mercredi 30 mars 2016

""الجنوح زمن الأزمة"[i]



















عرض نقدي لـ "جون كلود فارسي Jean-Claude Farcy"[ii]
(ترجمة لطفي عيسى)

أول الكلام:

       شكّل مؤلف رياض بن خليفة الصادر عن منشورات "هونوري شامبيون Honoré Champion" الفرنسية في نهاية الثلاثية الأخيرة من سنة 2015، صيغة "مخففة" ووفيّة لمضمون أطروحة لنيل شهادة الدكتوراه ناقشها المؤلف الذي يشغل حاليا رتبة أستاذ مساعد في التاريخ المعاصر الغربي بكلية العلوم الإنسانية والاجتماعية التابعة لجامعة تونس، وذلك بتاريخ التاسع من شهر نوفمبر 2009 بجامعة نيس- صوفيا أنتيبوليس Nice-Sofia Antipolis الفرنسية.
لا يسعنا منذ البداية إلا الإشادة بقيمة هذا البحث المعرفي المستوفي للشروط الأكاديمية الدقيقة، سواء من حيث هيكلته أو من حيث عمق الأفكار الواردة بداخله. كما لا يسعنا إلا أن ننوّه بجودة الصياغة وسلاسة الأسلوب المعتمد في تحريره، لذلك فإن تأمل محتواه وخاصة من قبل المتخصّصين في تاريخ القضاء من شأنه أن يصيب القصد، نظرا لتوفّر العروض المقترحة على تحاليل نموذجية بخصوص جدليّة العلاقات القائمة بين واقع الجنوح أو الانحراف وكيفية اشتغال المؤسسات القضائية والردعية، وذلك ضمن سياقات تشريعية وتاريخية مخصوصة.
فقد توصّل الباحث باقتدار نادر ومن خلال التوظيف الجيّد للنماذج المعرفية المتصلة بأبحاث "بيار بورديو Pierre Bourdieu" الاجتماعية، إلى اقتراح تحاليل دقيقة للآليات الناظمة للمراقبة الاجتماعية ولأشكال المقاومة ورفض الخضوع للقوانين المترتّبة على السلبيات المتصلة بتلك الآليات، وذلك في سياق سياسي واجتماعي معقّد شكّلته سنوات الحرب الكونية الثانية، مبيّنا بشكل جليّ أن الجنوح أو الانحراف ناتج بالأساس عن السياسات الجنائية المتبعة من قبل السلطات الرسمية الفرنسية، وعن أشكال تطبيق تلك السياسات على المستوى المحلي من قبل مختلف الفاعلين بدءا بصنّاع القرار ووصولا إلى الأطراف التي استهدفتها تلك السياسات المُزْرِيَة بالحريات العامة والشخصية للأفراد في آن.
الزجر القضائي زمن نظام "فيشيVichy  [iii]":

       ما من شك في أن اختيار الفترة التاريخية الحرجة والمتّصلة بواقع سنوات الحرب وصعوباتها فرنسيا، قد ساهم يقينا في إنجاز مثل تلك المراجعة التحليليّة التاريخية. فقد اتسمت سياسة نظام فيشي بالتطرّف على جميع الأصعدة، حتى وإن شكّل ذلك امتدادا موضوعيا للتوجّهات التي قادت المرحلة الأخيرة من حياة الجمهورية الثالثة فرنسيا[iv]. كما مثّل التعويل على المادة التاريخية التي تضمّنتها محاضر الأحكام الصادرة عن الدوائر القضائية التي بتّت في إقصاء المجموعات "غير المرغوب في حضورها على التراب الفرنسي"، أو تلك التي تم التضييق على حياتها الشخصية، مغامرة لم تخلو هي أيضا من صعوبات كأداء.
احتفظ المؤلف وضمن مجال منطقة "الألب الساحلية Alpes maritimes" الواقعة جنوب شرقي فرنسا بمحاضر الأحكام التي تم بمقتضاه معاقبة المستهدفين من هذه السياسات أمام الدوائر القضائية لمدن غراس Grasse ونيس Nice، وهي جُنح اتصلت في معظمها بمجالين غالبا ما عَزِفَتْ عن تناولهما الأبحاث التاريخية المتّصلة بتاريخ القضاء أو العدالة، وذلك حتى تاريخ فتح رياض بن خليفة لهذا الملف الشائك والغائم في آن. فقد تمحورت المحاضر التأديبية التي تم الاشتغال عليها حول مسألتين أساسيتين هما: الجُنح التي استهدفت غير المرغوب في وجودهم على المجال الفرنسي من بين الأجانب واليهود، والمخالفات التي خضعت للتتبع والرقابة الاجتماعية المسلّطة على العائلات، وذلك في ظل نظام سياسي اتسمت توجهاته بالنزوع نحو تشديد الرقابة لا على المعارضين السياسيين لتوجهاته فحسب[v]، بل وعلى جميع من تجاسر على التصريح بعدائه لتلك الإيديولوجية العنصرية الداعمة للكراهية والتباغض الديني والتمييز العرقي، والعاملة على تمجيد القيم المحافظة المُعلية للموقع الأخلاقي للعائلة واعتباره شرطا أساسيا في تحديد صدق المواطنة والتوفّر على هوية وطنية فرنسية مثاليّة.
حشد رياض بن خليفة لتحقيق أهداف بحثه جميع الأرشيفات المتاحة، مشتغلا على محتوى محاضر الأحكام التأديبية، ومُوسّعا الاطلاع على الأرشيفات الخاصة بالدوائر الأمنية المحلية وما احتفظت به إدارة الشرطة المركزية بباريس من وثائق تتصل بالمجال المقصود بالمعاينة. كما حاول الاطلاع على محتوى الملفات الخاصة بإجراءات التحقيق، وهي وثائق منقوصة لم يتم حفظها بالكامل، فضلا عمّا  أوردته الصحف السيارة أو اليومية محليّة كانت أم وطنية بخصوص حيثيات القضايا المعروضة على أنظار هيئات التحقيق أو المُحالة على المحاكم خلال تلك المرحلة العكرة من تاريخ فرنسا، ومختلف التشريعات والأدبيات والمطارحات التي ناقشت المادة القانونية التي استندت عليه الأحكام المتصلة بما اعتبره "نظام فيشي" جنوحا أو انحرافا يتطلّب التأديب والمقاضاة خلال تلك الفترة. مما ينهض حجّة على الأهمية التي حضي بها الاشتغال على الأرشيفات العدلية أو القضائية المدنية، بغرض مزيد توضيح الزوايا المعتّمة لحقيقة تورّط "نظام فيشي" المتطرّف في تكريس سياسة جنائية زجريّة. فقد ساهمت محاضر الأحكام المتّصلة بالقضايا المرفوعة للحصول على الطلاق، وهي ملفات غالبا ما تمّ توظيفها لتحليل المعطيات المتّصلة بالخلافات الشخصية الناشبة بين الأزواج، على مزيد التعرّف على الإجراءات الجزائية المجرّمة حال ثبوت حقيقة إهمال العيال من قبل أحد الزوجين. لذلك فدون التخلّي كلما كان الأمر متاحا على الاستفادة من المعطيات الكميّة لإنجاز التقديرات المرقّمة اللازمة حول حقيقة تورّط هذا النظام في استعمال الزجر الجزائي، فإن رياض بن خليفة قد آثر وبمستوى رفيع من الجدّية تنويع زوايا المقاربة من خلال التعويل على عينات ممثِلة وتقديم تفاصيل حسّاسة عن ملفات قضائية معبِّرة وتحليل مضامينها بشكل لافت دقيق.

المضايقة والإبعاد والمراقبة الإدارية:

     قسّم المؤلف عمله إلى جزأين كبيرين: خاض أولاهما في القضايا المتّصلة بإجراءات إبعاد "غير المرغوب في استقرارهم على التراب الفرنسي" والاعتبار بما ترتب على إسراف النظام القائم في المضايقة من جنوح أو انحراف لدى مختلف الشرائح والأقليات المستهدفة.
فقد تعرض الفصلان الأولان من الأطروحة إلى رسم السياق التاريخي والسياسي لحلول سيل المهاجرين الايطاليين بمنطقة الألب الساحلية، وذلك بعد أن قامت السلطات الفاشية بإبعادهم، وتوضيح كيفية مجابهة السلطات الفرنسية لهذا الواقع من خلال تكثيف دوريات المراقبة الحدودية ضمن إطار تاريخي اتسم باستفحال الأزمة الاقتصادية وتزايد المخاوف وتفاقم هواجس التباغض والكراهية.
خضعت الحدود إلى مراقبة الشرطة المختصّة والحرس والفرق الأمنية المتنقلة، غير أن جميع ذلك لم يمنع من تواصل تدفّق المهاجرين غير القانونيين واختراق الحدود بطرق سرّية، دفعت بالإدارة الفرنسية إلى إصدار مرسوم ماي 1938، الذي شدّد في إجراءات مراقبة الدخول غير القانوني للتراب الفرنسي مثلما تشي بذلك المحاضر المحرّرة من قبل أجهزة الشرطة والمقالات الصحفية ذات الاتصال، وهو ما خصّص له المؤلف الفصل الثاني من بحثه، وهو فصل تعرّض إلى عالم المهاجرين غير القانونيين، متعقّبا مساراتهم الشخصية وشبكات التضامن العائلية والدينية والإيديولوجية التي عوّلوا عليها، فضلا عن اهتمامه بالأدوار التي عادت إلى شبكات المُهرّبين أو المساعدين على الهجرة.
تعقّب هذا التحاليل المجهري تحوّلات مواضع الاستقرار على التراب الفرنسي وخاصة الساحلية من بينها بداية من سنة 1939، مستعرضا الترتيبات المتصلة بذلك باعتبار مساهمة الحرب في تراجع تيارات الهجرة غير الشرعية، تلك التي تركت مكانها للوافدين الحاملين لجوازات وتأشيرات دخول مدلّسة. في حين خُصّص الفصل الثالث للحديث عن تصلّب التشريعات المتّصلة بشروط إقامة الأجانب ومراقبة أنشطتهم المهنية وتحركاتهم والتجاوزات الناجمة عنها. فقد عمدت الدوائر المختصّة إلى تجريم غير الحاملين لبطاقات الهويّة، أو أولئك الذين لم يقوموا بتجديدها حال انتهاء مدة صلاحيتها، أو المخالفين لقرارات الطرد والإبعاد عن التراب الفرنسي، والمُقْدِمين على استعمال وثائق شخصية مدلّسة، وغيرهم ممن تعمدوا عدم إعلام الدوائر الأمنية بتغيير محلات إقامتهم.
حاول المؤلف أن يعرض علينا تحليلا ضافيا لتطوّر أساليب ردع مختلف هذه المخالفات، مُبْدِيا الاحتياطات الضرورية، متسلحا بالدقة المطلوبة. فضعف حالات التجريم من أجل حمل وثائق شخصية مدلّسة يطرح من وجهة نظره حقيقة غضّ المجتمع الفرنسي للطرف نسبيا عن مثل تلك الممارسات أو عدم نجابة الجهات الأمنية في التوقّي من تلك الظواهر وإيقاف مرتكبيها. كما قد تكون قلّة الوثائق المتوفّرة والمتّصلة بطبيعة حياة تلك الفئات المستقرة بشكل غير قانوني على التراب الفرنسي، هي التي دفعت بالمؤلف إلى التريّث في الحكم على هذا الوضع والاقتصار على عرض بعض الفرضيات (على غرار ما أثبته بصفحة 222 تحديدا) بخصوص أشكال تعامل المجتمع والسلطة القائمة مع هذا النوع من المخالفات.
فعمليات الإيقاف لم تكن تحصل إلا حال المسك بشكل متكّرر بالمُقْدِمِ على المخالفة أو بأولئك الذين ثبت حال القيام بدوريات مراقبة أنهم يحملون وثائق مفضوحة التزوير، لذلك يرجّح المؤلف أن أجهزة الشرطة كانت فاقدة للوسائل الكفيلة بردع مثل تلك "الانحرافات"، فضلا على أنه لم يكن بوسعها التعويل على مساعدة أصحاب المحلاّت  فقد اقتصرت جميع عمليات القبض على "الجناة" على دوريات المراقبة بالطريق العام دون اللجوء إلى استعمال المداهمات.
ومهما يكن من أمر، فإن تحوّلات الظرفية السياسية قد أثّرت بشكل ملحوظ في عدد من قامت تلك الدوائر الأمنية باستدعائهم للمثول أمام القضاء، بحيث تقلّص عدد المحالين على المحاكم إلى أدناه مع نهاية سنة 1940، وذلك بالتزامن مع الاجتياح الإيطالي لمنطقة الألب الساحلية.
أفرد رياض بن خليفة الفصل الرابع من القسم الافتتاحي لمؤَلفه للحديث عن كيفية تعامل السكان اليهود مع ترسانة القوانين المعادية للسامية. فالتشريعات ذات التوجهات العرقيّة على غرار عمليات الرصد والإحصاء البوليسية وفرض الختم أو الدمغة التمّيزية على الوثائق الشخصية لليهود يُجَرِّمُ جميعها عدم احترام مختلف هذه الإجراءات، مما ترتب عليه قانونيا التحديد الإجباري للإقامة، حتى وإن لاحظ المؤلف - وهو على تمام الصواب في ذلك- عدم تطبيق تلك الإجراءات المتصلة بالختم التمييزي طبقا لما نصّ عليه قانون الحادي عشر من ديسمبر لسنة 1942 طيلة فترة الاجتياح الايطالي للتراب الفرنسي وحتى بعد دخول الجيوش النازية مع حلول سنة 1943. فالعقوبات النادرة التي تم تسجيلها والناتجة في الغالب عن عمليات ملاحقة معزولة من قبل أعوان الشرطة، لم تنجح في إثناء ممثل الداخلية ووالي منطقة الألب الساحلية "جون شاينيو Jean Chaigneau [vi] عن التمسّك بسياسة التريث التي التزم بتطبيقها. فعمليات إيقاف اليهود وملاحقات النازيين العنيفة التي شملت الأجانب بين 26 و27 أوت 1942 حال اجتياحهم للمنطقة، لم تترتب عليها النتائج المرجوة بحيث لم تتجاوز نسبة اليهود الذين تم ترحيلهم فعليا إلى المحتشدات النازية 10 أو 15% وفق أرفع التقديرات. ويعود هذا "الفشل" وفق تصوّر رياض بن خليفة إلى الدور الفاتر للمصالح الأمنية الفرنسية وإلى نجاعة شبكات إنقاذ اليهود من الوقوع في قبضة النازيين أو المتواطئين معهم، وهي شبكات تعدّدت حالات مؤازرتها أو مساندتها من قبل سكان منطقة الألب الساحلية.

الزجر الأخلاقي والإزراء بالحريات الشخصيّة:

        تم تخصيص القسم الثاني من الأطروحة لموضوع سبق وأن تعرضت لجوانب منه أبحاث أخرى على غرار دراسات "سيريل أوليفي Cyril Olivier " [vii] و"مارك بوننشي Marc Boninchi[viii]" حول مراقبة الممارسات الجنسية خارج إطار الزواج والقوانين الزجرية المتصلة بحماية العائلة. فقد ركز المؤلف في هذا المجال على ثلاثة ممارسات جرّمتها القوانين السارية أيام نظام فيشي وهي: الزنا أو عدم الإخلاص في الحياة الزوجية وإهمال العيال وإيقاف الحمل الطبيعي باللجوء إلى الإجهاض، مخصّصا لكل منها فصلا بعينه درس من خلاله التشريعات الموضوعة بشكل دقيق وضافي، متعرّضا في الأول لأسُسها الإيديولوجية المحافظة لكي يتفرغ بعد ذلك للوقوف عند أشكال التجاسر على مخالفة تلك القوانين وعرض "الجناة" على الدوائر التأديبية أو القضائية.
فقد تحولت مقاومة الممارسات الجنسية خارج إطار الزواج مع نظام فيشي إلى ما يشبه الرهان السياسي وذلك كلما تعلّق الأمر بزوجات أسرى الحرب. فقد أكّدأ القانون المنشور بتاريخ 23 ديسمبر 1942 على ضرورة معاقبة النساء المتورّطات في ممارسة الزنا، مشدّدا على ضرورة معاقبة كل من ثبت تورطه في "استدراجهن". إلا أن واقع تطبيق الأحكام التأديبية المتّصلة بمثل هذه الجناية ضمن الدوائر القضائية التابعة لمنطقة الألب الساحلية يكشف عن ندرة الأحكام الصادرة بخصوصها، تلك التي لم تشمل إلا الحالات التي ثبت فيها استقبال الزوجة لخليلها في محل الزوجية وإحلاله في الخدمة محل الزوج الشرعي، وهي وضعية من الصعب إثباتها بشكل قانوني، لذلك غالبا ما حصل حفظ القضية أو إسقاط الدعوى خاصة وأن القصد من رفعها قد اتصل بالأساس بحصول المدعي على الطلاق وإثبات حصول الضّرر. ويقوم القاضي في حالة ثبوت الإدانة بتطبيق الفصل 463 المراعي لظروف التخفيف قصد الحطّ من الحكم إلى الحدود الدنيا تفاديا للأحكام السجنيّة. كما تمت مراعاة نفس الظروف بالنسبة للقضايا المنشورة بخصوص إدعاء إهمال العيال وصعوبة دفع معين النفقة لاعتبارات اقتصادية أو شخصية تتصل بتفاقم الخلافات بين الأزواج، حيث سجل عدد الإدانات الجزائية ارتفاعا ملحوظا بعد إقرار قانون الـ 23 من جويلية 1942. فقد فضّلت الأطراف المتنازعة القبول بتسويات تضمن اتساق الإنفاق والحد من الخصومات. كما آثر القضاة من جانبهم مراعاة ظروف التخفيف حتى وإن تأكد على المدعى عليه الوقوع في العود، وهو ما جرّمه القانون الجديد. أما بخصوص الإقدام على إيقاف الحمل الطبيعي باللجوء إلى الإجهاض فإننا نلاحظ البون الشاسع بين حقيقة الردع المسلّط على المتورّطين ومضمون الخطاب الرسمي لنظام فيشي الذي شجّع على الإنجاب مُدينا بشدة الإسراف في ما نعته بـ"التفسخ الأخلاقي" وتزايد عدد "منجبي الملائكة faiseurs d’anges". حيث لم تكن تحاط السلطة علما بذلك إلا حال اضطرار المصالح الإدارية للمستشفيات إلى إعلامها بالاحتفاظ بالمريض، مع تحفّظ الأطباء المباشرين عن أسباب ذلك وفق ما يفرضه عليهم السرّ المهني، أو من خلال الوشاية وتبليغ أعوان قسم التفتيش عن مقترفي "جناية" الإجهاض التابعين للفرقة الأمنية الثامنة عشر المختصّة في هذا النوع من المخالفات.
يصف المؤلف بالتفصيل أشكال التجاوزات المتعلّقة بتقنيات الإقدام على توقيف الحمل أو الإجهاض الواردة ضمن التقارير المدروسة، تلك التي تمثلت في تناول المشروبات النباتية التطهيرية أو الحقن بمواد طاردة أو تمزيق الغشاء الواقي للجنين أو ثقبه ... وتستند التشريعات المنظمة لمعاقبة مثل هذه الممارسات على الفضل 317 من المجلة الجنائية وعلى المجلة الخاصة بأحوال العائلة بداية من سنة 1939، بعد أن حدّ نظام فيشي من لجوء القضاة إلى الحكم بتأجيل التنفيذ، ذلك الذي نعته وزير العدل جوزيف برتيليمي Joseph Barthélémy[ix] تهكّما في شهر أكتوبر من سنة 1941 ووفق ما أشّرت إليه الصفحة 459 من هذا المؤلَف بـ"ديمغوجية المسامحة démagogie du pardon"، وهو ما أسعف السلطة في عرض الجناة أمام محاكم الدولة بدية من شهر فيفري من سنة 1942 . إلا أن ما يتعين التنبّه إليه في هذا المقام هو عدم مقاضاة دائرة محكمة الدولة بمدينة "ليون Lyon" لأي دعوى في ثبوت حصول حالات إجهاض في جهة الألب الساحلية أو صدور أي حكم من قِبَلِهَا يقضي بتحديد الإقامة الإدارية، فضلا عن أن الأحكام الصادرة في الغرض قد شمِلتها ظروف التخفيف، حيث فضّل القضاة البت بشأنها باللجوء إلى التصريح بالعقوبة الدنيا، لذلك فإننا لم نسجل أحكاما بالسجن تتجاوز الخمس سنوات، في حين أن مجلة الأحوال العائلية الصادرة سنة 1939 قد نصت على ضرورة مقاضاة حالات العود في تعمّد توقيف الحمل الطبيعي أو الإجهاض بأحكام تتراوح بين الخمس والعشر سنوات سجنا مع النفاذ. فقد تمّ الحكم فعليا على "الجناة" المُعدَمين اقتصاديا بسجنهم لمدة ستة أشهر أو سنة مع النفاذ. أما الأحكام الصادرة على الأطباء والقوابل الذين ثبتت مخالفتهم للقانون وممارستهم المتكرّرة لعمليات الإيقاف غير الطبيعي للحمل والتعيّش من ذلك باعتباره تجارة مربحة ونافقة، فقد تراوحت بين سنة وثلاثة سنوات سجنا مع النفاذ، في حين تم تأجيل تنفيذ الأحكام في حق النسوة المقبلات على الإجهاض اللائي تم اعتبارهن من قبل النظام ضحايا لتلك الممارسات وذلك حتى سنة 1942، على أن يتم إخلاء سبيلهن أو الحطّ من الأحكام الصادرة في حقهن، حالما لم تعد القوانين تسمح بتأجيل الأحكام.



استنتاجات ختامية:
     
وهكذا فإن الاستخلاص الرئيس لهذا البحث قد تمثل في أن قضاة منطقة الألب الساحلية قد أبدوا عامة تفهّما كبيرا للواقع الاجتماعي الذي منحوه الأولوية في تكيفهم لملفاتهم القضائية قياسا للإيديولوجية العنصرية والطهرية لنظام فيشي، معتبرين في ذلك بالظروف الواقعية الدافعة إلى الخروج عمّا نصّت عليه القوانين والمتّصلة في الغالب بالتشريعات الاستثنائية التي استهدفت من وسمتهم المصادر بـ"الأجانب"، وكذا كيفية تعامل تلك التشريعات مع الحياة الشخصية للأفراد وانحيازها الفاضح لمؤسسة العائلة. فقد أعرض القضاة عن كل تطبيق زجريّ للقوانين ولم ينقطعوا على اللجوء إلى تأجيل الأحكام، مُعوّلين في جميع ذلك على مقتضيات الفصل 463، الشيء الذي دفع بـ"نظام فيشي" إلى استنباط أشكال زجر مستحدثة على غرار تفعيل العدالة الاستثنائية وتحديد الإقامة الإدارية.
ولئن عادت خاتمة هذا الكتاب لحوصلة الاستنتاجات المتّصلة بهذا الاستخلاص الرئيس، فإن رياض بن خليفة قد آثر التعريج أيضا على الجوانب المنهجية التي جرّبها في بحثه، مشدّدا على أهمية تفحّص الأرشيفات القضائية المدنية وتنويع زوايا الملاحظة في مسائلته لمحتوياتها وتحليله لمضامينها، مقترحا التفكير حول العلاقات التي ربطت بين الأزمة وتصريف مؤسسات الدولة وواقع الجنوح أو الانحراف المسجل في سياق سنوات الحرب الكونية الثانية فرنسيا.  فقد تبيّن من خلال محتوى مختلف فصول هذا العمل المعرفي أن معظم الجنيات المقترفة قد حصلت إما نتيجة لتمسّك نظام فيشي بسياسة إكراه مقصودة وتشغيل آليات مراقبة لصيقة استهدفت "غير المرغوب في حضورهم" على التراب الفرنسي، أو لسنّ ذلك النظام لسياسة لا تستجيب لمقتضيات الواقع الاجتماعي خاصة فيما يتصل بتطوّر النظرة إلى سجل القيم المرتبطة بالحريات الشخصية وبالعلاقات العائلية أيضا.
والحقّ أن تأثير أنظمة المراقبة الاجتماعية على ظاهرة الجنوح أو الانحراف قد تمّ تحليله بشكل متميّز ضمن هذا التأليف. فلئن تراءى للبعض أن الشروع الفعلي في دراسة مختلف تلك التشريعات الزجرية لم ينطلق فعليا إلا بعد استيفاء تحرير ثلث البحث، فإن حرص المؤلف على استكمال التفاصيل المتعلّقة بالقراءة السياقية، قد مكّننا من وضع مختلف تلك "الانحرافات" ضمن إطارها التاريخي، الشيء الذي أسعف رياض بن خليفة في عرض مثال نادر لدراسة مستوفاة وشاملة لموضوع الجنوح أو الانحراف الاجتماعي، دون التغافل على أي عنصر من شأنه أن يساهم في مزيد فهم المسألة المطروحة والقراءة النقدية لجميع المصادر المستجلبة. وإذا ما أضفنا إلى ذلك الإحالات التاريخية الدقيقة والمتنوّعة التي تتقصّى المهم، عارضة علينا جهازا نقديا متينا وحرفيّا، والجهد المبذول من قبل الناشر الذي أصرّ على سلامة الطبع وتحرّى بخصوص فهارس الأعلام والأماكن، فإنه يتأكد لدينا أن هذا الكتاب الذي يعرض نفسه على واسع القراء في شكل كلاسيكي متواضع، بوسعه أن يشكل يقينا إسهاما معرفيا أساسيا ضمن الدراسات المتخصّصة في تاريخ العدالة والقضاء.        


[i]    عرض نقدي لمحتوى أطروحة رياض بن خليفة، الانحراف زمن الأزمة: قراءة في انقلاب الجُنح العادية إلى جنايات استثنائية منشورة لدى محاكم منطقة الألب الساحلية (َ1938 - 1944)، باريس، منشورات أونوري شومبيون 2015 في 606 صفحة.  قام بانجاز هذا العرض "جون كلود فارسي" وتولينا ترجمته إلى اللغة العربية. 
Référence électronique du compte rendu :
Jean-Claude Farcy, « Riadh Ben Khalifa, Délinquance en temps de crise. L’ordinaire exceptionnel devant la juridiction criminelle des Alpes-Maritimes (1938-1944) », dans Criminocorpus [En ligne], 2016, mis en ligne le 08 janvier 2016, consulté le 08 janvier 2016. URL : http://criminocorpus.revues.org/3130
Riadh Ben Khalifa, Délinquance en temps de crise. L’ordinaire exceptionnel devant la juridiction criminelle des Alpes-Maritimes (1938-1944), Paris, Honoré Champion, 2015, 606 pages.

[ii]   هو باحث مشارك بمركز جورج شوفالي Georges Chevalier التابع لجامعة جهة بورغونيBourgogne  بمدينة ديجون Dijon  الفرنسية. خصصت أهم أبحاثه المنشورة لتاريخ الأرياف وتاريخ القضاء بفرنسا خلال القرنين التاسع عشر والعشرين. وهو علاوة عمّا ذكرنا عضو بهيئة تحرير المجلة الرقمية "مدونة علوم الإجرام Criminocorpus".
[iii]   تولّى نظام فيشي الذي قاده "الماريشال فيليب بيتان le Maréchal Philippe Pétain" حكم فرنسا خلال مرحلة الحرب العالمية الثانية من 10 جويلية 1940 إلى 20 أوت 4194 وذلك زمن احتلال البلاد من قبل القوات النازية للرايخ الثالث، والذي اتخذ من مدينة فيشي الواقعة شرقي فرنسا مركزا رسميا له.  
[iv]   تولّت الجمهورية الثالثة حكم فرنسا بين 1870 و 1940
[v]    تحسن العودة في هذا المجال إلى محتوى أطروحة فرجيني سانسيكو التي ركّزت أبحاثها على استنطاق الأرشيفات المتّصلة بمحاضر جلسات المحاكمات الخاصة بالقمع السياسي على أيام نظام فيشي المتواطئ مع النازية:
 Sansico (Virginie), La justice déshonorée 1940 – 1944. Paris, Tallandier 2015. 623 pages.   
[vi]   شغل جون شاينيو Jean Chaigneau خطة والي على منطقة الألب الساحلية بين أفريل 1943 وماي 1944.
[vii]   Olivier (Cyril), Le vice ou la vertu. Vichy et les politiques de la sexualité 1940-1944, Toulouse, Presses universitaires du Mirail, 2005, 308 pages.
[viii]   Boninchi (Marc), Vichy et l’ordre moral, Paris, PUF, 2005, XIX-319 pages.
[ix]  شغل جوزيف برتيليمي خطة وزير للعدل في نظام فيشي يين 1943 و 4194.

عرض نقدي لجون كلود فارسي حول مضمون أطروحة رياض بن خليفة "الجنوح زمن الأزمة" الصادرة ضمن منشورات هونوري شمبيون أواخر سنة 2015، قمنا بترجمته إلى اللغة العربية ونشر ضمن العدد السادس من مجلة "الفكر الجديد".   

lundi 22 février 2016

"بين الذاكرة والتاريخ": ما كان يمكن أن يحصل




تغطية شوقي بن حسن 
لوقائع تقديم كتاب "بين الذاكرة والتاريخ" بالمركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات
صدرت بصحيفة "العربي الجديد" بتاريخ 21 فبراير 2016






    كثيراً ما يقال إن الكتابة التاريخية، رغم ما طوّرته من عناصر الانضباط العلمي، تظلّ ميدان     مغالطات وتلاعب، غير أن الجزء غير المدوّن من التاريخ، والذي يمر عبر الأجيال، يمثّل هو الآخر ميدان تلاعب ولكن بأدوات أخرى. يطلق على هذا التاريخ المتداول وغير المكتوب تسمية "الذاكرة الجماعية". هذه الذاكرة، بحسب المؤرخ التونسي لطفي عيسى، لها قدرات على التلاعب أعلى بكثير من التاريخ. يوم الجمعة الماضي، في مقر "المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات" في تونس، جرى تقديم المؤلّف الجديد لـ عيسى "بين الذاكرة والتاريخ: في التأصيل وتحوّلات الهوية" (منشورات "أفريقيا الشرق"، المغرب). عمل يعود فيه الكاتب إلى هذه القضية مطبّقاً إياها على مجال جغرافيّ بعينه، هو المغرب العربي. قدّم الكاتب التونسي شكري المبخوت قراءة أشار فيها إلى أن علاقته بأعمال عيسى لم تبدأ بهذا المؤلف، وإنما مع أعمال سابقة مثل "كتاب السير" و"أخبار المناقب"؛ حيث أن اختصاصه في الأدب قاده إلى بحوث عيسى التاريخية التي تناولت أدب المناقب وسير الأولياء وحفرت في علاقتها بالاجتماعي والسياسي. يشير المبخوت إلى أن هذه المدوّنة، ورغم ما فيها من خرافات، كانت تمثّل وسيلة من وسائل السيطرة على العنف وإدماج المهمّشين، وفي مرحلة ثانية ساعدت في بناء المجال الجغرافي الروحي إلى جانب بناء المجال الجغرافي الترابي. من هنا، يشير المبخوت إلى أهمية بحوث عيسى باعتبار أن "المرحلة الاستعمارية جاءت لتخفي كل منجز سبقها، حتى أن عملية البناء هذه، إضافة إلى مبادرات التحديث بدت وكأنها مرتبطة بمجيء الاستعمار"؛ أي إن اللحظة الاستعمارية قامت بالتعمية على مجمل التاريخ المغاربي، ومن هنا تتأتّى ضرورة الحفر أعمق في تاريخ الذهنيات، مجال اختصاص لطفي عيسى. من جهته، تحدّث المؤرخ التونسي عن مؤلّفه الجديد الذي يشكّل بنظره "كتابة تقع بين المقابسة والتمرين المعرفي"، ومن خلاله أراد أن يبرز أن "التفكير في التاريخ بات مبذولاً لكل تخصصات العلوم الإنسانية"، وهو يستدعي في عمله حول الذاكرة الجماعية نتائج لمدارس تاريخية متعددة وأخرى فلسفية، مثل أعمال جاك لوغوف أو بول ريكور. يقرّ عيسى بأن السؤال عن العلاقة بين التاريخ والذاكرة سبقتنا إليه المعرفة الغربية، ليعلن أن أحد أهداف هذا الكتاب كان "جعل المفاهيم أهلية"، وعلى مستوى ثانٍ "تقريب ما هو جاف مفاهيمياً إلى الثقافة العامة والتساؤلات المدينة الراهنة". يطرح عيسى، في بداية عمله، ما يسميه بـ "ذاكرة الأزمة"؛ فيعود إلى أدبيات الفترة العربية الموازية لفجر الحداثة الأوروبية (القرن السادس عشر)، متسائلاً "هل أن الحداثة حين بدأت في الغرب، كنا نعيش وكأننا في كوكب آخر؟ أم أننا عشنا شيئاً منها في بلادنا؟". بالاعتماد على التاريخ المقارن بين حالتي تونس والمغرب بالأساس، يرى عيسى أن مؤشرات كثيرة تقول بوجود حركة تحديث، وهو ما يمكن تبيّنه من خلال نظام الضرائب والجيش وعملية عقلنة الإدارة. لكنه، من جهة أخرى، يبيّن أن هذا التحديث لم ينعكس على المجتمعات، فبدراسته للنصوص المنجزة وقته، والتي يهيمن عليها أدب المناقب والخوارق، تظهر آليات التعتيم على الواقع. هذا الاشتغال على تاريخ الذهنيات، يتيح، بحسب عيسى، النظر ليس فقط في ما حصل، وهو ما يدرسه التاريخ عادة، وإنما أيضاً النظر في ما كان يمكن أن يحصل 

mercredi 17 février 2016

الدولة وبناء المجال الجغرافيّ والروحيّ






مقال للصديق شكري المبخوت صدر بصحيفة العربي الجديد بتاريخ 15 فيفري 2016.  


تعيش كثير من المجتمعات العربية اليوم ظواهر ما قبل الدولة (قبليّة وطائفيّة وعشائريّة...) ويشهد جلّها انفجار الهوّيّات في غياب لمعنى الدولة - الوطن وتملّك حقيقيّ لشروط المواطنة. وبسبب هذا نرى صراعات كثيرة حول السلطة تضع الدولة ومؤسّساتها موضع تشكيك ونجد خلطا بين الانتساب إلى مجال للسيادة مشترك والاعتبارات الروحيّة التي تدخل ضمن الحريات الفرديّة ومن بينها حرية الضمير والمعتقد
وهذا ما عاين الجميع جوانب منه مع تولّي "الإسلام السياسيّ" السلطة ولو فترة وجيزة في مصر وتونس بالخصوص. فصار مفهوم فضفاض للفضيلة تعلّة للوصاية على الناس انعكست سياسيّاً على تصوّر مهزوز لهوّيّة المجتمع. وأدّى ذلك إلى العمل على تفكيك الدولة والخلط الشنيع بين التقليد والتحديث من جهة وبين المحافظة والتغريب من جهة أخرى. 
وتبدو العودة إلى التاريخ الحديث للنظر في كيفيّة تشكّل الدولة في تونس والمغرب الأقصى بالخصوص من خلال ترتيب المجال الترابيّ وبناء الذاكرة الجماعيّة مفيدة جدّا في فهم الكثير من هذه الظواهر. ويمثّل كتاب الباحث التونسيّ لطفي عيسى "بين الذاكرة والتاريخ: في التأصيل وتحوّلات الهوّيّة"، من هذه الناحية دراسة تطبيقيّة لمسائل بناء الدولة في فضاء المغارب ضمن مقاربة تاريخيّة مقارنة. 


ذاكرة المخزن
 
وظّف لطفي عيسى مفهوم المخزن، أي مجموع المؤسّسات التي تكوّن جهاز الدولة، لإبراز استقلال الدولة عن الخلافة في مجال المغارب قبل دخول الاستعمار إثر تراجع تجارة القوافل وتطوّر المبادلات التجاريّة مع الممالك الأوروبيّة. ولكنّ الميزة الأوضح هي انقسام المجال الداخليّ لتونس والمغرب إلى مركز سياسيّ و"سيبة" أي قبائل ممانعة ومعارضة لسلطة الدولة.
بنى المخزن في هذا السياق علاقتَه بالقبائل على أساس الإخضاع عبر الردع والضرائب. بيد أنّ عمليّة رسم المجال لم تكن يسيرة. وقد احتفظت الذاكرة الجماعيّة بتوتّرات وضروب من المقاومة الشرسة تعبّر من وجهة نظر المؤرّخ عمّا لقيته النخبة السياسيّة والعسكريّة والماليّة من عنت في حصر المجال الترابيّ شرطا لقيام الدولة. وانطلاقا من تمثّلات مختلف الفاعلين الاجتماعيّين لهذه التوّترات يعيد لطفي عيسى بناء "ذاكرة المخزن".
لقد فرض رسم المجال تصوّرا جديدا لإخضاع الرعايا ومراقبتها وضبط مجال تحرّكها حتّى تتمكّن الدولة من تحديد قوانين الأداء الضريبيّ. فتولّد عن ذلك نظام إداريّ وعسكريّ وجبائيّ فُرض على القبائل فمثّل منعطفا أساسيّا قام على شكل جديد من أشكال التعاقد بين الحاكم والمحكوم.
غير أنّ الأمر لم يكن مرتبطا دائما بالقهر وما نسمّيه اليوم "المعالجة الأمنيّة" بل قام كذلك على "حوار ساخن" بين أطراف اجتماعيّة مختلفة للتوصّل إلى توافق حول منظومة الضرائب. وبرز انعكاس هذه الديناميكيّة في بناء المجال على تشكيل الهوّيّة الجماعيّة في ارتباط وثيق ببناء المخزن وفرض سلطته.
وعماد هذه الهوّيّة تمتين أواصر الانتساب إلى "مجال موحّد تسهر مؤسّسة المخزن على تنظيمه ويخضع جميع رعاياه إلى نفس القوانين والأعراف الجارية" (ص 86). وهو ما يعني، على سبيل العبرة التاريخيّة، إضفاء معنى واقعيّ على مفهوم الهوّيّة بربطها بمجال موحّد.
غير أنّ بدايات القرن التاسع عشر حملت معها توسّعا تجاريّا أوروبّيا أضعف اقتصاد "الإيالة التونسيّة" فاختلّ الميزان التجاريّ ممّا أدّى إلى إضعاف الدولة وأعوانها. وهو ما مهّد للسيطرة الأوروبيّة ماليّا وتراكم الديون والانهيار المالي فالإفلاس بما سمح بالتسرّب الرأسماليّ مهيّئا الفرصة للتدخّل الاستعماريّ.
ولا تختلف حال المغرب الأقصى كثيرا رغم اختلاف الخصوصيّات. فقد كان لاحتلال الجزائر وقع سلبيّ عليها. فبعد هزيمة سلطان المغرب ضدّ جيش الاحتلال الفرنسيّ اقتطع الإسبان أراضي جديدة على الساحل المغربيّ. ورغم رسم الحدود فإنّ الفرنسيّين والإسبان احتفظوا بالحقّ في مراجعتها. وتعهّد المخزن بدفع غرامات ماليّة مقابل انسحاب الإسبان من تطوان ممّا اضطرّ السلطان إلى الاقتراض من البنوك الإنجليزية. عندها غرق المغرب الأقصى في وحل الديون وقروض الإفلاس. 

الدولة السلطانيّة والرأسماليّة

ولم تنفع الإصلاحات المتتالية في رتق الفتق. فهل يفسّر مفهوم "الدولة السلطانيّة" هذا التراجع الحضاريّ؟ أم يعود ذلك إلى تداخل وظائف الأمير والإمام والتاجر والقاضي أي تداخل السلطات السياسيّة والدينيّة والاقتصاديّة والقضائيّة وعدم تقسيم الأدوار؟
مهما تكن الإجابة عن هذا السؤال المحوريّ فالثابت أنّ المعاملات التجاريّة قامت على الاحتكار واستغلال الموقع السياسيّ. فالترابط بين حضور الدولة ونموّ الحواضر بيّن. ولكنّ الدولة السلطانيّة، كما لاحظ لطفي عيسى، "دولة استملاك وترف واستمتاع (...) وعملت جميع الفئات المالكة أو المنتجة للثروة على المحافظة على ما بيدها أكثر من التفكير في إنمائه فلم يستقلّ الاقتصاد عن السياسة ولا المدينة عن الدولة" (ص 114).
ولكن على الرغم من تدخلات أعوان المخزن والرفض المتواصل للتجمّعات القبليّة لمراقبة مؤسّسات الدولة وعلى الرغم من هجمة رأس المال الأوروبيّ فقد استطاعت مدن المغرب الكبير من أن تنظّم مجالها. 

الجغرافية الروحيّة

ومن أطرف ما في كتاب لطفي عيسى، منهجا ومحتوى واستنتاجا، تحليله لأساطير تأسيس مدينتي تونس وفاس وبيانه لوظائف تلك الأساطير في تحقيق الهوّيّة المشتركة وبناء الذاكرة الجماعيّة. فقد كانت تسييجا للمجال الروحيّ يناظر تسييج الدولة للمجال الترابيّ.
أبرز الباحث، انطلاقاً من سير أرباب الصلاح التونسيّين والفاسيّين ومناقبهم، وهو المجال الذي أبدع فيه لطفي عيسى في كتاباته السابقة، وما حفّت بها من تخاريف وتهويمات وتلفيقات، كيف أضحت أضرحة الأولياء والجوامع والزوايا علامات رسمت الهوّيّة الرمزيّة والروحيّة ورسّخت المجال الترابي للدولة بما يوافق الذهنيّات الشعبيّة.
ولهذه الجغرافيا الروحيّة وظائف اجتماعيّة وسياسيّة هامّة. فهي تسهم في تأمين مسالك العبور والسيطرة على العنف والفوضى وبثّ الاستقرار والأمن وإدماج الفئات المهمّشة والخارجة على الدولة. فقد ساهم رأس المال الرمزيّ هذا في إضفاء القداسة على المجال الترابيّ. إذ قام محرز بن خلف، الملقّب بسلطان المدينة (مدينة تونس) بعمليّة تجنيس مذهبيّ كبيرة من خلال نشر المالكيّة وأسلمة البربر المروْمنين والأعاجم اللاّتينيّين والأقباط واليهود والشيعة وجميع من استوطن مدينة تونس. ولكنّ الذاكرة الشعبيّة سكتت عن تعصّبه الدينيّ وممارسته للتقتيل المنهجيّ.
ونجد إدريس الثاني الملقّب بـ"الأنور" بطلا عجائبيّا في ذاكرة المغرب الأقصى. فهو ابن أمَة بربريّة أوروبيّة شارك في جعل مدينة فاس متعدّدة الأعراق (بربر وعرب وأندلسيّين) بما يسّر لصاحب السلطان أن يلعب على ما بينها من اختلافات.
وهذا كلّه يدلّ على أن روايات التأسيس مثّلت تعبيرا عن البحث عن رابطة تردم الهوّة بين مستويات متباينة من التمثّل الثقافيّ العالم والتمثّل الثقافيّ الشعبيّ. ومن نتائج ذلك، سياسيّا، أنّ دولة المخزن، حين عجزت عن السيطرة الكلّيّة على مجال نفوذها، استفادت من شبكة الطرقيّة ومؤسّساتها لتأمين مسالك التفاوض مع القبائل الممانعة.
إنّ كتاب لطفي عيسى، نموذج من المقاربة التاريخيّة المنفتحة على الأنتروبولوجيا الثقافيّة. لذلك نجده لا يتورّع عن استنطاق نصوص لا تبدو ذات طابع أرشيفيّ موثوق به في عرف المؤرّخين. بيد أن كتابه هذا، كما كتاباته الأخرى في أدب المناقب، يؤكّد أن الإشكال في العين التي ترى وقدرتها على قراءة ما بين السطور وتنزيله منزلته من التاريخ والذهنيّات لاستنباط المعنى فيه وكشف تمثّلات الناس لأنفسهم ولما يدور حولهم. وهذه بعض فضائل هذا الكتاب الثريّ بالإشكالات والقضايا التي تجعلنا نعيد التفكير في كثير ممّا عندنا من مسلّمات.
 

*
روائيّ وأكاديميّ من تونس

jeudi 21 janvier 2016

خواطر الطاهر الحدّاد: صورة لشقاء التونسيين الفكري والنفسي والاجتماعي


















         سنتان بالكاد تفصلان الثلاثة والستين خاطرة التي حبّرها الحداد بين شهري ماي وجويلية 1933 عن موعد رحيله النهائي عن عالم الشهادة والناس في شهر ديسمبر من سنة 1935. وتنطوي تلك العيّنات التي اتخذت فيما بدا لنا شكل الفهرس التمهيدي لمشروع مدوّنة فكرية أشمل حاولت محاكاة ما أنجزته وضمن نفس الجنس الأدبي غربا من خواطر أو مقابسات، على معالجة طريفة تنكّبت اقتصاد العبارة وبساطة اللفظ في تشخيص أسباب شقاء التونسيين وتعاسة واقعهم المادي بعد أن استحكمت عليهم قبضة الاستعمار، داعيا إلى ضرورة الاعتبار بحُزمة من القيم المنبثقة عن محصّلة ذكاء السبّاقين في مصاف التقدّم والحضارة، عارضا على معشر العقلاء من أبناء جلدته أراء مبتكرة تدفع إلى الاجتهاد في إدراك معاني التقدّم والاعتداد بصواب الرأي ومجابهة ظاهر العيوب وما بطن منها، والإقلاع عن نوازع الهدم والتكفير بدعوى حماية الشرف والدين، والإعلاء من شأن الحرية والتقدّم، ومعرفة الماضي بردّه إلى سياقه، وتعظيم العمل وتحرير المرأة بُغية الخروج من سفالة الذُل والمهانة، وصون الثقافة الحيّة وتطوير قابلية الأفراد لاحترام القوانين تشوّفا لبلوغ مستوى الشعوب الراقيّة المتحضّرة.
إن ما يُغري في التوقّف عند مختلف هذه المعاني الرفيعة ومحاولة ردّها إلى السياق التاريخي العصيب الذي عاين ولادتها، لا يتصل مطلقا بالشحنة الأخلاقية التي ضُمنت داخلها بقدر ما يحيل على إرادة من ابتكرها مجابهة حملة التشكيك التي استهدفته، وإصراره على التمسك بمبادئه، حتى وإن حوّله ذلك إلى رقعة تصويب سهلة وكبش فداء منذور مع تجاوز لنوازع الخوف واقتناع بانقطاع السُبل أمام خصومة وتهافت حُججهم عقلا وذوقا.
فما علاقة الجنس الأدبي للخواطر بسجل القيم الكونيّة الحديثة؟ وإلى أي حد تندرج خطاطة خواطر الطاهر الحداد ضمن مشروعه النضالي الاجتماعي؟ ثم ما الأبعاد أو المعاني والقيم الكبرى التي ركّزت عليها تلك الخواطر، وما طبيعة التوجهات الفكرية التي انطوت عليها؟ وإلى أي حدّ تنمّ تلك التوجهات تحديدا عن صدور مؤلفها عن قراءة عميقة للواقع تنهض حجة على أصالة فكره وتمييزه التام بين التعويل على الدراية والابتكار واستسهال الاحتكام إلى النقل والإتباع؟
1 - الخواطر جنس أدبي حاضن لقيم الحداثة
تشكل الخاطرة تعريفا نثرا أدبيّا يضم عبارات بليغة، وصور أو استعارات ملهمة صيغت بغرض التنبيه إلى قضية تحتاج إلى تدبّر وتأمّل. وتقترب الخاطرة من أساليب القصّ وقصيدة النثر، دون الالتزام بموازين الشعر أو قوافيه. فهي تعبير عما يجول بخاطر المؤلف وكشف عن حالة شعورية خاصة في قالب أدبي بليغ يوظف المحسّنات البديعية والتصوير والشحنة الجمالية للألفاظ بغية تصريف حالة الانفعال الوجداني أو التدفّق العاطفي التي انتابته.
وهي وليدة اللحظة تُنشَأ لحظة حدوث الشيء أو بعده ولا تحتاج لإعداد مسبق أو لأدلة وبراهين. كما أنها لمعة أو شعلة عابرة غير مكتملة استدعتها عفوية الخاطر وفتنة القالب أو أسلوب الكتابة.
دخلت لفظة خاطرة بمعنى كلمتيPensées ou Essais  على الآداب الفرنسية في حدود القرن الثاني عشر ولم تأخذ المدلول المتعارف عليه راهنا إلا خلال القرن السادس عشر، حيث سُحب الاسم على مختلف عروض النثر الأدبي الحرّ المستجلبة بغرض التفكير حول مسألة بعينها أو تأملها من دون إدعاء الإحاطة بها أو استيفاء مدلولها بالكامل، لذلك غالبا ما عُرضت الخواطر بشكل نثري مختصر ومتوازن مدلولا وعبارة، وذلك تساوقا مع المعنى الأصلي للفظة خواطر اللاتينية التي تحيل على الرجحان نقدا وتفحّصا ومكافحة. فكاتب الخاطرة يبحث على الإقناع الذي ليس بوسعه تحقيقه دون افتتان المتلقي بجمال الأسلوب الأدبي وبلاغة العبارة المستجلبة. 
تحيل كلمة خاطرة أو مقابسة (وتعني في اللغة العربية الشعلة أو الجذوة من النار) في آثار مرسال مونتاني (ت 1592م) على معاني متعدّدة احتفظ من بينها المؤلف بمعنى التجربة الشخصية، وهي دلالة ضيقة تخطتها آثار من لحقه وخاصة فلاسفة الأنوار العقلانيين في القرن الثامن عشر، أولئك الذين تيسّر لهم التحبير في أغراض متنوعة مثلما تشي بذلك مضامين خواطر كوندورسي (ت 1794م) Condorcet وأعمال فولتير (ت 1778م)  Voltaire مثلا، على أن يعاين القرن الموالي توسيعا للمدلول بحيث شملت الخواطر المؤلفات الأدبية والفنية والجمالية والفلسفية والتاريخية وغيرها، بينما ساهم تطور العلوم الإنسانية خلال القرن العشرين في ربط مدلول الخواطر بمجالات غير مألوفة في عالم الإبداع الأدبي سابقا.
ومهما يكن من أمر فإن الخواطر غالبا ما شكلت آثارا لها صلة وثيقة بخصوصيات السياق الزمني الذي ألفت خلاله، مع التأثر مكانيا بالتجربة الخاصة لواضعها، لذلك فأن كل عملية تحليل منهجي لمضمونها تستدعي التساؤل بخصوص ظروف التأليف؟ وموقع المؤلف داخل المجتمع؟ وكذا حول الأسباب التي دفعته للكتابة؟ والهدف الذي كان يبحث عنه؟ وإلى أي شريحة اجتماعية أو فكرية قصد التوجّه بخطابه؟ ولأن الخواطر أو المقابسات تتعامل مع الأفكار مُحاوِلة عرضها بشكل غير مسبوق، فإن باستطاعة مؤلفها إثارة أحاسيس القارئ وزعزعة مسلماته وهز قناعاته، عامدا إلى دفعه إلى التساؤل والحيّرة وذلك بالتعويل على المشاكلة والسجال والتهكّم ومخالفة الأعراف أو العادات السائدة.
وهكذا ساهمت الخواطر أو المقابسات ومن خلال محاورتها مع التصّورات والممارسات السائدة أو تحليلها للأفكار الطارئة زمن صياغتها، في تطوير تاريخ الأفكار وتكوين رأي عام والانخراط عامة ضمن إيديولوجية المرحلة الزمنية التي شهدت ميلادها. ولئن شكّلت الخواطر غربا جنسا أدبيا تعاظمت مكانته بمرور الزمان، فإن مردّ ذلك هو تساوق المجهودين الفكري أو التأملي والإنشائي أو البلاغي في تحديد هويتها الأدبية على الحقيقة، حيث لم تفتأ الخاطرة على المخاتلة الأدبية بسبق إصرار وترصد لا حدّ لهما، باعتبارها محاولة واعية لأخذ الكلمة وتبليغ الصوت عبر تجاويف العبارة بمدلولها المخصوص الذي يعرضه مؤلف الخاطرة بشكل يبدو قريبا من الذات ومتوجّها إلى الغيرية في آن، وهو ما أضفى على أسلوب كتابة الخواطر مسحة خاصة تتراوح بين الواقعية والمثالية أو الطوباوية. حيث تمنح المقابسات إمكانيات متعدّدة للتعبير تبدأ من محاورة الذات لتصل إلى الحجاج أو السجال، مرورا بالإيحاء والإعلام والنقد والتوصيف ورسم التقاطيع، والقصّ، والمُلْحَة، والحكمة، والفكرة العميقة، والمثال المجّسم والحوار الوهمي.
ويمكن حصر السمات الطاغية على الخواطر كجنس أدبي في أربعة عناصر هي على التوالي:
- التعبير عن الأحاسيس وإثارة المشاعر
- البحث عن الإقناع بالعويل على صياغة تقع بين العروض الفكرية والتجليات الأدبية
-       الصدور عن فكر نزق وحرّ
-       التساؤل حول قضايا وجودية على غرار الحياة والموت والحب والوجود والعدم والسلطة والغيرية والصحبة والمخالطة.
وجميعها سمات تشترك فيها مختلف الخواطر أو المقابسات وتفسر أيضا الرواج الذي ما فتئ يلقاه هذا النوع من الآثار، لذلك فإن ما يتهدّد هذا الجنس الأدبي هو التعامل معه باعتباره مظنة للحصول على أجوبة باتة، والحال أن دوره لا يتعدى إلقاء أسئلة مثيرة ومحيّرة حول مسائل تبدو حارقة ومصيرية بالنسبة لمعاصريه.           
2 – خواطر الحداد امتداد لنضاله الاجتماعي
يبدو مشروع الطاهر الحداد (1899 - 1935) جد معبرا، حيث ينطوي استدعاؤه حاضرا وبعد أن وُفقنا في إعادة تملّك تجربة النضال الوطني من بوابة ترسيخ أفق الفعل السياسي التعددي، على رغبة في تنزيل هذه التجربة النضالية ضمن أفق لا يكتفي بالإنصاف والتنويه فحسب، بل ينشد تمثّل هذا الفكر ضمن مسوغاته الموضوعية ومن داخل التطوّرات التي عاينتها الساحة الفكرية التونسية طوال عشرية تجريد الحداد لقلم نضاله الاجتماعي بين بداية عشرينات وأواسط ثلاثينات القرن الماضي.
فقد بدت لنا الشهادة التي أفردها للوقوف عند أوضاع التعليم الزيتوني وشروط تطويره: "التعليم الإسلامي وحركة الإصلاح في جامع الزيتونة"، وهي شهادة لم يتم طبعها وتحقيقها إلا بعد زهاء نصف قرن عن وفاة مؤلفها، عن منحاه العقلاني التنويري الذي يستند على فكر عبد الرحمان بن خلدون في تفويق العقل على النقل، مع الدعوة إلى الكفّ عن ملاحقة أصحاب الفكر النقدي الحر من مشايخ الزيتونة، وضرورة إدخال العلوم الصحيحة ضمن مقرّرات التحصيل، تأهبا لإصلاح العقول والالتحاق بالأمم الناهضة. "فلا علم إلا حيث يوجد الرأي، ولا رأي إلا حيث يوجد العلم".
اعتقد الحداد في تلازم النضالين الاجتماعي والسياسي، فقد عرض ضمن مؤلفه: "العمال التونسيون وظهور الحركة النقابية" الصادر سنة 1927 ، وهو أثر شكّلت روحه المقالات العشرين المنشورة بين 1925 و1928 ضمن "لسان الشعب" و"مرشد الأمة" و"إفريقيا"، تصوّراته بخصوص إعادة تملك مبادئ الفكر النقابي بعد استيعاب ما تمخضت عنه تجارب البلدان الناهضة أو المتحضرة في الغرض، وتطويعها لما تقتضيه حاجيات البلدان المولى عليها. فلئن أبدى الحداد انتصارا صريحا للفكر الاشتراكي ناقدا التوجهات الاستغلالية للرأسمالية، فإنه لم يتوان على نقد أوضاع المنتجين التونسيين الذين "يسيرون في عملهم بلا عقل غير حب الفرد لنفسه بصورة مرَضِيَّة مشطّة". "فالأمل طريق العمل ولا فوز لأمل بدون عمل".
وكانت تجربة "جامعة عموم العملة التونسيين" التي أسسها محمد علي الحامي (1890 - 1928) نزولا عند دعوة عمال الرصيف المضربين خلال صائفة 1924، إيذانا بتجذّر الشعور الوطني وحصول تواشج وثيق بين الشأنين الاجتماعي والسياسي. فقد ساهم الحداد من موقعه في تخليد تلك التجربة والتأريخ لها والنضال في صلبها والانخراط في الدفاع عن القيم التي صدرت عنها وتَبَنِّي روحها الأمميّة، مع إعطاء الأولوية المطلقة للمشاغل المحلية قبل سواها، وربط كل طموح سياسي بالنجاح في رفع التحديات الاجتماعية الكفيلة بتحويل الأُمم إلى شعوب نابضة بالحياة وناهضة لتحقيق الرقي والتقدم. لذلك يتعين أن "تسبق الحركات الاجتماعية [جميع ما سواها] مع شرح حقيقتها وأصول أعمالها وواجب عموم الشعب فيها"، لأن المناداة بالكرامة والعدل والمساواة والحرية قد امتزجت ومنذ طلائع النضال النقابي بالدفاع عن المنتجين وربط النضال السياسي الوطني بإبداء نجابة في الارتقاء بمنزلة الإنسان، مع الانتباه لضرورة ربط الممارسة السياسية بالحدود الدنيا للفضيلة.
وما كان للحداد أن يتصدى لتأليف بيانه الفارق في الجدل الشرعي القانوني حول علاقة المرأة التونسية بالشريعة والمجتمع، إلا مدفوعا بهاجس حريتها في اختيار شريك حياتها بدل إكراهها على ذلك، وحرية تصرّفها في أموالها بدل ولاية الزوج عليها. لذلك تمثَّل جوهر سؤال الحداد ضمن بيانه حول توافق روح التشريع مع إنصاف الحق في تحديد الطريقة المثلى التي تسمح بفهم أحكام الإسلام فهما موضوعيا يدفع ومن حيث تقصّي فضيلة العدل إلى الانتصار لحرية الإنسان وربط الأوضاع المزرية للمرأة التونسية بقلة نجابة نُخب العلم والسياسة في الانتصار للحرية والمساواة.
تصدر مختلف الأفكار التي صاغتها عارضة الحداد ضمن مختلف كتابته الصحفية والأدبية والنضالية الاجتماعية والتأملية والشعرية والإنسانية، عن تمثّل خصوصي لـ"رسالته في الدنيا"، اتصل رأسا بـ"تحريك إرادة الحياة" في الضمير الجمعي للتونسيين، لأن ذلك "أفضل ما في العبادة" وُفقا لما أقره عبد الرحمان الكواكبي(1855 - 1902) ضمن مؤلفه حول "طباع الاستبداد"، حيث شكّلت "إرادة الشعب" لديه "مُراد السماء".
وتتوافق النظرة الاجتماعية في فكر الطاهر الحداد بالكامل مع ما حملته خطاطة خواطره الثلاثة والستين التي سوّدها في 13 صفحة بين نهاية ربيع وبداية صيف سنة 1933. فقد أصر مؤلف تلك الشذرات المكثّفة والعميقة على مواصلة نهج الإصلاح الاجتماعي بالوقوف في صف المغيبين من أبناء الشرائح الاجتماعية الفقيرة، أولئك الذين دعاهم صراحا إلى الفكاك من قيود التقاليد البالية والوقوف في صف الحق والحرية والتطوّر، والتخلّص من تقديس الماضي وعبادة الحكّام، والقطع مع ثقافة التزمت والتكفير والتواكل والكسل والصدوف عن العمل الجاد ونبذ عقلية العجز وقلة الحيلة بمزيد بذل الجهد وتحكيم العقل والمعرفة الدقيقة بدل الإفراط في التعبير عن العواطف الجياشة والإسراف في ردود الفعل الحسيّة، وجميعها فضائل تندرج ضمن توجّه واعي هدفه صياغة مشروع مجتمعي جديد يأنس للفكر المتنوّر ويضارع دون الشعور بالضآلة والصغار ما وصلت إليه الشعوب المتقدمة من حداثة.       
3 – شقاء التونسيين في خواطر الطاهر الحداد:
يستقيم في نظرنا تقسيم خواطر الحداد إلى ثلاثة أبواب مترابطة حاولت تأمل مدلول الحياة والعمل والعقل واحترام التفكير والتعريف بمعنى الحرية والشعب (24 خاطرة)، والوقوف عند تمثل التونسيين للدين والإيمان والزعامة، وتقديسهم للماضي وللغة الضاد وانتفاء قدرتهم على إدراك مدلول التقدم غربا وحقيقة ما يضمره الاستعمار الفرنسي تجاههم (18 خاطرة). في حين خاضت بقية الخواطر (21) في تعرية مختلف العيوب التي شابت سلوك للتونسيين إبان خط الحداد لمختلف تصوّراته وصياغتها في ذلك الشكل الأدبي المقتصد الجذاب.
يعتبر الحداد أن من شيم كمال الشعوب إعلاءها لإرادتها، فحياتها الحقيقية تمكن في المثال الأعلى الذي تصرّ على نصبه أمام أعينها، أكثر من بقية الحاجيات الأخرى بما في ذلك أصعبها على الإرجاء أو التأجيل كتوفير المعاش. كما يتساوق في نظره حب الله مع حب الحياة، لأن الحياة حركة تأبى الوقوف عند ما خلّفه الأسلاف وتنتظم بالتعويل على التفكير لا عبر التمسّك بالماضي. فالإيمان بالحرية رفض لجميع أشكال التسخير والاستعباد حتى وإن لم ينعم بها إلا من حازها وسد باب الوصول إليها على غيره. ولئن شكلت الحرية جبلّة في الإنسان ومصدرا للنظام فإنها قد مثلت أيضا المِعْوَلُ الذي يُسعف في تهديم ذلك النظام حال تنكّره لها وتضييقه عليها، فبقدر ما تشيخ النظم وتبلى فإن زهرة الحرية "لا ينتهي شبابها".
يستعير الحداد للعِلْمِ صورة فتح مغالق الغيب بسعي ظافر والخروج من الظلمة إلى النور، معتبرا أن العمل مصدر كل ثروة وأصل في التقدّم وأمضى من الاكتفاء في الجهاد بالكلام. كما أن الاعتراف بعدم الكمال فيه دافع إلى تجويده بالشجاعة والتفاني والبلاء الحسن. وأن "التفكير بدء الحياة"، لذلك يتعين إطلاقه من سجنه حتى يرسم لنا طريق الخلاص ويطهّر الرؤوس من رجسها، فاحترام التفكير تمسّك بالحكمة وطلب لإنقاذ الحياة من مخالب الفناء. ولا يكمن الإصلاح عند الحداد في تركيز التونسيين لجهدهم على كشف عيوب غيرهم والذهول عن نقائصهم واستهلاك ما أنتجه الأجداد والتمسك المرضي به دون التفكير في تجويده وترقيته بالإسهام في تصريف الشأن العام وتنظيم الاقتصاد وكسب القوة العسكرية ضمانا للمناعة. فـ"الهدم لا ينفع إذا لم يكن للبناء"، والشعوب المتشوّفة إلى التقدّم على غرار اليابانيين والترك والفرس والروس وغيرهم قد أدركت بَعْدُ ذلك وانخرطت فيه بكليتها، في حين لم تزل شعوب الشرق تراوح مكانها "فما أبعد الغاية وما أطول الطريق على العاجزين".
يشدد مؤلف الخواطر على أن الإسلام قوة تثوير تمنح لمعتنقها فُسحة التحرّر من جميع القيود، غير أن ما يسميه بحميّة الجاهلية والاستبداد هي التي حوّلته إلى "نفاق اجتماعي يجري عليه عرف الناس [فـ] يسلمون إليه أنفسهم في غيبوبة من الألم والحسرة"، ليتلبّس عندها الماضي بالحاضر ويرزح الناس تحت استعباده ويُقبِلون صاغرين على تقديسه، والحال أن بداية التاريخ مشروطة بالقطع مع الماضي والإقلاع على استجلابه، حتى وإن كان ذلك على سبيل السلوى من كبوات الحاضر أو خيباته.
أما بخصوص مدلول الزعامة فقد قصره الحداد على من وهبوا حياتهم للشعب و"أنكروا حقوقهم الشخصية ومكاسبهم وروابطهم العائلية"، فإذا ما ذهبوا بقيت "أرواحهم وأفكارهم نورا يستهدى به"، مشيرا في لهجة تنطوي على كثير من التهكّم إلى أن جميع من يدعون الزعامة من بين التونسيين رجال تعلّموا في أرقى جامعات فرنسا، لذلك طالبوا إدارة الحماية بمجلس تمثيلي يمتلك حق التشريع، فوافتهم بمجلس مختلط تُحترم في كنفه أحكام الدين المحنطة غير القابلة لأي تطور، وذلك تماشيا لتصوّر من استشاروهم من بين شيوخ جامع الزيتونية، وهو ما يدفع إلى الاعتبار بأن اشتغال المرء بعمل شريف يكتسب منه عيشه أفضل بكثير من احتراف الزعامة بغرض التكسّب بآلام الناس دون أدنى شعور بوخز الضمير.
ومع تفهّمه التام لرغبة التونسيين في التعلم ورفع غشاوة الجهل والتكلس، فإنه لا يتهيب من الاعتراف بحقيقة سيطرة الفرنسة على طرق المعاش قياسا لواقع اللغة العربية التي انقطع اتصالها بالحياة ولم تبرح أسوار الزيتونة، بحيث انسجم واقعها المتردي مع الأوضاع المزرية لأسواق المدينة الجامدة والعاجزة عن التطوّر، تلك التي تحوّلت في أعيان زوارها الأجانب إلى ما يشبه متحف للهواء الطلق أو موقعا تراثيا أثيلا.
يشهّر الحداد في دقة فهم وعمق حسّ كبيرين بسيطرة النفعيّة على سلوك الأوروبيين الذين يتشدقون بالدفاع عن أسمى القيم ويقصرون الحرية على أنفسهم ولا يرون لغيرهم أي حق في الحصول عليها، لذلك فإن قوة البيان لا تصلح معهم على الحقيقة، في حين أن أقل عمل يلفت أنظارهم. ويومئ الحداد في استهزاء مكشوف إلى أن ما يسمه بـ"جهاد الكلام" لا تقابله أوروبا الناهضة إلا بإمداد أصحابه ببعض الكلام حول منحهم الاستقلال والبرلمان والدستور والانتخابات لذلك صدق من قال أن شعوب الشرق "قانعة بالقشر عن اللّب ومكتفية باللفظ عن المعنى".
                   
4 – "كلنا في الهمّ شرق":
تخوض بقية الخواطر في جملة من العيوب التي يسهل ملاحظة نتائجها السلبية على واقع التونسيين اليومي خلال مرحلة صياغة الحداد لمختلف تأملاته. فقد شكّلت مختلف تلك المضامين خلاصة تجربته المريرة، ورجع صدى لخيبته القاسية بعد ردود الفعل المتشنجة التي قوبل بها أثره الفارق حول واقع المرأة التونسية البائس وضرورة السعي إلى تحريرها.
غير أن تلك التصرفات التي ترتب عليها اضطراره إلى الانطواء والقبول بالانكفاء على الذات والحد من الظهور على الساحة العامة، لم تمنعه مطلقا من التمسّك بنفس المواقف والتعبير عن نفس الآراء المتصلة بواقع المرأة وربطها بجملة من الممارسات الاجتماعية السلبية التي حال انتشارها بين مختلف الأوساط، دون القطع مع بالي التقاليد وتقويم الخلل الطارئ على التصرّفات التي لم يعد لها من موجب مقارنة بما صارت إليه الأوضاع لدى الشعوب المتقدمة أو تلك التي اختارت أن تقتفي أثرها.
ومن بين تلك الهنات يستحضر مؤلف الخواطر تحديدا ربط التعلّق بالمرأة بالبحث عن إشباع الشهوة الغريزية دون توجيه تلك العواطف المطلوبة عقلا وذوقا نحو إثارة الأفكار والأرواح، لذلك نرى معشر المسلمين أحرص على الغيرة منهم على استبقاء الشعور بالحياة والحرية. كما أن دعاوى هؤلاء بخصوص ما اصطلحوا على تسميته بـ"ستر العيوب"، يفضح عجزهم عن التفكير في "إمكان زوالها" والاعتذار عن تكرار الوقوع فيها مجدّدا بأنها مقدرة في الأزل، لذلك غالبا ما شكّلت مختلف تلك الممارسات تعلّة لدى الماسكين بالحكم يحتجّون بها قصد الهروب من المرجعة، مع إسراف في سوء التصرّف وجولان لليد بغير حق في ما استباحوه دون موجب سوى الاستمتاع بما سمحت لهم به الغلبة والاستئثار بالسلطة.
وتبدو الهنات المستجلبة جد معبّرة عن طبيعة التناقضات التي شقت المجتمع التونسي وعن درجة الإحباط الذي خلفته لدى مؤلف الخواطر، وخاصة من حيث قلة نجابة التونسيين في تحمل مسؤولية تصرفاتهم ورفض الاعتراف بالنقص أو القصور تفاديا للوصف بالعجز، والتفاني في جمع المال مع الإعلان عن احتقاره تحت غطاء التمسك بالتقوى، والإصرار المبالغ في التمسّك بالنقل والتقليد والاستعاضة عن العمل بعديم السجال والمماحكة والبقاء عالة على الشعوب المنتجة للمعرفة استعظاما لما حققته وتثبيطا لعزائم الراغبين في اقتفاء أثرها وتوجيه سهام النقد لجميع المبادرات الصادرة عنهم. كما شجبت الخواطر العديد من السقطات المتفشّية بين جميع شرائح المجتمع التونسي على غرر كثرة الجدل وقلة العمل واستسهال توجيه النقد للغير، مقابل التمسك بالمحافظة والعجز عن تجاوز الخوف والتستّر على العيوب والإفراط في الرياء والكِبْرِ المُعْدِمِ لكل ذوق. هذا فضلا عن تناقض التونسيين الصارخ في ادعاءهم الرغبة في إصلاح منظومة التحصيل مع الارتياب من تلقي العلوم العصرية وقَصْرِ تحصيلها على الذكور واعتباره رذيلة في حق غيرهم، والتهيب من تقليد الأمم الناهضة في آدابها وفنونها خشية التفسخ والذوبان، والتشوّف إلى سن الدساتير مع التلهف لاستلهام الماضي الذهبي لخلفاء الإسلام المبكر وملوكه.
وتتضخم تناقضات المجتمع من خلال شعوره المرير بالنقص والإحساس بالفقر مع الإسراف في صرف فادح الأموال بغية اقتناء ما تنتجه مصانع الأمم المتحضّرة، وهو ما ينهض حجة على الاستعاضة عن الاعتراف بالصغار والعجز بادعاء الفقر وقلة ما باليد والإفراط في الحسية وإلهاب المشاعر والإمساك برسن العقل خشية انطلاقه نحو "جنة" أرضية لا يُغني التشوّف لها مع "بغض الطرق المؤدية إليها". لذلك يعتبر مؤلف الخواطر أنه لو قدر لمعاصريه التبصر بعيوبهم "لنالوا من الحياة أمانيها" وتمكنوا من تصويب تصرفات حكامهم بردّها إلى الحجج والقوانين العقلية دون سواها.
يشجب الحداد في معرض توقّفه عند قصر ذاكرة التونسيين وعدم اتعاظهم بجميع ما حصل لهم من كبوات على غرار محاولة الإدارة الاستعمارية الاستيلاء على الأوقاف الخاصة وإجبار الباي الناصر في مفتتح العشرينات على التنازل على العرش وصدور قانون التجنيس وانتزاع الأراضي الزراعية وتمكين القضاة الفرنسيين من البت في النزاعات بين التونسيين ونصب تمثال الكردينال لافيجري بمدخل المدينة العتيقة، استغراق معاصريه في نهش لحم بعضهم البعض تخوينا وتكفيرا وانتقاما ممن ينبئوهم بمساوئ تصرفاتهم المُخجلة المُشينة، والحال أن تطرّفهم في القول وإفراطهم في التعبير عن حماسهم غالبا ما يوازيه التفريط في حقوقهم المسلوبة بحكم الاستغراق في التحاسد والتباغض ودعاوى الاعتدال الكاذب.
يتبين بالتعويل على ما صاغه الطاهر الحداد ضمن خواطره أن التأليف في هذا الضرب نوع من الاستغراق في الذات مداره تأمّل الواقع المعاش واستشراف المصير عبر الشّك في جميع الثوابت، مع اعتبار ما يطرأ على تصرفات البشر من تقلّبات أمرا طبيعيا يَعْسُرُ معه التعرّف على حقيقتهم التي لا تخضع لأي منطق علمي كان أم فلسفي. وهو ما يسهل استقراؤه بالرجوع إلى المضامين التي جُمعت ضمن خواطر مارسيل مونتاني Marcel Montaigne  ومقابسات برنار روسيل Bernard Russel وبلاز بسكال Pensées de Blaise Pascal ولويس فرناند سيلين Louis Ferdinand Céline  وغيرهم. حيث يتبيّن لنا بجلاء خضوع هذا الجنس الأدبي لمطلق التجريب واتصال عملية تجويد محتواه بالزيادة، والحذف مع التعويل على التأمل الخلاق دون التفكير في تبويب مسبق أو تدرّج منطقي.
فالإنسان لا يقبل بغير ما شبّ عليه، ولا يرتاح لغير أفكاره المسبقة المتعصّبة لمصالحه، وهو في جميع ذلك مجرد لعبة تتقاذفها الظروف الخارجية وتخضع قراراتها إلى انطباعاتها المنحازة. هذه الحقيقة الأزلية هي ما حوْصلته بالضبط خواطر الطاهر الحداد للتونسيين بتلقائيته المعهودة. فقد عولّ على بسيط الكلم الممزوج بحيوية الحسّ، مع قدرة عجيبة على تقريب أعمق التصوّرات من ذهنية عامة الناس، والصدور عن شعرية فذّة نزّلت المجردات منزلة الاستعارات الأليفة، تماما مثلما تناقلته الأغاني التراثية من معاني عميقة نجهل من ألف كلماتها السهلة الممتنعة على شاكلة هذا القبس من "عروبي" أو "فوندو" "فراق غزالي" الذي احتفظت بها الذاكرة الجماعية للتونسيين وشَدَتْ به حناجر مشاهير فنانيهم كابر عن كابر:              
يحدث على العبد ساعات... الشيء الذي لا يوالم
بني ادم اللي يقرأ العقبات ... تبعد عليه المظالم

حكرت ووزنت الأوقات ... ولا حد من حد سالم...