإدارة الأمريكية وتنادي بالحوار، تستعمر وتطالب بإلقاء السلاح، مما يجعل وضمن سياق نفس التصوّر من "سلاح العقيدة أداة فعّالة بيد المغلوبين على أمرهم بغرض تنظيم المقاومة والمقاطعة والرفض."
ويعتقد أصحاب هذه النظرية في حضور جميع مظاهر التدافع الحضاري، فهناك الحوار وهناك الصدام، وهناك الصراع، وهناك الحرب الحضارية، وجميعها موجود وموظف بصيغة من الصيغ، لكنهم يميلون إلى الاعتبار بتفضيل الإدارة الأمريكية لاستعمال القوة العسكرية، بغرض تحقيق مآرب حضارية واقتصادية وسياسية، والتعويل في ربح الوقت على تشجيع الفلاسفة والمفكرين المحلقين في مثالية رثة مفصولة عن الواقع على تنظيم الحوار وتعهّده قصد التلهّى بذلك والسجال حوله، خدمة لأهدافها الإستراتيجية على المدى البعيد.
يُنزّل المدافعون على وجاهة القول بالتدافع الحضاري رؤيتهم في إطار مرحلة ما بعد حرب الخليج الثانية واستتباعاتها خلال تسعينات القرن الماضي. أي بعد انتهاء مرحلة القطبية الثنائية بسقوط جدار برلين وتغوّل الغرب على حساب دول الجنوب واستهدافه للحضارات الشرقية من خلال تحويل المجال الإسلامي إلى رقعة تصويب بعد شيطنته على قاعدة تجييش الجموع ودفعها نحو الاستعاضة عن المقاومة بالإرهاب الممنهج، كما تشفّ عن ذلك نظريات "نهاية التاريخ" و"صراع الحضارات". لذلك يقترح المنافحين عن هذه التصوّرات، ومن منظور إسلامي دائما، "التدافع الحضاري" كبديل عن الصراع، مشدّدين على الطبيعة الإنسانية لطرحهم الحضاري في مقابل توحشّ الغرب المصاب بالانحطاط المضيّع لإنسانيته بالكامل لما فرّط في الاحتكام إلى احترام الخصوصية والتعامل بمسؤولية مع الغيريات وفق منطوق العدل والنديّة.
فالثوابت القرآنية تحث جميعها على أن الاختلاف سنّة من سنن الله مصداقا لما حمله الذكر الحكيم: "وما كان الناس إلا أمة واحدة فاختلفوا ولولا كلمة سبقت من ربك لقضي بينهم فيما فيه يختلفون" (يونس 19) أو "ولو شاء ربك لجعل الناس أمة واحدة ولا يزالون مختلفين" (هود 128 ). لذلك يُعلي هؤلاء من قيم التعارف والتعاون على النهج الذي ارتضاه الإسلام في مواجهة ما طرحه الغرب من حتمية للصراع. فـ"ساحة الحياة الغاصة بالناس تؤكد [حقيقة] التدافع والتسابق والزحام نحو الغايات...ومن وراء جميعها يد حكيمة مدبرة تمسك بخيوط اللعبة جميعها وتقود الموكب المتزاحم المتصارع المتسابق...[ولولا حكمة من ربك لـ]"أسنت الحياة وتعفّنت لولا دفع الله الناس بعضهم ببعض، ولولا أن طبيعة الناس التي فطرهم الله عليها تعارض في مصالحهم واتجاهاتهم الظاهرية القريبة [فـ] الطاقات كلها تتزاحم وتتغالب وتتدافع [فـ]...تنفض عنها الكسل والخمول مستنبطة لذخائر الأرض ومستخدمة قواها وأسرارها الدفينة [حتى] يكون الصلاح والخير والنماء".
هذا في اختزال وتبسيط شديدين مدلول نظرية "التدافع الحضاري" وفقا لمنطوق من أبانوا عليها أصلا، وهو مدلول يعوّل كما بات جليّا على التأويل المقاصدي لآي القرآن بغرض إثبات توافقها مع السياق التاريخي. ولئن لم تكن بنا أية رغبة في مجادلة هذا الفهم المستعيض عن الصراع حضاريا بما وسم بـ"التدافع"، فإننا نودّ التوقف بعض الشيء عند إعادة تملّك مثل هذه التصوّرات الفكرية المتّصلة في أُسها بالمسألة الحضارية من وجهة نظر الإسلام السياسي تونسيا، والتعويل عليها من خلال اعتبار "التدافع" قانونا اجتماعيا مُكتفيا بذاته، قام خطاب كبار القادة السياسيين لحركة النهضة بتسويقه من زاوية اعتباره بديلا للصراع الاجتماعي، وهو أصل في بناء التوافق التعاقدي في تصوّرات من لا يتبنون الطرح الإسلامي في تنظيم الساحة الاجتماعية ولا يقرؤون جلب المصالح ودرئ المفاسد من زاوية العناية الربانية المتعالية بل يعتبرون أن التوافق لا يمكن أن يُبنى خارج إطار التعاقد الحرّ المستند على احترام سلطة القوانين.
إن ما يزعج حقا في هذه الزحزحة الفكرية لنظرية قامت على السجال الحضاري بين منظورين متعارضين للكونية، هو التنويه بقدرتها على تصريف السجال القائم حاضرا بين التونسيين في ما يتصل بنظرتهم للنموذج المجتمعي المرتقب من تحرير بنود الدستور الجديد. فالبيّن، وليس هذا من باب الرجم بالغيب أو القراءة في النوايا، أن تشريع التدافع كقانون ناظم للخلاف داخل المجتمع تعتيم صارخ على دور الدولة المفصلي كضامنة لحريات الجميع، وهو ما لا يمكن تصوّره خارج إطار الاعتراف بوجود الصراع الناجم عن التباين الفكري والعقدي والاجتماعي، والاعتبار تبعا بأن التوافق هو الآلية الوحيدة لتجاوز تلك التباينات عبر التعويل على التعاقد بين فرقاء السياسية والاقتصاد والمجتمع أحرارا متساوين أمام القانون.
كم يبدو لنا طرح على هذه الشاكلة من قبيل خلع الأبواب المشرعة، غير أن إقدامنا على تكراره هو من قبيل الإصداع في وجه جميع من يدعون ضمنيا إلى التخلي عنه وإحلال "التدافع الاجتماعي" محله. لذلك يتخذ استحضاره واستذكاره في تقديرنا الخاص بعدا نضاليا ومدنيا معلنا. فالإقدام على تغييبه هو بمثابة التعتيم موضوعيا على طبيعة الدور الذي يمكن أن يلعبه جهاز الدولة في تصريفه للشأن العام وتنظيم للصراع بين الفرقاء داخل المجتمع خارج إطار الاعتراف بحضور المناكفة الـمُفضية إلى التوافق التعاقدي الحرّ؟ وليس بعيدا أن يكون هذا الفهم المبتسر لحقيقة الصراع الاجتماعي الذي يشكمه التعاقد وتضمنه القوانين، مدعاة للمواجهة المضمرة عبر التأويل التقريبي أو الموجّه لمنطوق "نظرية التدافع الاجتماعي". فما ضرّ أن نتدافع إذن حتى نفرض وجهات نظرنا أو تصوّراتنا الخاصة أو نعلي مصلحتنا على حساب غيرنا؟ أخشى ما نخشاه هو أن يضعنا هذا النوع من التبسيط إزاء مأزق واقعي خطير، أشرت على بوادره بعدُ عدة وقائع مزرية ومتواترة عاينتها الساحة العامة (الغليان والاحتقان والاحتساب ضد الفعل الإبداعي الحرّ، والمناكفة داخل المؤسسات العمومية أو احتكار الساحة العامة باسم الدفاع عن المقدسات وفرض الاختيارات الشخصية). فلكل منا طريقته الخاصة في فكّ شفرة هذا النوع من الخطاب الغائم الذي يفيد الشيء ونقيضه، متوسّعا من دائرة الممكّن دون إخضاعه لضوابط معلنة وصريحة تكفل حرية الفرد إزاء تغوّل منطق "لا تجتمع أمتي على ضلالة".

mercredi 26 octobre 2011

C'est quoi être un Tunisien ? C'est qui le Tunisien? Comment on reconnait un Tunisien ?



Si on a à résumer les quatre articles rédigés en langue arabe que nous avons consacré à la problématique de la tunisianité sur les pages de notre blog, que pourrions nous dire sur un tel sujet si nous voudrions dépasser ne serrait-ce qu'un instant la signification de l’appartenance des individus à une patrie libre et indépendante? Que signifie pour nous le fait d’être tunisien? Et qu’est ce qui nous incite à nous sentir particulièrement fier à porter une telle nationalité?
Nul doute dans la complexité de la généalogie ethnique et culturelle de la Tunisie dont l’homogénéité porte actuellement le signe d’une évidence. Mais une telle réalité ne doit pas nous faire perdre de vue la capacité de cet espace à brasser maints groupes ethniques et de mélanger des identités différentes. Et si la perception spatiale de la Tunisie parait aujourd’hui complètement ancrée dans le cœur et dans l’esprit de tous les tunisiens, sa signification précise ne se traduisait pas d’une manière aussi pertinente durant les siècles antérieurs de sa longue histoire.
L’émergence relativement précoce de l’Etat territorial au cours des derniers siècles de l’époque médiévale et durant toute la période moderne a permis aux habitants des villes - comme ce fut le cas dans les pays d’occident - de jouer un rôle capital dans l’éclosion d’une identité territoriale devenue aujourd’hui une simple réalité familière. La posture partisane des chroniqueurs des sagas dynastiques nous éclaire sur la réussite de l’Etat à contrôler son espace et à imposer son hégémonie sur la totalité du territoire. Mais La tendance à focaliser la légitimité sur la dimension politique ne témoigne-t-elle pas de ce que certaines approches ont qualifié de « contentement spatial »? Prouvant de la sorte l’implication de la géopolitique dans ce que nous ne dédaignons pas d’appeler l’invention de la Tunisie moderne qui exprime la satisfaction des gouvernants de la Tunisie à ne faire valoir leur autorité que sur la portion congrue de l’espace maghrébin.
Si on dépasse les aspects attenants à la géopolitique et à l’histoire du peuplement pour nous interroger sur ce que la tunisianité peut signifier en termes de culture matérielle?
Qu’on est-il par exemple de notre accoutrement et du rapport qui nous avons eux a la cuisine et au patrimoine culinaire? Qu’est ce qui fait de l’histoire du paraître et de la façon de préparer ou de conserver les produits de la terre un indice patent de la présence d’une culture matérielle prouvant que la société tunisienne détienne un savoir faire et une connaissance pratique du milieu naturel ainsi qu’une grande capacité à rationaliser et une faculté à tirer profit d’un milieu naturel capricieux et imprévisible?
Si la réalité tunisienne ne présente pas de grandes différences par rapport aux habitudes vestimentaires et culinaires des autres pays de la mer méditerranéenne, ses spécificités géographiques ainsi que l’histoire de son peuplement concourent à lui donner une façon propre de s’habiller et un régime alimentaire concordant avec la personnalité de ses habitants.
Les Tunisiens ont incontestablement beaucoup emprunté aux différentes civilisations qui ont investi leur territoire. Phéniciens, carthaginois, romains, arabes, turcs, morisques et européens ont tous contribué à donner aux habitants de ce pays un rapport particulier à l’accoutrement ainsi qu’une relation peu commune à l’attablement et aux arts de manger. Leur façon de s’habiller atteste de leur volonté à s'envelopper en arborant un accoutrement simple, usant en termes de matériaux de la laine et optant pour la couleur blanche qui symbolise la pureté, la propreté et qui révèle aussi une quête du salut dans l’au-delà.
La cuisine tunisienne aux origines berbères basée sur un rapport marqué aux céréales a dû se mettre au goût des multiples concurrents du pays comme les phéniciens venu d’orient et les morisques expulsés d’occident. Il est à remarqué que la sacralité de la nourriture et l’assimilation de la vie à une permanente quête du pain, pourrait expliquer l’attachement des tunisiens au carré familial qui a toujours représenté, un cercle social solidaire et sécurisé.
Par ailleurs leur rapport à la haute littérature et à la création artistique dénotent de la présence d’un certain nombre de difficultés, qui n’expriment pas forcement une incapacité à détenir une grande sensibilité ou un déficit à sublimer le quotidien en l’accommodant à une esthétique peu commune, mais révèlent au contraire la présence de facteurs parallèles indiquant une gêne manifeste à transgresser aux convenances et à subvertir la réalité, et ce indépendamment des efforts consentis pour faire valoir la grande culture et une réelle volonté à faire évoluer les mœurs en se plaçant du coté du progrès.
Il est clair que le rapport des pays musulmans à la modernité a toujours suscité une grande agitation et beaucoup de surenchère. L’aspect extraverti du changement a toujours relégué les défenseurs de la modernité au ban des accusés. L’aliénation à un occident qualifié de moralement subverti a toujours profité à l’activisme nationaliste, pan-arabiste et islamisant.
Et si on considère que la posture vis à vis de la modernité, représente une pensée perfectible en constante mutation, ne dédaignant pas d’accepter la critique et reflétant une volonté ferme à rompre avec tous qui est suranné et obsolète, il est pertinent de nous interroger sur la capacité des artistes et des créateurs tunisiens à intégrer une telle vision pour pouvoir surpasser leurs handicapes et se mettre au diapason d’une modernité aujourd'hui universelle.